هل تستطيع الموسيقى حقاً أن تؤثر في تفكير الناس ورؤيتهم للعالم والآخرين، وتشيع لغة التسامح والسلام والمحبة بين البشر عبر لغة اللحن والنغم الموسيقي بعيداً عن الصراعات والحروب والخلافات؛ هذا ما تحاول فعله «أوركسترا العالم لأجل السلام» التي تأسست عام 1995م على يد المايسترو الراحل جورج شولتي بدعوة من أمين عام الأمم المتحدة السابق بطرس غالي لمناسبة مرور 50 عاما على تأسيس المنظمة الدولية، وهذه الفرقة التي صدحت موسيقاها بقصر الإمارات ضمن مهرجان أبوظبي الذي تنظمه مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون؛ فريدة من نوعها ، فهي تجمع عشرات الموسيقيين من 60 فرقة عالمية من 33 دولة لعزف المقطوعات الكلاسيكية حول العالم لنشر ثقافة السلام. «الحواس الخمس» التقى قبيل حفل قصر الإمارات بمايسترو الفرقة الحالي فاليري غيرغييف والليدي شولتي راعية الفرقة وتشارلز كاي مدير عام الفرقة، وكان هذا الاستطلاع حول الفرقة وما تحاول نشره من ثقافة إنسانية حول العالم..

شولتي: كنتُ شغوفة بالجاز إلى أن التقيت زوجي

اعترفت الليدي شولتي زوجة قائد الأوركسترا الراحل جورج شولتي بأنها كانت تستمع وتنجذب لأنواع موسيقية وغنائية مختلفة مثل الجاز وأنواع الموسيقى الحديثة كموسيقى البوسونوفا التي ظهرت مطلع ستينات القرن الماضي، ولكنها رغم ذلك كانت تستمتع بمقطوعات الموسيقى الكلاسيكية بعد أن جذبها والدها الراحل نحو هذه الموسيقى عبر عزفه على البيانو، وأضافت: «لا شك أن اختياراتي وخياراتي نحو اختيار الأنواع الموسيقية قد تغيّر صورة كبيرة بعد لقائي بزوجي المايسترو الراحل جورج شولتي، فلقد كان موسيقياً عظيماً ويملك خبرة وثقافة فنية كبيرة جذبتني إليه وإلى عالم الكلاسيك بشكل شخصي وعملي، فعشقت هذا النوع الموسيقي وتفرغت له وثقفت نفسي فيه منذ تلك المقابلة عام 1964م والتي ذهبت فيها لإجراء حوار مع شولتي لصالح شبكة بي بي سي»، وحول تأثير الموسيقى والفن على واقع الناس وما يعانوه من حروب وصراعات باعتبار أنها أحد مؤسسي وأكبر رعاة أوركسترا العالم لأجل السلام؛ قالت: أعتقد أن مهمة الموسيقى الحقيقية هي الرقي بالمشاعر الإنسانية وتهذيب النفس البشرية والسمو بها، ولا أعتقد أن هناك تأثيراً فسيولوجياً للموسيقى على أرض الواقع من هذه الناحية؛ إلا أن لها تأثيراً إيجابياً يمكن أن يطلق عليه تأثير روحي أو معنوي، وهذه الفرقة هي محاولة لخلق حالة من التفاهم والحوار الحضاري بين الشعوب ورفض منطق الحروب وإقصاء الآخر بسبب الاختلاف، ولم نعانِ أية مشاكل في جمع وجذب عشرات من الموسيقيين من كل أنحاء العالم الذين آمنوا بهدف الفرقة ودورها في نشر السلام».

جورج شولتي: الموسيقى سفير حقيقي للسلام

عبّر جورج شولتي المؤسس والمايسترو الراحل لفرقة أوركسترا العالم لأجل السلام؛ في أكثر من مرة عن إيمانه بقوة تأثير الموسيقى في حياة الناس، فأطلق مقولته الشهيرة: «الموسيقى هي القوة الحقيقية والصادقة كسفير للسلام في العالم» وولد جورج شولتي باسم جيورجي ستيرن في 21 أكتوبر 1912 في بودابست، هنغاريا، درس التأليف الموسيقي والعزف على البيانو في أكاديمية فرانز ليسزت في بودابست، وكان أول ظهور علني له عندما كان في سن 12 عاماً، قدم أولى مشاركاته الموسيقية عندما عمل مساعداً في أوبرا بودابست عام 1930، وأصبح أستاذاً وقائداً للفرقة بين عامي 1934 و1939، انتقل شولتي إلى زيوريخ لدى اندلاع الحرب العالمية الثانية، على أمل أن يصبح توسكانيني بمثابة الراعي له في أميركا، لكنه لم يستطع الحصول على تأشيرة الدخول في حين حذرته عائلته من العودة إلى هنغاريا، فواصل عمله عازفاً للبيانو، وفاز بجائزته الأولى في مسابقة جنيف الدولية عام 1942، وبعد الحرب، تم تعيينه مديراً عاماً للموسيقى في أوبرا ميونخ عام 1946 وساعد على إعادة تأسيس المعايير العالية للمؤسسة، وفي عام 1949 قاد الفرقة الموسيقية التي عزفت في جنازة ريتشارد شتراوس. مضى سولتي في مهنته ليصبح واحداً من أكثر قادة الأوركسترا تأثيراً في القرن العشرين.

غيرغييف تاريخ من الإنجازات الموسيقية العالمية

توقع المايسترو الروسي فاليري غيرغييف قائد أوركسترا العالم لأجل السلام أن تستمر وتيرة الإقبال والانتشار للموسيقى الكلاسيكية حول العالم، وشكك في قدرة أنواع الموسيقى الحديثة الأخرى أن تنتزع المكانة المرموقة التي تحظى بها الموسيقى الكلاسيكية التي قارب تاريخ انطلاقها على 5 قرون، وأضاف: «لا أعتقد أن الموسيقى الكلاسيكية ستخمد جذوتها في ظل حداثة العولمة والموسيقى الصاخبة المرافقة لها، والدليل على ذلك هو توافد مئات الآلاف حول العالم على حفلات الموسيقى الكلاسيكية ومن مختلف الأجيال على مدار العام، وانتشار مدارس تدريس الموسيقى الكلاسيكية التي تسمو بالروح الإنسانية وتستمد خلودها وسر بقائها من رقيها وأصالتها ومخاطبتها للروح والعقل الإنساني وما تبثه فيه من معانٍ سامية»، وحول وقوفه قبل سنوات على خشبة مسرح قاعة كارنيجي العالمية كأول قائد أوركسترا روسي يقود فرقته للأداء في هذه القاعة بعد مضي نحو قرن على قيادة المؤلف الشهير تشايكوفسكي؛ قال غيرغييف: «لا شك أنني شعرت وما زلت أشعر بالفخر بتلك الأمسية الرائعة؛ إلا أنني أشعر بالفخر والشغف في كل مرة ارتقي فيها قاعة مسرح لقيادة الفرق الموسيقية سواء في أبوظبي أو القدس أو لندن.

من روسيني إلى تشايكوفسكي

عزفت أوركسترا العالم لأجل السلام بقيادة المايسترو فاليري غيرغييف مساء الثلاثاء الماضي بقصر الإمارات مجموعة من أشهر القطع الموسيقية، حيث عزفت مقدمة أوبرا وليام تيل للمؤلف الإيطالي الشهير روسيني وهي تعتبر من أروع ما ألفه هذا المؤلف - بعد رائعته حلاق أشبيلية- حيث تتحدث الأوبرا عن أحد القرويين السويسريين الذين يعيشون في جبال الألب الشاهقة، وتنتقل الموسيقى لتصور تلك الأجواء وخاتمة الأوبرا عبر مقاطع آلات النفخ المدوية هي دعوة من روسيني للسويسريين للثورة - في تلك الآونة - ضد مضطهديهم من الإمبراطورية النمساوية، أما المقطوعة الثانية التي قدمتها الفرقة فهي المقاطع الأولى للسيمفونية الأولى للمؤلف الأوكراني سيرجي بروكوفييف والمعروفة لدى متذوقي الكلاسيك بالرقصة الفرنسية، وختمت الفرقة حفلها في قصر الإمارات بمقطوعة من السيمفونية الخامسة للمؤلف الروسي الشهير تشايكوفسكي التي كتبها أثناء رحلته إلى هامبورج.

تشارلز كاي: لغة الموسيقى تجمع العالم المختلف

يرى تشارلز كاي مدير عام فرقة أوركسترا العالم لأجل السلام أن لغة الموسيقى أقوى وأكثر انتشاراً من أي لغة أخرى في العالم، ويضيف: إن اللغة الموسيقية التي تجعل شخصاً يجلس في مكان ما يستمع ويتذوق لموسيقى تبعد عنه جغرافياً وثقافياً وعرقياً؛ أولى بأن تكون هي اللغة الأولى في العالم والأكثر انتشاراً لأنها لا تحتاج إلى ترجمة سوى الترجمة الروحية للمشاعر والأحاسيس والأفكار التي تبثها في أذن المستمع، ولغة الموسيقى هي القادرة على جمع العالم حولها مهما تصاعدت اختلافاتها وخلافاته، فأعضاء فرقتنا القادمين من 33 بلداً ومن جنسيات مختلفة حول العالم جمعتهم الموسيقى والهدف السامي لنشر السلام والحب والتفاهم حول العالم، ولعل تواجدنا في أبو ظبي للمرة الأولى في العالم العربي يعطي رسالة واضحة من هذه المدينة والبلد الرائع بأن الموسيقى هي لغة الكون الأساسية، فأبوظبي تصلح بحكم الكثير من العوامل أن تصبح مركزاً مهماً لتلاقي وحوار الشعوب والحضارات»، وحول اختيار المايسترو الروسي غيرغييف كخلفٍ لمؤسس الفرقة الراحل جورج شولتي، قال تشارلز كاي: «لقد التقى شولتي بغيرغييف أثناء حفل له في سان بطرسبرج قبل عدة سنوات، وشاهده وهو يقود فرقته وأعجب بثقافته الموسيقية الثرية وسعيه وتوافقه مع ذات المبادئ الإنسانية والفنية التي يأمل شولتي بنشرها، وبعد عدة جلسات بين الاثنين؛ اقتنع شولتي بأن غيرغييف هو المايسترو الأكفأ والأقدر على قيادة الفرقة من بعده، وهذا ما جرى بعد رحيله بالفعل».