كانوا خمسة فقط ، لكنهم ملأوا فضاء مسرح كورنيش الفجيرة الفسيح، أتوا ومعهم ذكريات الأندلس وإرثها العميق في الذاكرة العربية، ليقدموا إلى جمهور مهرجان الفجيرة الدولي للفنون، رسالة الطرب الأصيل.
حطّت فرقة وجدة الألفية للغناء الغرناطي القادمة من مدينة وجدة المغربية، لتدوّن مشاركتها الأولى في أولى دورات هذه التظاهرة الدولية التي تحتضنها الفجيرة حتى 29 الجاري، وتشكل إضافة مختلفة على برنامج الفعاليات التي اجتمعت فيها شتى ثقافات العالم وفنونه.
أصوات رخيمة تتمايل في شجن على إيقاعات التخت الأندلسي، عود وآلتا كمان وطبلة ورق، خمس آلات موسيقية كانت كافية لترافق صوت خولة بن زيان الشجي في رحلته مع الأشعار.
لون الموسيقى
هذا التخت الموسوم ببلاد الأندلس يعتمد على الوتريات والإيقاعات مع ألوان الأداء الصوتي التي تتنوع مع القصائد الغزلية، فقد تبادلت خولة بنزيان وزميلها عازف العود في الفرقة الغناء المنفرد، إذ أن اللون الأندلسي يعتمد فنياً على ظاهرة التوافق الصوتي بين الآلة والإيقاع والصوت البشري والكورس الذي يستعيد المرجعات عبر صوت المغني الفردي، فيما حضرت أشعار ابن زيدون: لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا فلطالما غير النأي المحبينا.. أو موشحات «يا غزالاً نافراً قد غبت عني» أو «ولهان يهزه دلاله كالغصن مع النسيم ماله».. والصوت الأندلسي أحياناً ينغّم الحرف دون حاجة للشعر مثل «أمان أمان ليلى أمان»، والبلبل غنى على غصن البان.. وهو لون قابل للتلوين والإعادة والتكرار بعشرات الأساليب الأدائية من دون أن يمل.
ذاكرة مختلفة
وإذا كانت ذاكرتنا الغنائية اعتادت على الموشحات من صوتي فيروز وصباح فخري، بكل رخامتهما وزهوهما، فإن الأمر كان مختلفاً في أداء مطربي فرقة وجدة، ما جعل التفاعل أقل مما ينبغي له مع مضمون الغناء وعمقه التراثي والإبداعي.
ملأت الفرقة فضاء المسرح بالغناء، ولكن الجمهور لم يملأ المقاعد كلها، وكان لا بد لمغنية الفرقة من اللجوء إلى أغنيتين تتسمان بالإيقاعات الموسيقية السريعة، كأنما ثمة محاولة منها للتواصل مع معظم الجمهور الصامت، الذي بدا وكأنه يستمع ربما للمرة الأولى إلى هذا النمط الغنائي.
طرب
تحتضن مدينة وجدة تراثاً موسيقياً أصيلاً، اصطلح على تسميته بالموسيقى الغرناطية تارة وبالطرب الغرناطي تارة أخرى، ويعتبر هذا نوعاً من الموسيقى الأندلسية المتأخرة نما وترعرع في مدينة تلمسان الجزائرية، وكذلك مدينتي وجدة وسلا في المغرب؛ ويرتبط في جانب منه بالمدائح الصوفية، ويعتمد على مفهوم النوبات التي تمثل مجموعة الأشعار المغناة.
