هي الدورة الثالثة من مهرجان قصر الحصن، احتفاء جديد بالتراث المحلي العتيق، بعد أن أصبح المهرجان الثقافي المشهود الذي تنظمه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، حدثاً فارقاً على أجندة الفعاليات التي تقام في الإمارات دورياً، هذا الاحتفال ببريق وتفاصيل الماضي الأثير، يؤكد أنه لا يزال يعيش في وجدان الناس، وذلك من خلال التفاعل الكبير الذي تشهده هذه الدورة المستمرة حتى 21 فبراير الجاري.

فالتنوع الحاصل ما بين أركان أربعة تستحضر البيئة ومفرداتها عبر الصحراء والواحة والبحر وقصة أبوظبي، هو تنوع يعكس الجغرافيا التي تتوزع عليها الإمارات، وكل ما فرضته الجغرافيا على السكان من تأقلم منطقي وخلاق، استعادها المهرجان، ومن العلامات البارزة هذا العام حضور المرأة ومشاركتها في كل الفنون والأنشطة.

مهارات باهرة

عند الانتقال من مساحة إلى أخرى في المهرجان تتغير الموجودات، فالتجول يحتاج إلى دقة الملاحظة والخوض في التفاصيل، يحدث هذا والناس تستمع إلى الموسيقى والأغاني الشعبية، التي تقدم كل يوم على مدار أيام المهرجان. ومن بين كل هذا يمكن تمييز الحضور النسائي الكبير بعضهن يحولن بمهارة بالغة (الخوص) إلى أطباق وسلال، وفي ممارسات أخرى يقمن بخياطة الملابس النسائية..

وتركيب «التلي» بواسطة آلة قديمة يطلق عليها «الكاجوجة» كمشاركة من جانب من اطلق عليهن اسم «حاميات التراث» وهن الأسر المنتجة، بإدارة مؤسسة التنمية الأسرية، حيث استحضرت النساء العديد من الممارسات الشعبية مثل التعريف بـ «بيت الزهبة» واستقبال الزوار بالدخون والعطور، وعرض جهاز العروس من الذهب والملابس الموجودة في الصناديق زاهية الألوان..

وفي مكان محدد من «بيت الذهبة» تجلس العروس الإماراتية بكامل زينتها، وسط ترحيب من السيدات اللواتي يقدمن الضيافة للزوار والمكونة من القهوة والتمر والأكلات الشعبية، كل هذا يجذب الناس للتجمع لمشاهدة العرس الإماراتي التقليدي. فزهبة العروس احتفالية تجمع الكثير من المقربين، وفي الوسط تجلس العروس التي تلبس زي الأعراس الذي كان عبارة عن غطاء رأس وبرقع على الوجه..

بينما توزع الحلي الضخمة على الصدر واليدين، وهي حلي ذهبية يقدمها العريس كما هو متعارف عليه لعروسه، وبجوارها يوضع صندوق تظهر فيه النقود التي قدمت للعروس كمهر، إلى جانب ما تبقى من الحلي.

الخوص بأيدٍ ناعمة

في ركن آخر من ساحات المهرجان تجلس العديد من السيدات اللواتي يحيين صناعة الخوص في أمور يحتاجها الإنسان الآن مثل صندوق المناديل الورقية، أو سلة المهملات، أو علب مزخرفة تستخدم لحفظ الحاجيات الشخصية، وحافظات الهواتف المتحركة، بأحجام مختلفة، وأباجورات للإضاءة، وغير ذلك الكثير مما يمكن استخدامه الآن..

وهو ما يجذب الأجانب أيضاً إلى شرائها. أما رحلة صناعة هذه المنتجات الجميلة، فتبدأ كما قالت إحدى السيدات منذ فصل أوراق النخيل الخضراء عن جذع الشجرة..

ومن ثم تجفف بوضعها معرضة لأشعة الشمس مدة تصل إلى أربعة أيام، ومن ثم تنظف وتقطع إلى أربعة أجزاء، أما لمن رغب بوضع الألوان عليها، فيتم هذا بطريقة وضعها في قدر يحتوي على الماء المغلي، مع أحد الملونات المطلوبة، ومن ثم تجفف من جديد، إلى أن يتم استخدامها.

الطفلة والصقر

نجحــــت هــذه الطفلة التي تزور المهرجان بعد عدة محاولات في حمل الصــــقر، بعد تنـــفيذها لتعليمات الصقار، وهو واحد من التجارب التي يمكن للأطــــفال القيام بها في أروقة المهرجان.

مأكولات بخبرة

أتاح المهرجان الفرصة لزواره من أجل تذوق أصناف من المأكولات الإماراتية، والتعرف على طرق إعدادها، بأيدي سيدات ماهرات، وفـــي مكان مجاور تعرض لخطوات المتبعة للحصول على الألبان من أنواع الحلـــيب المختلفة، كحليب الماعز والإبل والبقر. عـــن هذا قالت أم راشد: نقوم بعدد من الخطوات أولها وضع الحليب في «السقا» ..

وهو إناء مغلـــق بإحكام مصنوع من الجلد، يستخدم لخض الحليب من أجل الحصول على الدهن والزبد واللبن. وأوضحت: بعد «خضه» يوضع على النار حتى يصل لمرحلة الغلي، ومن ثــم يترك ليبرد وبعدها يضاف الملــــح ويترك لمدة يوم يتحول من بعدها الحليب إلى روب بعد أن يذهب منه الماء، ويظهر ما يسمى بالجامي.

كما تضـــم منطقة الســوق العــــديد من المنتجات التــي صنعتها النساء مثل البخور والعـــــطور وغير ذلك من حاجيات لا تخلو أحيانا مـــن البيت الإماراتي لغاية الآن.

ودور النساء لا يقتصر على مكان معين لأنه يمكن مشاهدة إحداهن تقوم بحفظ الماء في «الجب» كي تحافظ عليه وتساهم في تبريده، وتلك وسيلة كانت متبـــعة في بيوت الإماراتيين قديما، وهكذا استحضرت الذاكرة مع أدواتها في ساحة المهرجان كي تعرف بكل ما هو قديم.

الاتحاد النسائي .. تعزيز الهوية الإماراتية عبر معرض الأسر المنتجة

يشارك الاتحاد النسائي العام في الدورة الثالثة من « مهرجان قصر الحصن « الذي يقام تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وتنظمه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة خلال الفترة من 11 إلى 21 من فبراير الجاري.

ويعد الحدث احتفالية تراثية يشارك فيها أبناء الوطن بكل أطيافه بحب واعتزاز لهذا الرمز الشامخ عبر السنين، ويشكل هذا الحدث الاجتماعي والثقافي منبرا ومعلما سنويا للنشاط الثقافي في الدولة ومناسبة سنوية للاحتفاء بقصر الحصن الذي يمثل رمزا لهوية أبوظبي الأصيلة ويحمل دلالة باعتباره حجر الأساس الذي قامت عليه العاصمة ويرمز لنحو 250 سنة من التراث الإماراتي والتطور الثقافي الذي تشهده الدولة.

وتأتي مشاركة الاتحاد النسائي العام في هذا المهرجان بهدف تعزيز مكانة الهوية الإماراتية والقيم التي يمثلها تراث الإمارات وتعريف المجتمع بها، حيث تشارك حاميات التراث بإدارة الصناعات التراثية والحرفية في الاتحاد النسائي العام بعروض حية للأشغال اليدوية في صناعة التلى والسدو وتتضمن المشاركة عرض زهبة العروس وعرض العرس الإماراتي التقليدي.

ويشارك معرض الأسر الوطنية المنتجة التابع للاتحاد النسائي العام في السوق الشعبي الذي يتضمن ملابس تراثية والأدوات المنزلية التراثية والعطور والتمور والتحف والهدايا التي تعكس التقاليد والمهن الإماراتية. وقالت لولوة الحميدي مديرة إدارة الصناعات التراثية والحرفية في الاتحاد النسائي العام

.. إن مهرجان الحصن احتفالية تراثية غالية على قلوبنا تعكس روح التراث والموروث الشعبي تشارك فيه عدة جمعيات معنية بالتراث ليتعايش ويتفاعل معها الجمهور من جميع الأعمار وجميع الجنسيات العربية والأجنبية من خلال العروض الحية للعرس الإماراتي التراثي والأشغال اليدوية النسائية والرجالية والفنون الشعبية والطبخ التقليدي.

وذلك للتعريف بصورة جميلة عن الحياة في إمارة أبوظبي وحول الحصن في فترة ما قبل ظهور النفط.

«الطوايا» تتدفق مجدداً

تعتبر «الطوايا» أي الآبار موردا مائيا هاما في حياة الإماراتيين قديما، واستحضر المهرجان في أروقته وجودها. عن هذا قال المهندس عبدالله البادي من شركة أبوظبي، للتوزيع: يعد «الطوي» مورد المياه في الأحياء الإماراتية القديمة، وكان سببا أساسيا في تشييد قصر الحصن. وأوضح: في عهد الشيخ ذياب بن عيسى آل نهيان قبل 250 عاما حين اكتشفت الينابيع العذبة، ومن أجل هذا شيد برج الحصن لأجل حمايتها.

وأشار البادي إلى أن الآبار وجدت على طريق القوافل لتأمين مياه الشرب بينما اعتمد الإماراتيون في العين على الأفلاج في ري المزارع.

حقائق لافتة

يوجد الكثير من الحقائق اللافتة عن قصر الحصن نلخصها فيما يلي:

*لم تكن مصادر المياه العذبة التي تم اكتشافها في أبوظبي مجرد بئر واحدة، بل كانت سلسلة من الفتحات والتجاويف التي احتوت على المياه على مسافة قريبة من السطح.

* كان قصر الحصن يعرف سابقا بـ«حصن أبوظبي»، وكان بمثابة حصن وقصر ومقر للإدارة، حيث كان الحصن مرتبطاً بشكل مباشر بأحقية الحكم.

* كانت فترة حكم الشيخ زايد الكبير «رحمه الله» الأطول في تاريخ إمارة أبوظبي.

* في بدايات خمسينات القرن العشرين، وكجزء من أعمال التجديد التي خضع لها الحصن، قام الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان بإضافة الأقواس المزخرفة في القسم الخارجي من القصر.

* أمر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات، طيب الله ثراه، ببناء مقر المجلس الاستشاري الوطني خارج جدران القصر. وقد شهد هذا المقر انعقاد الاجتماعات التي ناقشت اتحاد الدولة في العام 1971.

* يسعى فريق الترميم إلى إعادة استخدام نظام البرجيل التقليدي للتهوية، والذي يعد من أقدم الأساليب المتبعة في التكييف والتبريد، حيث تتوجه النسائم البحرية عبر سلسلة من الأقواس المتراجعة والتي بنيت في الجدران عن طريق ممرات ضيقة إلى داخل الغرف.

قصر حكام أبوظبي 1793-1966

أصدرت العديد من الجهات كتباً تتحدث عن قصر الحصن، منها الكتاب الذي أصدره الأرشيف الوطني بعنوان (قصر الحصن.. تاريخ حكام أبوظبي 1793-1966)، استمد مصادره من السجلات الرسمية للإداريين البريطانيين بمنطقة الخليج.

وضم الكتاب خمسة فصول تناولت خلالها عدة عناوين هي: لمحة تاريخية، التحول الاقتصادي والسياسي في مشيخة أبوظبي، صعود أبوظبي للسلطة والشهرة في الفترة(1833-1855)، أبوظبي المشيخة الرائدة على ساحل الخليج (1855-1909) وآخر الفصول كان نهاية مرحلة وتطورات جديدة (1909-1966).

الكتاب يسرد تسلسل تاريخ هذا الصرح منذ أن كان حصناً صغيراً حول بئر ماء في موقع استراتيجي، ويعتقد أن بناءه كان في 1761م عندما قام الشيخ ذياب بن عيسى بقيادة شعبه من مقرّ إقامتهم في ليوا إلى أبوظبي التي كان ينظر إليها مكاناً مثالياً لرجال قبيلته.

عمليات الصيانة مستمرة

يمكن للمتجول في قصر الحصن الاطلاع على أعمال الترميم الجارية بحرص ودقة في المبنى العريق، والتي يشرف عليها خبراء، يؤكدون أن هذه الاعمال تأتي بعد دراسات معمقة، ومشاورات بين الآثاريين المتخصصين في هذه الشؤون من باب الاعتناء بهذا الصرح الأثري المميز ولكي لا يتعرض البناء للاضرار أو التشويه.