«النص هو من يختارني، لا أتعب كثيرا في البحث عنه، ثمة الكثير من الأمور المحسومة في علاقتي مع المسرح وأهمها البحث عن النص ، لا أسمح لنفسي أن أكون باحثا عن أي نص مهما كانت النتائج التي سأقدمها.. يضحك ثم يتابع بالأساس أنا مقل بتقديم العروض المسرحية ولا مشكلة لدي، هناك نصوص تنتظرني في المكتبة بعد أن اختارتني منذ نحو نصف قرن» ..
بمنتهى الثقة بالنفس التي تقارب الغرور أحيانا يصف المخرج الفرنسي الكبير بيتر بروك وهو أحد ابرز عمالقة المسرح في العالم اليوم، علاقته مع النص وكيفية اختياره لنصوص عروضه المسرحية وهو أمر لا يخلو من السخرية ومن التهكم في الوقت الذي يبذل فيه الكثير من المخرجين العرب جهودا حثيثة من أجل الحصول على نص يناسب طموحاتهم الإخراجية ويلبي نداءاتهم الإبداعية .
بلبل .. تجربة إخراجية تعتمد على الحدث
المخرج الفنان فرحان بلبل يقول إنه اعتمد في تجربته الإخراجية على حدسه في علاقته مع النص، فالنص كما يقول لا يقدم نفسه بسهولة وهو أساسا مكتوب بمزاج صاحبه وحالاته المتغيرة، وهنا على المخرج وهو يقرأ النص المسرحي المفتوح أن يدرك ان هناك هدفا ما ورغبة عليه تحقيقها، وبالمقابل فإن البروفات الأولى قادرة على أن تؤكد هذا الاحساس وهذه الرغبة والمسرح في الوطن العربي غالبا ما يقوم على نصوص جاهزة يختارها المخرجون بناء على ما يرونه مناسبا لهم، وباعتقادي ان النص يجب ان يجتهد من اختاره لجعله قريبا من الناس وفق عملية إعداد ما تضمن للمشاهد الحصول على مادة معرفية في قالب فني ممتع .
الخطيب.. البناء الكلاسيكي يغريه
المخرج الأردني نبيل الخطيب يؤكد أن البناء الكلاسيكي للنص المسرحي يغريه ويدفعه لتبنيه ولكن ليس دون أن يجري عليه تغييرات تضمن له أن يكون بأفضل حلة حينما يقدم على خشبة المسرح، وبالمقابل يقوم اختيار النص عند الخطيب على إيلاء الأفكار الإنسانية العميقة والرؤيا الواضحة التي لا لبس فيها أهمية قصوى بالنسبة لديه، منبها أن لا يحبذ الأعمال المسرحية التي تقوم على نصوص مفتوحة لا إشارات فكرية فيها، ولا يعتقد أن النصوص الارتجالية التي قد لا تتيح مجالا بدعم حضور المشاهد العربي .
عصام السيد.. قراءة تقليدية للنص
المخرج الفنان عصام السيد يلجأ للقراءة التقليدية للنص المسرحي الذي يدرك أن فيه ما يضيفه لنفسه ولتاريخه الإبداعي في المسرح هناك الكثير من الإشارات التي تستوقفه يوميا في الحياة، ولكنها لا تصلح جميعها للمسرح كما يشير، وبالتالي العمل على اللحظة المسرحية يحتاج إلى تراكم معرفي وفني وما يختاره المخرج اليوم قد لا يختاره في مكان وزمان آخرين، وهنا يؤكد على البناء المعماري الكلاسيكي للنص المسرحي وخصوصا للمخرجين الجدد في الساحة المسرحية، لأن النص يبقى الرهان على ضمان نجاح عمل مسرحي ما .
ويطالب المخرج المصري القدير بضرورة ان يكون هناك وعي أثناء اختيار النص، إذ ليس من المقبول الآن اختيار نص غربي لا حياة فيه ولا إسقاطا واقعيا يضمن له الخروج بنتائج فنية وإبداعية، وهذا ما تعكسه علاقة المسرح بالحياة وعلى كل الأحوال لا يوجد في المسرح نصوص جاهزة للتقديم.
مسعود .. لحظات عابرة تشبه الوميض
يؤكد الفنان غسان مسعود ان النصوص المسرحية التي قدمها في الماضي اعتمد في اختيارها على لحظات عابرة تشبه الوميض، إذ إنه في حالة البحث عن نص مسرحي ما لإخراجه يبدأ قراءة موسعة لقصص قصيرة وروايات ومقالات صحفية وما الى ذلك دون أن يتوجه مباشرة صوب النص المسرحي، فالنص المسرحي الجاهز هو آخر اهتماماته على اعتبار انه يقوم بعملية إعداد مغايرة على النصوص التي يعمل عليها وبالتالي فهناك الكثير مما يستوقفه، والأمر حسب غسان يحتاج الى آلية للتعاطي مع مفهوم النص المعد للاخراج أيضا، وهذا مجال آخر للحديث فيه ولكن على العموم هو لا يستطيع ان يتجاهل نداء النص ذاته او تجاوز نداء اللحظة بحد ذاتها، وفي النهاية النص الذي سيقدم على خشبة المسرح سيتبناه مسعود بكل ثقة وحب وسيدافع عنه لأنه خياره.
نضال أشقر.. كتلة معرفية وفنية
المخرجة اللبنانية نضال أشقر ترى في النص المسرحي الكتلة المعرفية والفنية التي تتوافر فيها ولا تتوافر بغيرها وهذه الكتلة تفرض ثقلها على القارئ وهو المخرج الافتراضي لهذا النص وبالمقابل هناك الكثير من التفاصيل التي تمر على ذهن المخرج، وهو يقترب رويدا رويدا من هدفه، ولا تشجع نضال النصوص الجاهزة بل يجب على المخرج الحقيقي ان يحسن الاختيار وان يدخل في سراديب العملية المسرحية وان يعرف كيف تتم عملية بناء الشخصية ولحظات الصراع من ألفها الى يائها وتعترف نضال بأن الكثير من المخرجين العاملين في المسرح لا يمسكون تماماً بالنص المسرحي الذي يرغبون في إخراجه ويتعاملون معه على أساس أنه كتلة قابلة للتغيير، وعلى الرغم من أنهم يراهنون على الممثل في علاقتهم مع المسرح إلا أنهم سرعان ما تصادفهم العراقيل والمشاكل ليصلوا إلى عرض نصه ضعيف وفضائه متعثر .
