المتجول في مساحة ركن البحر، الذي يعكس أمواج الماضي القريب، ويوضح علاقة أهل الإمارات بالبحر، الذي كان مصدراً رئيساً لرزقهم، تتردد في مسامعه الأهازيح التي يطلق عليها »النهمة«، ويسمع صدى أيام الغوص، و»النهمة« كثيراً ما غناها البحارة الإماراتيون في رحلاتهم للبحث عن اللؤلؤ، والتي قد تستمر لشهرين أو أكثر، لهذا، جاءت الأغاني متشبعة في الكثير من الأحيان بالحنين.

فالأغاني تجسد شفاهياً جزءاً من حياة أهل البحر، بينما توضح الأقسام الأخرى من هذا الركن، العلاقة المادية من خلال بناء القوارب أو صنع شباك الصيد. وهذا البحر، كما غيره من الأركان الأخرى، يجذب زوار مهرجان قصر الحصن الذي يستمر لغاية 21 فبراير الجاري، ويعرفهم بأهم تفاصيل التراث.
قوارب وشباك صيد
يوجد الصيادون والحرفيون في ركن البحر الذي وضع الماء في إحدى مساحاته، كي يصبح المشهد أكثر واقعية، كما وفر الركن لزواره تجربة الإبحار على متن قارب خشبي، بينما يقوم عدد آخر من الحرفيين بصناعة »المحامل«، وهي قوارب خشبية تقليدية. تصنع من المواد الطبيعية بشكل كامل، مثل أشجار النخيل.
كما قال الطالب علي القحطاني أحد سفراء قصر الحصن، والذي يشرح للزوار عن هذا الركن، الذي يستعرض بأدق التفاصيل مراحل صناعة القوارب، والتعرف، بالتالي، إلى طبيعة الحياة البحرية في الماضي، وإلى جانب صناعة قوارب »الشاشة«، يوجد صناعة المجاديف..
وصناعة الأشرعة والشباك بطريقة يدوية، بهدف استخدامها في الصيد أو التجارة، وفي جزء آخر من الركن، يمكن التعرف إلى مراحل بناء القوارب الخشبية التقليدية العربية..
والتعرف إلى تاريخها، كقوارب تجوب المياه منذ زمن طويل، كما يمكن هذا الركن، الزوار الاطلاع على مراحل صناعة شباك الصيد بأيدي صيادين ماهرين، استطاعوا المحافظة على التاريخ والتراث، وبقيت لديهم القدرة على حياكة وصناعة شباك الصيد، وكذلك صناعة »القرقور«، وهو فخ الصيد الكبير الذي يصنع من شباك سلكية أو من سعف النخيل.
تقاليد بحرية
ولم يغفل القائمون عن استحضار كل الممارسات البحرية التي كثيراً ما كانوا يقومون بها منذ زمن ليس ببعيد، مثل تمليح الأسماك بالأساليب التقليدية، كي يحافظون عليه للأيام التي لا يكثر فيها صيد السمك، فكما هو معروف أن الصيد مواسم تقل أو تزيد.
وفي جزء هام من ركن البحر يمكن للمتجولين التعرف إلى معلومات مذهلة عن تاريخ استخراج اللؤلؤ، خاصة وأنها شكلت أهمية كبيرة، في تاريخ الإماراتيين، وألفت الكثير من الكتب عن طريقة استخراج اللؤلؤ من أعماق البحار، وعن رحلات الصيد ومواسمه والتجارة به، قبل أن يجتاح العالم ما يعرف الآن باللؤلؤ الصناعي، ولذلك يمكن التعرف هذه المهنة عن قرب.
ورش تراثية تعيد الأطفال إلى حضن الماضي

الكثير من فعاليات مهرجان قصر الحصن استهدف الأطفال، وعاد بهم إلى زمن بعيد، ربما تفصله عن هذا الزمن كل ما عرفه الأطفال من تقنيات وألعاب حديثة، ولهذا خصصت لهم ورشات في المجمع الثقافي، أشرف عليها مختصون.
لكن في ساحة المهرجان، وبعيداً عما يقدمه المشرفون على الورش التراثية، افترش عدد من الأطفال الأرض متخذين شكل حلقات، وأوجدوا طرقاً مختلفة كي يلعبوا، أو استمعوا إلى القصص التي كانت تروى عليهم، والتي كانت تسمى »الخراريف«، أو جربوا تجربة الصفوف المدرسية القديمة، أو ركوب الإبل أو الأحصنة.
وهذا دليل على أن هذه الأجواء تفرض ممارستها على الزوار، وتعيدهم إلى زمن ليس ببعيد، زمن كان فيه الإنسان أكثر التصاقاً بالطبيعة ومفرداتها، زمن استطاع أن يسخر فيه كل ما تحتويه البيئة لصالحه، وينتج هذه المعروضات الموجودة في مهرجان قصر الحصن.
ساحات الحصن.. تنوع زاخر بالتفاصيل

كل ركن أو مشهد من مشاهد ساحة مهرجان الحصن، يجذب عدسات المصورين لالتقاط الكثير من الصور، فكل صورة تعتبر لوحة تجسد فكرة متكاملة قد تنفصل تماماً عن غيرها من الصور. والتصوير المتكرر في ساحات الحصن، لم يقتصر على وسائل الإعلام المحلية والعالمية، بل شد المشهد المتنوع بتفاصيله هواة التصوير الفوتوغرافي، الذين جاؤوا لالتقاط صورهم طيلة أيام المهرجان..
إضافة إلى العائلات الزائرة التي تحتفظ في ألبومها الشخصي، صوراً لهذه الزيارة الغنية إلى المهرجان، فيحملونها معهم مثل أي تذكار آخر حصلوا عليه من المهرجان، خاصة وهم يقومون بممارسات قد لا يفعلونها عادة، مثل ركوب الإبل، أو القارب أو حمل الصقور، وغير ذلك من ممارسات غريبة عن يومهم المعتاد، وكانت رقصة »اليولة« من بين أهم المشاهد.
راعي البحر

في حنو واجتهاد وصبر، انكب هذا الرجل على صناعة عدة الصيد في ركن البيئة البحرية، يعرف زوار مهرجان قصر الحصن على المهن التقليدية المرتبطة بهذه البيئة وحياة رعاة البحر.
" صوغة" تجدد حضورها وتعرض منتجاتها

تعتبر»صوغة« مشروعاً اجتماعياً أطلقه صندوق خليفة لتطوير مشاريع الشباب، لإيجاد فرص لمن هم دون عمل، و»صوغة« تعود من جديد لتعرض منتجاتها في أروقة مهرجان قصر الحصن، كما اعتادت منذ دورتيه السابقتين.
عن هذه المشاركة قالت إيمان الهاملي مساعدة إدارية في صوغة: لدينا حوالي 400 حرفية في مشروع صوغة، نقدم لهن المواد الأولية، التي تتحول إلى منتجات نعرضها المهرجان، أو غيره من فعاليات.
ومن المنتجات التي تعرض في المهرجان، الخوص المعالج بواسطة الآلات، والصناعات النسيجية، وعدد من المنتجات المصنوعة بواسطة الجلود.
كما تستحضر »صوغة« الفنون التقليدية، مثل »التلي«، وهو نوع من التطريز الذي يزين بوحداته الزخرفية عدداً من الأزياء النسائية، وإلى جانبه يعرض البخور، والحقائب التي صنعت يدوياً، وهو ما يميز منتجات »صوغة« عن غيرها.
فتح أجنحة المعيشة
للمرة الأولى منذ انطلاقة مهرجان قصر الحصن، تفتح أبواب أجنحة المعيشة للزوار، وخلال جولتهم فيها، يمكنهم الاستماع إلى شرح مفصل عن هذه الأجنحة، يقدمه سفراء قصر الحصن، وهم مجموعة من طلاب الجامعات الذي اعتادوا المشاركة في المهرجان، لتقديم إرشادات مختلفة للزوار.
في الجولة تبرز النقوش والزخارف الإسلامية، في غرفة واحدة من غرف المعيشة التي فتحت للزوار، كونها متشابهة مع بقية الغرف، وتعود هذه النقوش، كما بينت عملية الصيانة، إلى أربعينيات القرن الماضي.
