كان «المقهى الشعبي» في التراث الإماراتي، المقصد اليومي للصيادين والتجار وأصحاب الحرف والشعراء وأرباب الفنون والبسطاء من الناس، فهو المتنفس الوحيد للترفيه والاستمتاع بتناول القهوة والشاي خارج المنزل بعد عناء يوم عمل شاق، حيث تدور الأحاديث حول أخبار الغوص والصيد والرعي والتعرف على أحوال المجتمع وما يدور من أحداث في المجتمعات والبلدان الأخرى إلى جانب أحاديث القدماء عن تاريخ الآباء والأجداد وسرد بطولاتهم في البر والبحر.
ومثل المقهى في تراث الإمارات بكل تفاصيله لقاء للأجيال، حيث كان الناس يقصدون المقهى بصحبة الأبناء والأحفاد فيجلسون على المقاعد الخشبية محلية الصنع والمنتشرة في جنبات المقهى لإكسابهم قيم المجتمع وتقاليده الأصيلة واطلاعهم عن كسب على التاريخ والتراث من خلال أحاديث كبار السن التي تستعرض تجاربهم وخبراتهم في كل جوانب الحياة.
مشاركة ومتعة
وقام مهرجان قصر الحصن في دورته الثالثة هذا العام، وللعام الثاني على التوالي، بإحياء المقهى الشعبي بكل تفاصيله وملامحه التي كان عليها منذ القدم، حيث الكراسي والطاولات الخشبية وإطلالته الرائعة على البحيرة، لمشاهدة أنشطة الصيد والغوص وتجارة اللؤلؤ وتقديم المشروبات الساخنة والأطعمة التقليدية للزبائن، وكذلك مشاهدة طريقة إعداد القهوة التقليدية والمشاركة في إعداد بعض الأطعمة التراثية.
وأهم ما يميز المقهى الشعبي في قصر الحصن هو استخدام المواد الطبيعية من البيئة المحيطة في إنشائه، مثل الطوب الرملي والطين والأبواب الخشبية والمقاعد الخشبية المحلية، واستخدام البوص وسعف النخيل في أسواره، إلى جانب الأواني ومعدات الطبخ والقهوة التراثية.
عبق التاريخ
ويمنح المقهى الشعبي زوار المهرجان فرصة فريدة للجلوس والأنس داخله أو في الخارج للاستمتاع بتناول المشروبات والأكلات الشعبية التي تجسد كرم الضيافة وقيم المجتمع الراسخة في عمق التراث الإماراتي، في قالب معاصر جميل ينقل الزائر إلى أجواء مفعمة بعبق التاريخ.
كما يمنح المقهى الشعبي في مهرجان قصر الحصن رواده الاستماع إلى سرد حكايات وقصص الماضي الجميل التي يرويها المواطنون والتي تتناول أخبار الصيد والغوص والعواصف وبطولات النواخذة في عرض البحر إلى جوانب من سيرة القدماء والزعماء وأحدث القصائد وأجمل أبيات الفخر والغزل والمدح.
ويؤكد علي الزرعوني بأن المقهى الشعبي في دولة الإمارات كان جزءا مهما من حياة الناس يلتقون فيه بعد صلاة العشاء ليستمتعوا بتناول القهوة والشاي وتناول الحديث حول الأمور العامة والتعرف على أخبار الحي والقرى المجاورة وكذلك ممارسة الأعمال التجارية وعقد الصفقات وتبادل السلع.
متنفس اجتماعي
وقال عبد الله الفلاحي «المقهى الشعبي عند الآباء والأجداد لم يكن مجرد مكان لتناول القهوة والمشروبات فقط بل ارتبط بحياة الناس ارتباطاً وثيقاً، حيث كان المتنفس الوحيد للترفيه قبل التلفاز ووسائل الإعلام الأخرى، فكان الناس يقصدونه للتعرف على أحوال الناس وما يدور من أحداث في الداخل والخارج قد تؤثر في تجارتهم أو أعمالهم، ولذلك كانوا يحرصون على تخصيص وقت معين للجلوس على المقهى».
نكهة ومذاق
يعد الاحتفاء بإعداد القهوة نتاجا للتراث الفريد والمعرفة المتوارثة وكرم الضيافة الأصيل وفي الوقت نفسه، تمثل القهوة تعبيرا عن الإبداع البشري الذي يترجم إلى مستحضر مطبخي عن طريق عمليات الدمج والمزج الفريدة أو تصعيد نكهات ومذاقات وتوابل معينة كما تعد القهوة رمزا للتواصل الاجتماعي والاحترام بين الناس من أجيال مختلفة يتجمعون معا حول الموقد واحتساء القهوة وتناول التمر.
وترجع خصوصية نكهة ومذاق القهوة إلى أنها حقيقة ليست مجرد مستحضر بسيط من البن ولكن القهوة عبارة عن مزيج من حبوب البن المخلوطة مع حبوب الهيل وتوابل أخرى مثل الزعفران والزنجبيل وماء الورد والقرفة وعناصر أخرى، وكلها مكونات لها فوائد صحية مؤكدة، وبعيدا عن تاريخها الثقافي والتراثي، وتستمر التقاليد المرتبطة بالقهوة في تعزيز رفاهية هواتها.
إقبال كبير
يحظى المقهى الشعبي بإقبال كبير من قبل زوار المهرجان بهدف معايشة الأجواء التراثية القديمة، حيث أكد يوان هايو من كوريا الجنوبية أنه على الرغم من عدم تمكنه من معرفة ما يدور حوله من أحاديث الناس على المقهى إلا أنه شعر بالترحاب وكرم الضيافة وحسن الاستقبال بمجرد دخوله إلى المهرجان وجلوسه على المقهى، وقال "استمتعت بتناول أطعمة إماراتية واحتسيت القهوة العربية مع التمر وكان مذاقها رائعا يختلف عن القهوة التركية والأميركية.
