منذ اللحظات الأولى لانطلاقة الدورة الثانية من معرض «فنون العالم دبي» تحت مظلة «موسم دبي للفنون»، والذي افتتحه صباح أمس سمو الشيخ حشر مكتوم آل مكتوم، في قاعة الشيخ سعيد 3 بمركز دبي التجاري العالمي، توافد الجمهور من عشاق الفنون البصرية ليتحول المعرض منذ الساعة الأولى إلى خلية نحل بحيوية التفاعل بين الجمهور والفنانين والقيمين على الغاليريهات، في أجواء من الألفة نظراً لخصوصية تقارب أجنحة المعرض من جهة..

ومن جهة أخرى اختلاف مفهوم المعرض حول رصد المقتنين أصحاب الأرقام الكبيرة، فكل زائر للمعرض هو احتمال لمقتن ناشئ نظراً لاعتدال أسعار العديد من الأعمال، خاصة تلك التي طبعت منها نسخ محدودة.
يتميز المعرض الذي يستمر حتى 9 أبريل الجاري، بانفتاحه على العديد من البلدان باتجاهين هما: الغاليريهات والفنانون المستقلون. وتتنوع الأعمال بين مختلف المدارس والتيارات الفنية الحديثة والمعاصرة في مختلف وسائط الفنون البصرية من عمان إلى أمستردام.
وحي دبي

يستوقف الزائر في جولته الاستطلاعية الأولى محوران بارزان، أولهما لوحات استلهمها أصحابها الفنانون المقيمون في الخارج من وحي مدينة دبي، كالفنان البريطاني ستيف ميغاسون الذي يقول لـ«البيان» عن لوحته:
«عشت في دبي 11 عاماً وعملت رئيس قسم الفن في مدرسة راشد للبنين من عام 1986 وحتى مغادرتي إلى هونغ كونغ، وبعد زيارتي الثانية لها قبل ثلاثة أسابيع رسمت لوحتي هذه التي جمعت فيها خصوصية جماليات ونجاحات تلك المدينة».

وتقول النحاتة اليابانية تاكويا ناكامورا: «استلهمت التكوينات المعدنية من خصوصية جماليات ناطحات السحاب في دبي وتنوعها بين مختلف مدارس العمارة المعاصرة والتراثية الإسلامية، واخترت الهلال كرمز لحضارة هذا البلد الإسلامي».
مفاجأة جديدة
المحور الثاني بمثابة مفاجأة لمتابعي نتاج الفنانين التشكيليين المحليين، حيث ضمت صالة لمياتوس المشاركة في المعرض لوحة متوسطة الحجم تلفت انتباه المارة على الرغم من كونها مرسومة بالأبيض والأسود، وذلك لخصوصية التكوين وجرأة الفنان في التعامل مع مساحة البياض الذي يفصل بين ما يشبه جدارا حجريا متعرجا في أسفل اللوحة بلون رمادي داكن..

والسحابتين المندفعتين باتجاه مضاد في الأفق الأعلى كما لو عاشقان يلتقيان بعد طول غياب، ليكتشف الزائر بعد تمعنه طويلاً في اللوحة أنها للدكتورة نجاة مكي التي ارتبطت لوحاتها في ذاكرة عشاق الفن بغنى الألوان، تقول نجاة وهي تبتسم: «هذه اللوحة رسمتها قبل ثلاث سنوات ضمن مجموعة مختلفة».
أجنحة اليابانيين
كي لا يتشتت الزائر في جولته، يختار التركيز في البداية على أعمال الفنانين اليابانيين الذين مثلتهم شركة الترويج اليابانية وضمت أجنحتهم أعمال أكثر من 20 فناناً، تنوعت بين الفن الياباني التقليدي للخط واللوحة والرسم بالأحبار والفن المعاصر..

والنقش على الزجاج وباقات الزهور المشكلة من الخرز، ولوحات بأبعاد متعددة المشغولة بالورق أو تلك المستلهمة من أعماق البحار التي تعتبر بمثابة عمل فني لتهدئة النفس بألوانه المتعددة وموسيقاه المنبعثة من عوالم الفضاء، وهناك الكثير من الفنون الأخرى، وفنانون حرصوا على الظهور بزيهم التقليدي.
تفاح وردي
تبدأ الجولة في جناح اليابان من التفاح الوردي للفنانة ميهو موراكامي، التي يكاد الزائر لدى وقوفه أمام لوحاتها التي تدور في فلك تلك الفاكهة أن يقطف إحداها.

وتكمن جمالية تفاحها ولوحاتها في براعتها الفائقة في الرسم وحيوية التكوين لدوران حركة التفاح باتجاه علوي، والأحمر الناري بقوته ونقائه في أجواء متباينة قريبة من السريالية. تقول ميهو لـ«البيان»:
استلهمت ديناميكية التكوين من فناننا العريق هاكوساي «1760-1849» الذي اشتهر ببراعته في رسم الأمواج، ومن أصول تكوين اللوحة في عهد الإيدو. وأنا أرسم في لوني الأحمر ديناميكية القوة وحرارة النار، وتحمل مساحات اللون الأخضر الخجولة ميلاد حياة متجددة بدورانها.
الصندوق البحري

في الجناح ذاته يلتقي الزائر بالفنانة الشابة مايوكا ميورا التي ابتكرت أعمالها الفنية بجمعها بين جمالية اللوحة وتفاعلها مع المحيطين بها، فلوحاتها المتعددة الطبقات كالصندوق الزجاجي تحاكي أجواء وكائنات أعماق البحار، بألوانها العميقة والشفافة التي تبعث في ناظرها الهدوء الذي يعززه كما تقول مايوكا:
ألوان مصباح الإنارة داخل الصندوق الذي يختارها صاحبها تبعاً لحالته النفسية، مع إمكانية تعزيز حالة الاسترخاء بالموسيقى التي لا يعرف سامعها إن كانت نابعة من أعماق المحيطات أم الفضاء.
لحظة الانبهار
كل لوحة في جناح الفنان كوجي ناكامورا، تجسد قصة كقصة الأميرة التي تطلب من حبيبها أن يحصل على اللؤلؤة الذهبية من عنق التنين إن رغب الزواج بها، ليواجه العاشق وهو على متن سفينة في بحر هائج، أو ذاك التنين ذو الحراشف الدقيقة المذهبية بتكوينه الفني والتفافه الرشيق.
يقول ناكامورا عن تقنيته في النحت: «يستغرق انجاز لوحة بتفاصيل معتدلة ما يقرب من ثلاثة إلى أربعة أشهر. وأعمل على جهاز ضوئي كي أتمكن من قص طبقة من الورق دون أخرى، إلى جانب استخدام معدات شبيهة بأدوات طبيب الأسنان لتحقيق البروز المطلوب في الورق».
تأملات الحكيم

ينتقل الزائر إلى حالة تأمل، لدى وقوفه أمام مجموعة من اللوحات تتناول جميعها بورتريه بالفحم والحبر الأسود لتعابير وجه واحد، ويجيب المترجم الياباني على أسئلة «البيان» نظراً لغياب الفنان دوجين دايون قائلاً: «هذه اللوحات من فن ثقافة«زِن» تمثل شخصية«داروما» الرمزية في الثقافة الشعبية اليابانية التي تعكس قناعات الإنسان وتأملات الحكيم في السلام، مثل لوحته التي جمع فيها بين الرسم والخط.
يومان للعائلة

يمكن للزوار تمضية يوم بأكمله في اكتشاف روائع الأعمال والحوار مع الفنانين إلى جانب متابعة جلسات الحوار والأنشطة، مع فقرات ترفيهية في الأداء الحي مساء اليوم والغد، حيث الرسم بالأقدام وغيرها من الأنشطة التي تتوافق مع مختلف أفراد العائلة.
