تتواصل فعاليات مهرجان قصر الحصن لغاية 21 فبراير الجاري في أبوظبي، جاذباً الزوار إلى أركانه الأربعة، وفعالياته التسع التي تستحضر التراث بكل تفاصيله على اختلافها، والرابعة عصرا تعني الوقت المحدد ليفتح المهرجان أروقته للزوار موفرا مساحات من الزمن بعيدة عن تلك التي يقضيها الإنسان عادة.

ومن الأركان المهمة افتتاح المجمع الثقافي طيلة أيام المهرجان، ليقدم لزواره العديد من الفعاليات مثل ورش العمل الموجهة للأطفال، وعرض العديد من الكتب في ركن الكتب ومعرض تشكيلي أقيم خصيصاً لهذه المناسبة.

من وحي البيئة

مفردات البيئة والتراث في أعمال فنية تميل إلى المعاصرة، تلك هي العلامة الفارقة في المعرض الفني الذي يضم أعمالاً لعدد من الفنانين الإماراتيين في المجمع الثقافي، والذين تم تكليفهم من إدارة المهرجان بتنفيذ هذه النوعية من الأعمال.

وعند الانتقال من عمل الى آخر، نرتحل كل مرة الى عالم جديد من عوالم الفنانين المشاركين، وفي أعمال الفنان عبد الله السعدي خريج جامعة الإمارات، يمكن ملاحظة كيف يستلهم مفرداته من واقع البيئة المحلية في خورفكان، عبر منحوتات تجسد الجبال الشامخة في تلك المناطق البهيجة، وهو ما يعكس تفاعله وبالتالي تعبيره عن المشاهد التي تحيطه من كل صوب، فتتحول بين يده إلى قطع فنية.

أما الفنانة زينب الهاشمي فقد استخدمت في أعمالها العديد من الخامات، وعن هذا قالت: من خلال متابعتي المستمرة لأعمال الترميم والصيانة التي تتواصل في قصر الحصن، استوحيت هذه المجسمات، ففي عملي لتركيبة المركب أعود بالمشاهد إلى زمن الشراع القديم، ولهذا جاءت أعمالي مجسمات معلقة. وأوضحت استخدمت في تنفيذها المواد التقليدية التي تزخر بها البيئة مثل الحبال، ولونت العمل باللون القديم لعلم أبوظبي.

ذكريات

في المساحة التي أطلق عليها اسم "ذكريات" يبحث الزائر عبر الحائط عن عدسة تشبه "العين السحرية" المثبتة في الأبواب المنزلية، ومن خلال هذه العدسة يمكن الانتقال إلى عالم من الزمن الماضي، عبر صور تسرد بتنوعها تاريخ إمارة أبوظبي، وأبرز الأحداث التي لعبت دوراً مهما في البناء والنهضة، وخصصت نماذج أخرى من الصور المعروضة، للقادة الذين أسسوا الإمارات الحديثة، وعملوا على تطورها وازدهارها.

أما السماعات المثبتة في الحائط بجانب العدسة فتتيح للزائر الاستماع إلى ما يسمى بالتاريخ الشفاهي، من خلال قصص يرويها كبار السن ممن عاصروا بدايات تأسيس وبناء دولة الاتحاد، وما زالوا شاهدين على تلك المراحل وأبرز ما يميزها من مراحل البناء والتطور. ولم يغفل الرواة عن سرد القصص المتعلقة بالعادات والتقاليد التي تميز حياة الإماراتيين، والتي تنتقل من جيل إلى جيل.

ولم يقف دور الجمهور عند الاستماع فقط، بل يمكنهم المشاركة في الكشف عن أمنياتهم لمستقبل مبنى المجمع الثقافي، كجزء من الأبحاث المقامة باستمرار لدعم خطة المحافظة على المبنى، كما يمكن للزائر تسجيل ذكرياته عن المبنى داخل كشك مخصص لذلك.

ركن الكتب

"ظاهرة الإبدال في لهجات الإمارات العربية المتحدة" للباحث أحمد محمد عبيد، يعد واحداً من عناوين الكتب التي عرضت في ركن صغير عند مدخل المجمع الثقافي، متناسبة مع الحدث الذي يعيد إحياء كل ما يتعلق بالماضي، هذا العنوان وغيره يعد واحداً من الكتب الموجودة في دار الكتب الوطنية التي تأسست عام 1981 لتصبح واحدة من أهم مصادر المعرفة في الدولة، وتقوم دار الكتب الوطنية، مع مشروع كلمة للترجمة وأكاديمية الشعر في دور فعال تحت مظلة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.

ويبرز هذا الدور لزوار مهرجان قصر الحصن عند التجول في المجمع الثقافي، حيث اختير العديد من العناوين التي لها صلة بالإمارات منها ما صدر عن "كلمة" للترجمة، ومنها ما صدر عن دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة مثل كتاب "فنجان قهوة ـ الإمارات في ذاكرة أبنائها" للباحث عبدالله عبدالرحمن، والذي أطلقته الهيئة قبل عامين منارة السعديات.

وهو كتاب يوثق عبر ثلاثة أجزاء لتفاصيل الحياة في الإمارات في فترة مبكرة من عمر الدولة، ويسلط الضوء في كل جزء من أجزائه على ناحية معينة من نواحي الحياة في الإمارات، وهي الحياة الاجتماعية، الحياة الاقتصادية، والحياة الثقافية العامة.

الصيد بالصقور

ومن العناوين كتاب "رياضة الصيد بالصقور عند العرب" من تأليف روجر ابتون، وهو ما يذكرنا بأهمية هذه الرياضة عند الإماراتيين، بل وتفاعل نادي أبوظبي للصقارين مع مهرجان قصر الحصن، إذ أقام النادي مجسما لقصر الحصن، لإطلاق المشاركين من المتبارين صقورهم عند خط البداية التي شهدها ميدان الفلاح ببدء المسابقات التأهيلية في "التلواح" لفئة العامة.

وحظيت بمشاركة 68 صقرا وفاز بإحداها حمدان سعيد جابر بصقره عقاب، وبعيدا عن فكرة الكتاب يمكن للزوار التعرف عن قرب على الصقور والاستماع من خلال الصقارين إلى قصص كثيرة حولها، وما هو إلا تأكيد وترجمة دائمة لما يمثله هذه الرياضة عند الإماراتيين.

في المحصلة كل ما عرض في ركن المكتبة يتناسب مع روح المهرجان التي تستحضر عالما من الماضي القريب لتحتفل به في الحاضر.

جمهور الأطفال

لقيت ورش العمل التي أقيمت في القاعة الكبرى في المجمع الثقافي، تفاعلاً كبيرا من قبل جمهور الأطفال، الذين أقبلوا على تعلم بعض الفنون التراثية واصطحبوا ما أنتجوه معهم.

زيارة الحاكم  في الحصن

ضمن مذكراته التي نشرها في كتاب بعنوان "الفقاعة الذهبية"، قال المؤرخ البريطاني رودريك أوين: في اليوم التالي بعد الوصول إلى أبوظبي، أردت زيارة الحاكم الشيخ شخبوط آل نهيان، فعلمت أنه يمكن زيارة الشيخ في أبوظبي في أي يوم من الأسبوع، وعندما وصلت قصر الحصن، مررنا عبر الرمال إلى الغرفة، حيث وجدنا عدداً كبيراً من الرجال هبوا واقفين عندما نهض الشيخ لتحيتنا، وفي حوار مع الشيخ قلت له: لم آت لأي سبب محدد للزيارة، فأجاب: الزيارة بدون سبب هي دليل الصداقة.

مغزى الشعار

جاء لون شعار المهرجان برتقالياً، على شكل مربع مائل، كتب داخله باللغة العربية والانجليزية: مهرجان قصر الحصن، ووضع داخله كذلك مربعان باللون الأبيض، للتعبير على المشهد الرأسي لقصر الحصن، وقد احتل اللون البرتقالي المساحة الأكبر من تصميم الشعار.

لكن اللافت أكثر أن هذا اللون موجود على قمصان "التي شرت" التي يلبسها "سفراء قصر الحصن" في مساحة المهرجان، وهم 200 طالب وطالبة، من مختلف الجامعات المحلية يرشدون الوزار نحو المناطق التي يرغبون في زيارتها.