يلتقيان صباحا على مائدة الإفطار، يبدآن بتناول الشاي مع القليل من الجبن والخبز وبعض الزيتون فهذا الطعام كما كانا يقولان طعام صحي في زمن ما عاد يتوفر فيه الكثير منه، يحكي أحدهما طرفة ما فيضحك عليها الآخر، ومن ثم يصمتان فيعاودان الضحك عليها من جديد، هذا هو وضع الفنان العراقي القدير يوسف العاني وأحد رواد المسرح التونسي عز الدين المدني وهما يلتقيان صباحا أثناء مشاركتهما في مهرجان المسرح العربي في بيروت، وهما يقومان بهذا الطقس كل يوم، نتطفل عليهما ونلقي تحية الصباح ومن ثم نسألهما لماذا غابت الضحكة الحقيقية عن المسرح؟
يصمت المدني بانتظار أن يتحدث العاني فهو الأكبر سنا بل هو عميد المسرحيين العرب عن أربعة وثمانين عاما، يبدأ العاني حديثه بجدية وسرعة، مشيرا أنه ما عاد هناك مسرح كوميدي يضحك الناس بالمعنى المباشر للكلمة لأن مهنة التمثيل صارت تفرز شخصيات غليظة والكوميديا تحتاج من الممثل أن يكون خفيف دم قبل أن يخفف دمه وليس أصعب من أن يكون هناك من يجعلك تضحك دون تكلف، بل من المتعب أن يكون هناك كوميديا لا ادعاء فيها، ويشير العاني إلى أن هذا الأمر قد لا يكون مستحيلا بل هناك حسب ما يصف بعض الأسماء التي تجعل المرء يضحك ولكن ليس دائما، ويؤكد العاني أن المآسي التي يمر بها العرب لن تجعل هناك مجالا لأي فنان بأن يثير الضحك فالناس حزينة ولن يكون هناك ما يجعلها تفرح..! وخلال عمره الطويل في المسرح يعترف العاني أن المسرح التجاري كان موجودا دائما في حياة الناس وكان له السبق في أن يلم العائلة ولكنه كان محترما ولا توجد فيه صفاقات وإهانات كالتي نراها اليوم في مختلف المسارح التجارية..
ممثلون درجة ثانية
الأكاديمي العراقي الدكتور فاضل الجاف يراهن على أن الأجيال المقبلة ستحمل معها بذور كوميديا راقية، لافتا الى أن عدم الإقبال على المسرح من قبل الممثلين أدى إلى تراجع الاهتمام بالمسرح ومرد كل ذلك لعامل مادي يفرض هيمنته على تراجع دور المسرح وليس الكوميديا فقط والكوميديا تحديدا تحتاج إلى مزيد من العمل والتدريب والارتجال وبغياب الممثل المحترف سيتم الاعتماد على ممثلين درجة ثانية، وصعوبة الأمر في عدم وجود مواهب درجة أولى للعمل في الكوميديا وهم الذي فضلوا الذهاب إلى التلفزيون بدلا من العذاب بالمسرح بالمجان.
دور المعاهد المسرحية
بدوره يرى الباحث الناقد الدكتور عبد الرحمن زيدان من المغرب أن المسرح الكوميدي في العالم العربي ليس غائبا بل ربما مغيبا لأسباب تقنية لهاعلاقة بغياب الممثل والكاتب بالدرجة الأولى، وما يرى اليوم في المسرح العربي هو محاولات مخرجين لتقديم أعمال كوميدية لائقة، ولكنها ليست بالمستوى الفني العام، ويسعى الكتاب عموما من أجل الخروج بنتائج جيدة على صعيد تقديم نص مسرحي جيد، ولكن تبوء معظم المحاولات بالفشل، ومن خلال زياراته للمهرجانات العربية لم يجد زيدان عملا كوميديا يرقى لمستوى الطموح، بل كل ما شاهده هو عبارة عن أعمال دون المستوى المطلوب، ويبدو أن المعاهد المسرحية في العالم العربي معنية بتطوير المستوى التقني للكتابة المسرحية بتدريب طلاب الدراسات المسرحية حول هذا الأمر وجعلهم يرتقون بالمادة الكوميدية إلى مرحلة تجسيدها على الخشبة.
أمن العائلة العربية
النجم السوري أيمن زيدان الذي عرف في المسرح السوري بأنه يمسك العصا من المنتصف بتقديمه مواضيع جريئة وحساسة وكوميدية بالوقت نفسه يدرك تماما ما الذي يضحك الناس دون أن يسف بالذوق العام مؤكدا أن هذا هو السهل الممتنع الذي ما عاد أحد سيهتم بالغوص فيه، لافتا أن الناس مهام كانت مكتئبة هناك طبعا ما يدغدغ أرواحهم ويجعلهم يفرحون ويضحكون من أعماقهم وبالتالي هناك معادلة لها علاقة بالنص بالدرجة الأولى مؤكدا أنه في الأعمال التي قدمها سعى باتجاه تقديم رؤيا اجتماعية بالدرجة الأولى دون المساس بأمن العائلة العربية لافتا أن كلمة أمن العائلة العربية تقتضي عدم الخوض في الدين والجنس بالدرجة الأولى، والمسرح الآن ولا سيما التجاري منه صار يسف باستخدام مفردات كثيرة تخرب مسامع من يسمعها وهذا التلوث يجب محاربته بتقديم أعمال مسرحية لائقة من قبل محترفين وعارفين بالكوميديا الراقية وتفاصيلها.
وقدم الفنان أيمن زيدان مسرحيتين هما سوبر ماركت وراجعين وهما عملان كانا يحققان حضورا كبيرا في المشهد المسرحي السوري نظرا لاعتمادهما على مبدأ الكوميديا الراقية ومحاكاة تفاصيل لها علاقة بالمشهد الإنساني والاجتماعي العام في سوريا.
تراجع موهبة الكتاب
هنا يتدخل الكاتب المسرحي القدير عز الدين المدني ليشير أن المسرح بشكل عام وجد منذ بداياته ليرفه عن الناس، وكان اليونانيون أيام زمان أوجدوا ما سمي بمسرحية «الساتير» وهي رابعة المسرحيات التي تقدم في الطقوس الدينية، وكانت كوميدية بالغالب وبرز من الكتاب الكوميديين أريستوفان ليكون أحد أبرز كتاب الكوميديا في عصره ولكن الكوميديا تحتاج إلى كاتب محترف عارف بالبشر ودواخلهم وتفاصيلهم وربما عدم وجود الكوميديا الجادة هو بسبب غياب الكتاب العارفين بطبيعة البشر وهي أزمة المسرح عموما في العالم العربي حيث تراجع حضور الكتاب وضعف دورهم الذي ترافق مع غياب المواهب أساسا وفي النهاية هناك عروض مسرحية تقدم تحت اسم الكوميديا ليس لها علاقة بالكوميديا وما نراها حركات يقال انها تهريج كذلك الأمر هي ليست تهريجا لان التهريج مشتق من الكوميديا وهو نوع صعب في التمثيل.
الكوميديا الراقية.. غائبة!
الباحثة المصرية والكاتبة والمخرجة المصرية هدى وصفي كتبت عن فنون المسرح من خلال ما يزيد على سبعين مؤلفا مسرحيا وقد أشارت إلى أن الكوميديا هي الشغل الشاغل لمعظم الفنانين في العالم العربي، ولكن هذا الشغل لم يتبلور ليشكل حركة وحضورا ما في المشهد العربي، بل على العكس هناك تراجع في مفهوم الكوميديا وفي تجسيدها على أرض الواقع، بحيث لا يمكن لزائر المسرح أن يخرج بجرعة كوميديا نظيفة وراقية بل لابد من أن يكون هناك مساحات من التكلف مدعومة بحركات مجانية لا يمكن لها ان تكون ذات صلة بما يمكن أن يثير الضحك، وطالبت وصفي بان نعود لجذور الكوميديا في حال كان هناك قلة في الكتاب وضعف بالمواهب، ولعل تلك الجذور تساعد المخرجين العاملين بالمسرح على أن يقدموا أعمالا ذات صيغة مسرحية لافتة ومتطورة لجهة الكوميديا الراقية.
