أجمع المشاركون في مؤتمر«اليوم الواحد» ضد «داعش» والتيارات الإرهابية، على أن المواجهة الفكرية والمعرفية للخطاب الديني الذي تتأسس عليه الجماعات العنفية، تأتي في مقدمة الحرب الشاملة التي ينبغي أن يتم شنها على هذه الجماعات وذلك قبل أن تتحول إلى تيار منتشر يصعب بعد ذلك التعامل معها. جاء ذلك في ختام المؤتمر الذي نظمه الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، يوم أول من أمس في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع المسرح الوطني في أبوظبي، بمشاركة عدد من المفكرين والكتاب.

مواجهات متعددة

وفي بيان أصدره المشاركون أكدوا على ضرورة تعدد الوسائل والأدوات في المواجهة ولعل أهمها تفكيك المسلَمات التي يقوم عليها هذا الفكر مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والموقف من غير المسلمين ومسؤولية الإنسان المسلم عن تدين الآخرين وإيمانهم وفكرهم وعقائدهم.

لجانب مراجعة مناهج التعليم، وتنقيتها من الفكر الذي يتأسس عليه فكر هذه الجماعات، وإصلاح خطب الجمعة التي تقدم دائماً صورة عن تاريخ المسلمين وشخصياتهم الأساسية والكبرى على أنه كله تاريخ حروب وجهاد.

وتقديم أعمال فنية تقوم بتصليح الأفكار المغلوطة التي يعتمد عليها المنتمون لهذه التيارات. وتغيير الخطاب الإعلامي للتعامل مع الموضوعات التي يدخل منها المنتمون لجماعات العنف إلى عقول الشباب.

ومراجعة كتب التراث الإسلامي التي يتم تدريسها في مؤسسات التعليم الديني الجامعي وقبل الجامعي. وتكرار مثل هذه الندوات على مستويات مختلفة وفتح الباب للحوار بين المفكرين والباحثين والجمهور العام لتوعية الأسر على كيفية اكتشاف ومواجهة هذا الفكر إذا ظهر عند أولادهم وبناتهم. وتشجيع الكتاب والأدباء لكتابة أعمال فكرية وفنية وأدبية تعالج الأبعاد الفكرية والنفسية لهذه الظاهرة.

تطوير المناهج

كما أكد البيان الختامي بأنه على الفكر الحر في المنطقة العربية التحول من حالة الدفاع التي فرضتها عليه التيارات المتطرفة باسم الدين إلى حالة الهجوم، ولفت الانتباه بقوة لتطوير مناهج التعليم التي تمثل في الواقع أحد أهم منابع التكوين المتطرف. النظام التعليمي ككل، مثال«فكرة إزدواج التعليم الديني والتعليم المدني». والعمل على الفصل بين الفقه والعقيدة وبيان مفهوم كل منهما والتركيز على الخطوط الفاصلة بينهما والفصل بين «المقدس» و«غير المقدس». وضرورة تغيير الخطاب الإعلامي.

الفكرة النقيضة

في كلمته الافتــــتاحية أشار الشـــاعر حبيب الصايغ الأمـــين العام للاتـــحاد العام للأدباء والكــتاب إلى أن تضامن الكتاب والأدباء والفنانين العرب ضد الإرهاب والتطرف، جاء لتكريس فكرة مواجهة داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية بشكل منهجي وجمعي. وقال: الأهم التغيير في أسلوب تفكيرنا ومشروعنا الثقافي المشترك بدءاً من العمل على تحقيق التواصل الثقافي العربي لما يتلائم مع الطموح بما يتناسب مع هذه المرحلة العربية العصيبة والحرجة. وأضاف سيكون هذا تحت مظلة الأمانة العربية للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. ثم التوافق بين جميع الاتحادات وروابط وجمعيات الكتاب العربية على الوقوف معنا ضد التنظيمات الإرهابية.

داعش خصوصاً

وأشار الصايغ إلى أن الإرهاب اليوم ظاهرة عابرة للقارات، وهناك إرهاب تنتجه العديد من المذاهب وقد اخترنا «داعش» خصوصاً في واجهة عنواننا اليوم لأنه يقتل الناس على الهوية ويبيع الناس ويدمر الآثار ويتخذ مواقف سلبية غريبة من الحضارة والثقافة والفن، وقبل ذلك يعمل ضد الحياة وضد الإنسان في كينونته وإرادته وحريته.

ورأى أن مواجهة «داعش» بتكريس نقيض فكرة عمله واحترام الحوار وقيم الحرية والتسامح والعدالة والمساواة والانفتاح على الآخر وقبوله.

ودعا الصايغ إلى تغيير كامل وحقيقي في الثقافة والكتابة والإعلام والتعليم. وشدد على أهمية تجربة الإمارات في مواجهة الإرهاب متعدد الأشكال بالفكر الهادف والإعلام المدروس.

الفن حرب تنويرية ضد ظلمة التيارات المتطرفة

في الجلسة الختامية التي جاءت بعنوان «داعش والفن – الحرب والتنوير» تحدث الروائي علي أبوالريش، والفنانة تيسير فهمي وأدارت الحوار الدكتورة أمل صقر.

أفكار نيرة:

وركز أبو الريش في مستهل ورقته على أهمية الفن ودوره الإيجابي في المجتمعات. إذ قال: عندما يتجسد الفن بالحياة فهذا يعني انتعاش كل إنسان. وأوضح نحن نتحدث عن«داعش» هي «المنكر» مع العلم إنه «واقع إنساني يبدأ بالظلمة والعتمة» كما قال أحد الفلاسفة الألمان. وأضاف: الواقع أننا نعيش عالماً داخلياً لا يسمح لنا أن نتصالح مع الآخر، بل نعيش مع ضجيج لا يسمح لنا بأن نسمع الآخر. ونوه أبو الريش بأن الفكر الإرهابي الذي كان سائداً في أوروبا قد تصدى له الفلاسفة والمفكرون. وقال: تصدوا له بأفكارهم النيرة، ونحن نحتاج إلى مفكرين، إلى جانب هذا يجب علينا أن نتوقف ونتصالح مع أنفسنا أولاً.

سطوة الفن

قالت الفنانة تيسير فهمي: إن الفن هو الأسهل للتواصل مع الناس والمجتمع لكن في وجود المنظومة الدينية المتطرفة التي تسيطر بأفكارها الآن على الشارع لا يمكن للفن أن يصل إلى المجتمع بالشكل المطلوب منه. وأوضحت: نحن نحتاج لأن نصل إلى الشباب لكن التطرف هو الأقوى الآن، والتطرف مبني من منظومة متكاملة. وأضافت: الفن يعمل الآن ضمن ما يجري على أن يصل إلى المجتمع ويقدم الأفكار بشكل درامي يفيد ويهذب ذائقة المتلقي.

صراع معرفي مع الفكر الداعشي

تحت عنوان المواجهة المعرفية للفكر الداعشي أقيمت الجلسة الأولى وشارك فيها الدكتور نصر عارف والدكتور عبدالجواد يس وأدار الجلسة الكاتب خالد بن ققه الذي كشف عن محاولات الاتحاد استضافة فتاة إيزيدية عمرها 16 عاماً، عانت كثيراً من جرائم «داعش». وقال: كانت الفكرة أن نوضح جرائم داعش مباشرة إلا أن معارضة أهلها حالت دون ذلك.

تغيير

استهل الجلـــسة الدكتور نصر عارف الذي أشار إلى الثقافة التي فرضت نفسها على العالم الإسلامي. وقال: انتهت بنا الحال إلى الوصول إلى 67 مذهباً في الجانب السني، وانتشار ثقافة الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين، وساعد على هذا انتشار الثروة المالية ومقومات العصر. وأضاف أصبح هناك نسخة محدودة تقضي على الخصـــوصيات والتنوع من خــــلال فكر بوكو حرام والقاعدة وداعش.

وأوضح: مازال هذا الفكر يؤدي إلى وجود مواجهتين معه الأولى أمنية، عند خروجه من بنية الفكرة من قبل هؤلاء إلى فعل. ومواجهة إعلامية باعتبار أن الإعلام يغذي فكر «داعش» وينشره. وأشار إلى أن الإسلام كهوية يعتبر جزءاً من عادتها ولكن الإسلام كأيديولوجية سياسية لا تتعدى 1%، ولهذا قد يظن البعض أن الذين يواجهون داعش يواجهون الإسلام كهوية.

وقال عارف من يقرأ بدقة كتاب«إدارة التوحش» سيرى كيف أن الإعلام يدفع الكثيرين إلى التنظيم مثل ظلم أسلوب الأميركيين والحكام الظالمين الذين يقومون بكذا وكذا.

ورأى بأنه لمواجهة داعش يجب تفكيك البنية المعرفية التي بني عليها داعش وإلا سنظل ندور في حلقة مفرغة. وقال إن البنية الفكرية تبدأ من أول من يغذي «داعش» بأننا لا نقدم في التاريخ إلا مجاهدين وغزوات.

وانتقل عارف للحديث عن مسؤولية المجتمع عن تبليغ الدين. وقال: ليس مسؤولية المسلم إيمان وكفر الآخرين. كما أشار إلى علاقة المسلمين وغير المسلمين والنسق المعرفي في معنى الجهاد والعلاقة بين ما يسمى الخلافة والدولة الحديثة. مفسراً بأن الإسلام لم يعرف مفهوم الدولة بل «العوائل الحاكمة» ولهذا يكون هناك خلل هائل إن اسقطت تلك المفاهيم على الدولة.

وأشار أخيراً إلى أهمية إيجاد أفكار تعتمد على الحضارة لمناقشتها لأجل إبطال خطاب«داعش». وتمنى أن تقوم الدول العربية بتجريم تأسيس الجماعة.

مناهج المواجهة

أشار الدكتور عبدالجواد يس إلى أن ورقته تدور حول العنف الديني ومناهج المواجهة المعرفية حيال إشكالية معقدة ومتشعبة. وأضاف: إلى جانبها هناك إشكالية اجتماع التطرف والعنف الديني والتي لا تدخل واقعياً بالإرادة المنفردة للفكر ولا تزول تلقائياً بمجرد تفكيك المشكل إذ افترضنا أن هذا الأمر ممكن. وقال: التغيير الاجتماعي يحدث وفقاً لقانون الاجتماع الذي يحكم تفاعل المكونات المختلفة الثقافية والعقلية.

مشيراً بأنه لا يعني بهذا إنكار قيمة الفكر فالمسألة تتعلق بتطورات ضرورية اقتصادية واجتماعية.

أما مصادر العنف الديني فهي كما أوضح يس الأصول النظرية المسكوت عنها وهي الأصوليات الإسلامية ظاهرة اجتماعية ككل. وأضاف إلى جانبها الظاهرات التي تتغذى على الواقع البيئي المعاصر هي الأصوليات ظاهرة دينية تصدر عن دوافع بيولوجية وتستند إلى فقه وتنتمي إلى تراث الديانة الرسمية.

ورأى يس بأن هناك بالفعل إشكالية تتعلق بالتراث التاريخي والتفسير الذي تسيل الدماء من فوق صفحاته، وهو مصدر مباشر لتأويلات الأصولية المعاصرة بالذات داعش.

وقال: هناك إشكالية أخرى تتعلق بالنص وهو الأكثر حساسية لأنها تحتاج إلى توضيح، فهناك ما ينتمي إلى الدين والله وهو المطلق وهناك ما هو اجتماعي تاريخي نسب إلى النص الديني. وأضاف: لذلك تم تحويل الغزو إلى فريضة دينية تعني الاستمرار في القتال.

فيلم

في مستهل المؤتمر عرض فيلم من إنتاج سكاي نيوز عربية، عن «داعش» جاء فيه أن «داعش» ولد من بحر الإرهاب ويتفاخر بوحشيته، ويرقص على جثث ضحاياه، ويرتكب جرائم بذريعة الدين.

مناهج

أشار نصر عارف إلى تجربة الإمارات بتغيير المناهج والتي أشرف عليها بشكل شخصي. وقال ركزنا في المناهج على جوانب أخرى لا تتعلق بالغزوات والقتال.

مواجهة «داعش» انتصار لفكرة النور

قال حبيب الصايغ: من حسن الطالع أن مقر الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في مدينة أبوظبي الجميلة عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، عاصمة التسامح والسعادة والهناء والوفاء، من حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» إلى جيل القيادة الحالي وعهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

وأضاف: أردنا اليوم أن نقول لداعش الشر وأمثاله، أن كتّاب الوطن العربي ضمير أمتهم لهم كلمتهم وفعلهم في المحافظة على حاضر ومستقبل الأولاد والأحفاد.

وقال: بعيداً عن التهويل فإن الفكر الداعشي حاضر للأسف في أوساط عامة متعددة مجتمعية وثقافية وأكاديمية وإعلامية، ونحن حين نواجه «داعش» والتنظيمات الإرهابية بغض النظر عن دينها ومذهبها ولغتها وجنسيتها فإنما ننتصر لفكرة النور والحياة ضد فكرة الظلام والموت.

التصدي للفكر المتطرف عبر وسائل الإعلام

أدارت فضيلة السويسي المذيعة في قناة سكاي نيوز عربية، محاضرة «الفكر المتطرف وحرب الإعلام» والتي شارك فيها الدكتور يوسف الحسن، والإعلامي منصور النقيدان.

وأشار د.الحسن إلى أن اعتناق الفكر المتطرف لم يبدأ من داعش إنما جذوره موجودة في التاريخ، وقال في هذا العصر الذي اتصف إعلامه بالعولمة، استثمر الأدوات التقليدية والجديدة مثل وسائل التواصل الاجتماعي التي جندت اتباعه، ولم يكن من الغريب علينا أن نجد رجلاً بمظهر متدين وهو يعمل على الإنترنت.

من جهته تساءل النقيدان لماذا لا نظهر أشخاصاً من المتطرفين في الإعلام، ولماذا يبقون في الظل وقال: قلما نرى هذا وإن كانت الـ «إم بي سي قد بثت قبل سنوات لقاءات مع من كانوا في السجن، وأكد بأنه على السلطة أن تكشف الفكر المتطرف دون البحث في الجذور والفكر التكفيري الموجود يحتاج إلى مناقشة.