يتيح مهرجان قصر الحصن للزوار، في عموم فعالياته، الفرصة للاطلاع على صفحات من تاريخ أبوظبي، ليروي فيها، وعبر محطات وملامح تحولاته، قصة نشوء هذه الإمارة ويستحضر تاريخها، كما يدعو المهرجان إلى الاستمتاع بالأجواء التراثية عبر أركان متنوعة تشتمل برامج شائقة وقيمة.

ويبقى الأساس في أنشطته، هو قصر الحصن، وتعريف الناس الذين ربما يمرون بشكل يومي بجوار سوره المهيب، بقصته وبأدق التفاصيل حوله.

وفي الدورة الرابعة من المهرجان، الذي تنظمه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، تعكس الفعاليات رسوخ المهرجان تقليداً سنوياً للاحتفال بالحصن، ومساحة لتقليب أوراق التاريخ، وكذا التعرف أكثر إلى التفاصيل الدقيقة لهذا المبنى وأهم ما شهده من تطورات إلى أن وصل إلى ما هو عليه في الوقت الحالي. واللافت أن المهرجان يحفل في هذا العام بإقبال نوعي من الجمهور، يواكبه تفاعل خلاق مع أنشطته.

تحفة تراثية

يؤكد الباحثون والدراسات المتنوعة في الخصوص، المكانة الكبيرة لقصر الحصن، خصوصاً وأنه بقي مقراً للحكم على مدار قرنين من الزمان، شهد خلالهما الكثير من الأحداث، بدءاً من العام 1833 إلى العام 1855، حيث كانت أبوظبي هي المشيخة الرائدة على ساحل الخليج العربي.

ومن المرجح أن بناء قصر الحصن، كان في العام 1761م. ذلك عندما قام الشيخ ذياب بن عيسى بقيادة شعبه من مقر إقامتهم في ليوا إلى أبوظبي، التي كان ينظر إليها على أنها مكان مثالي لرجال قبيلته. وعرف قصر الحصن في الوثائق البريطانية بأسماء عدة، مثل: القلعة، الحصن، قصر الحاكم، دار الحكومة.

وكان مقراً لحاكم أبوظبي في أواخر القرن الثامن عشر، عندما تأسس كحصن صغير حول بئر ماء في موقع استراتيجي.

وزار عدد من الرحلة القصر، ومن أبرزهم الأميركي صمويل زويمر، الذي قدِم إلى أبوظبي في العام 1901م، وكان أول من التقط صورة فوتوغرافية للحصن، ليجسد ما تتمتع به مشيخة أبوظبي من سلطة سياسية وعسكرية على ساحل الخليج.

وفي عام 1902 زار السير بيرسي كوكس أبوظبي، والتقط عدداً من الصور الفوتوغرافية. وفي النهاية بقيت روح المكان ومنزلته تستمد وجودها من مكانته التاريخية، ومكانة ساكنيه.. ومن دوره في الحركة التاريخية، فما يتمتع به قصر الحصن من مزايا، ستجعل من الحفاظ عليه كتحفة من أهم مفردات التراث في الإمارات، نوعاً من أنواع الحفاظ على الأصالة، بل ويتجاوز ذلك ليشكل الحفاظ على قصر الحصن تعبيراً عن الوعي الوطني والوعي القومي.

مراحل

مر قصر الحصن بثلاث مراحل رئيسة للوصول إلى ما هو عليه، وهي المرحلة الأولى في عهد الشيخ ذياب بن عيسى، وفي تلك المرحلة لم يأخذ البناء شكل القلعة أو الحصن بل كان البناء عبارة عن برجين وغرفة محصنة للسكن، وبدأت المرحلة الثانية من تطور بنائه بعد تولي الشيخ سعيد بن طحنون الحكم في العام 1845، وخلالها أضاف الشيخ سعيد بن طحنون البرج والمسجد وحفر بئر ماء للبناء القديم، كما أحاط المبنى.

أما المرحلة الثالثة التي مر بها قصر الحصن، فكانت في عام 1950، تحديداً في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي، الذي قرر توسعة القصر إلى أربعة أضعاف مساحته السابقة، وإحاطته بسور وأبراج قوية.

ليصبح القصر حينها مكوناً من طابقين، وتميز باختلاف المواد المستخدمة في تشييده، إذ استخدم، للمرة الأولى، في بنائه الإسمنت وخشب «الشندل» من أفريقيا وأحجار المرجان «بيم». واستغرق البناء نحو ثلاث سنوات. وكان الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، آخر من سكن هذا القصر، وعندما تولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الحكم، اتخذ من القصر مقراً لحكومة الإمارات.

الترميم

في الوقت الحالي، وبعد مرور هذه المراحل التاريخية على قصر الحصن تستمر هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، بأعمال الترميم والصيانة في هذا المبنى، الأكثر أهمية في أبوظبي، وتهدف الهيئة من خلال هذا المشروع إلى استعادة التصاميم المعمارية للقصر وشكله الأثري، لتبرز بهذا أصالة تاريخ أبوظبي والتأكيد على مكانتها في الماضي، وصولاً إلى ما هي عليه من تقدم وعمران في الوقت الراهن.

واجتمع عدد من أبرز المؤرخين والمهندسين المعماريين وخبراء الترميم للعمل في هذا المشروع، عبر إزالة الطبقة البيضاء السمكية المكونة من الجبس والإسمنت التي أضيفت إلى جدران القصر في ثمانينات القرن الماضي، من أجل إبراز الأحجار المرجانية والبحرية التي كانت من أهم مواد البناء، التي كان يستخدمها الإماراتيون في الماضي، وتجري أعمال الترميم وفق أعلى المعايير الدولية، وأفضل الممارسات المعترف بها لإدارة مواقع التراث العالمي.

وتتجلى أهمية الترميم في منع الرطوبة من الوصول إلى سطح الحجر المرجاني الذي يقع تحت الطبقة البيضاء السميكة المضافة قبل سنوات، خصوصاً أن احتباس الرطوبة على سطح هذه الأحجار سيؤدي إلى تآكلها ويتسبب بآثار ضارة ومؤذية على بنية المبنى التاريخي.

وثائق

أُصدر العديد من الكتب التي تتحدث عن قصر الحصن، ومنها الكتاب الذي أصدره المركز الوطني للوثائق والبحوث بوزارة شؤون الرئاسة بعنوان (قصر الحصن.. تاريخ حكام أبوظبي 1793-1966)، استمد مصادره من السجلات الرسمية للإداريين البريطانيين بمنطقة الخليج.

وضم الكتاب 5 فصول تناولت بعضها التحول الاقتصادي والسياسي في مشيخة أبوظبي، وصعود أبوظبي للسلطة والشهرة في الفترة (1833-1855) وغيرها.