يعتبر قصر الحصن اللبنة الأولى في تاريخ بناء أبوظبي، بينما يعتبر المجمع الثقافي هو المبنى الحضاري الشاهد على الازدهار الثقافي والفكري للإمارة، وسعيها لمستقبل متألق.

ويعد مبنى المجمع الثقافي، الذي أُنشئ في عام 1981، مركزاً للتراث، والفنون والثقافة، وتم إغلاقه في عام 2009، تزامناً مع انطلاق أعمال الصيانة التمهيدية لقصر الحصن، معلماً أساسياً إلى جانب قصر الحصن بالنسبة لإمارة أبوظبي، ويحتضن هذا العام الورش الفنية والتراثية في قاعته الكبرى التي كان يطلق عليها قاعة النخيل.

خطة ثقافية

كجزء من خطة إدارة أعمال الترميم لكافة مرافق قصر الحصن، تم وبدقة توثيق وبحث ودراسة مبنى المجمع الثقافي بهدف توفير رؤية شاملة حول أهمية هذا المبنى بصفته أحد أبرز معالم التراث المعاصر لأبوظبي. وستسهم هذه الرؤية، وعمليات التشاور المنهجي مع الجهات المعنية والمجتمع؛ في تحديد سياسات المحافظة على المبنى وترميمه وإعادة تأهيله.

كما ستبحث خطة إدارة أعمال المحافظة على مبنى قصر الحصن العلاقة التي تربط الحصن بالمجلس الوطني الاتحادي ومبنى المجمع الثقافي والساحات الموجودة بين هذه المباني.

وكذلك العلاقة بين مبنى قصر الحصن ومدينة أبوظبي ككل، حيث ستضمن السياسات المعدة للمحافظة على المكان أن تتماشى التصاميم المقترحة في الخطة الرئيسية للجانب الثقافي من قصر الحصن مع كافة العناصر التي يحتويها المبنى.

بحيث يقف الزائر أمام جناحين من التاريخ القديم والتاريخ المعاصر، يتكافآن في منطقة قلب العاصمة أبوظبي، ويشعان بضوء العطاء الثقافي والتاريخي تقديرا وعرفانا للماضي العريق من خلال صيانة موجوداته العريقة، وللمستقبل الذي سيتيح للأجيال مصدر فخر واعتزاز بهوية المكان.

قصة المبنى

بدأ وضع التصاميم لمبنى المجمع الثقافي في بداية السبعينيات تنفيذاً لرؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بهدف تعزيز الوعي والتبادل الثقافي الذي مثل أحد أكبر اهتماماته منذ نشأة دولة الإمارات. تم إطلاق المسابقة العالمية في ذلك الوقت حيث فازت بالتصميم شركة «ارتكيتكتس كولابوريتف»، التي أسسها المعماري العالمي والتر غروبيوس وتتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، حيث أنجز المبنى في عام 1981. وحتى اليوم، لا يزال هذا الصرح شامخاً في قلب العاصمة كأحد أنجح معالم الهندسة المعمارية الحديثة والإسلامية في أبوظبي.

ترميم وصيانة

تشبه المنهجية المتبعة في المحافظة على التراث المعاصر إلى حد كبير الأساليب المستخدمة في الأنواع الأخرى للتراث الثقافي، والتي تبدأ أولاً بالتعرف على الموروثات المتوفرة في المكان. بدأت أعمال المحافظة والترميم أولاً بالتعرف على القيم التاريخية، الاجتماعية، السياسية، المعمارية، الفنية، الاقتصادية، الحضرية، وهو الأمر الذي لا يستند فقط على البحث الأرشيفي وجمع الروايات الشفوية وتوثيق النسيج العمراني فحسب، بل يتطلب تسجيل حالة تلك الموروثات وتقييم وضعها الحالي والمستقبلي من منطلق مادي واستراتيجي، فضلا عن التشاور مع الجهات المعنية والمجتمع.

وستنطلق هذه الدراسة عبر عدة مراحل، ستشمل المرحلة الأولى منها تطوير بيان يوضح أهمية المحافظة على هذا الموروث والرؤية المعتمدة لذلك، والتي ستكون القاعدة الأساسية لسياسات هذه العملية بما في ذلك المبادئ الواجب الالتزام بها في التدخلات المستقبلية في المبنى ومرافقه، واستراتيجيات تنفيذ محددة توضح الخطوات المتبعة بتفصيل كامل.

وبعكس مختلف الأماكن الأثرية والمباني التاريخية القديمة، تتطلب المحافظة على مواقع التاريخية المعاصرة وحمايتها مواصلة استخدامها، في حين يستند مستوى التدخل للمحافظة على التراث المعاصر على القيم المحددة، الأمر الذي يستلزم إيجاد توازن يسمح بإجراء تغيير كافٍ على الموروث المعاصر دون التضحية بقيمته الأساسية الهامة.

أثر معماري

سيتمكن زوار المهرجان من الدخول إلى أماكن متعددة في أنحاء المبنى التي ستحتضن مجموعة من الأنشطة التفاعلية تحتفل بالذاكرة الجمعية للمكان، وتسلط الضوء على عناصر هامة تم الكشف عنها خلال مرحلة التعرف اليها عن كثب خلال عملية المحافظة.

وتعتمد التجهيزات الموضوعة في ساحات مبنى المجمع الثقافي على عناصر الضوء والصوت والحركة، وتحتفي بتاريخ هذا الأثر المعماري والثقافي، مما يقدم للزوار الفرصة للتجول بالاستعانة باللوحات الإرشادية الموجودة في المبنى. من خلال هذه التجهيزات، نتطلع إلى أن يسترجع الزوار ذكرياتهم حول المبنى ويتعرفوا على أعمال المحافظة على المجمع الثقافي والتراث المعاصر بشكل عام.

مقهى قهوة

قبل الدخول إلى قاعات المجمع الثقافي، يوجد ركن القهوة الذي أصبح ركناً أساسياً في مهرجان قصر الحصن منذ دورته الأولى، لما تعكسه القهوة من قيم ومعان عميقة في الثقافة البدوية، وابتكر المهرجان منذ الدورة الثانية في العام الماضي، مقهى «قهوة» ليقدم لزوار المهرجان مفهوما معاصرا لمميزات القهوة في الإمارات، وبهذا يستعيد التقاليد المرتبطة بها.

ويمكن للمتجول أن يطلع من خلال «قهوة» على الأجواء المعيشية للبيوت القديمة مع سرد لقصص إماراتية متوارثة مرت بها البلاد من مجتمع تقليدي إلى دولة حديثة.

كما تشجع تجربة «قهوة» على فتح باب الحوار بين الماضي والحاضر، والتقاليد والحداثة والممارسات العصرية، وأثناء الاستمتاع بالقهوة يمكن للزوار اكتشاف أو إعادة اكتشاف هذه التقاليد الإماراتية وجعلها تقاليد خاصة بهم وإعادة دمجها في حياتهم اليومية، وبفضل تقاليد القهوة، يتم ترسيخ وتشجيع طريقة طريقة جديدة للاستمتاع بالالتقاء مع الأصدقاء والعائلة.

ويمكن للزائر التعرف على طريقة إعداد القهوة والمواد الخام المستخدمة في تحضريها وأواني القهوة وطقوس إعدادها، ووقع صوت المنجاز وفرقعة النار ورائحة تخمر القهوة، وكيفية تقديم القهوة مثل تسلسل الجلوس من اليمين إلى اليسار مع الوضع بعين الاعتبار وضعية وسن الضيوف وسماع القصص الرمزية لتناول القهوة لأغراض متعددة فالقهوة التي تشرب من أجل السلام والوساطة تسمى «فنجان الجاه»، ويمكن أيضا تناول القهوة من أجل الانتقام أو الدفاع عن الشرف ويسمى «فنجان الثأر».

كما يسرد على مسامع الزوار قصص أخرى تفسر كل تقليد من تقاليد القهوة فالفنجان الأول يسمى «الحيف» الذي يعبر عن كرم الضيافة، أما الفنجان الثاني فيطلق عليه «الكيف»، وهو علامة على المتعة المشتركة وصولاً إلى الفنجان الثالث الذي يسمى «السيف»، وهو علامة على الاتحاد مع تباطؤ مرور الوقت، وخلاله يتم نسج القصص الشخصية والجماعية بطريقة مبتكرة.

تفاعل

يتضمن مهرجان قصر الحصن أنشطة وورش عمل في البيئات الأربع والمجمع الثقافي، كما يضم معرض قصر الحصن، ومعرض «لئلا ننسى»، الذي تشرف عليه مؤسسىة سلامة بنت حمدان.

ذاكرة

تأتي أهمية عملية الترميم لأن المجمع الثقافي يعد عنصراً هاماً من عناصر الذاكرة الجماعية لأبوظبي، فهو الجسر الذي يربط بين قصر الحصن وطموح مسيرة أبوظبي للتطور الثقافي المستقبلي، وتعتبر جهود المحافظة على هذا المبنى عنصراً أساسياً من عناصر مشروع المحافظة الشاملة على قصر الحصن ككل.

احتفاء

أنشطة تفاعلية تستعيد الذكريات

يفتتح المجمع الثقافي أبوابه طيلة أيام مهرجان قصر الحصن ويستضيف سلسلة من الأنشطة التفاعلية التي تحتفي بذكريات المجتمع عن هذا المبنى الذي شهد الكثير من الفعاليات الهامة في الدولة.

 ويمكن للجمهور المشاركة في إحياء هذه الذكريات من خلال مبادرات تفاعلية مع المجتمع وتتوفر مجموعة من الأنشطة التعليمية في مبنى المجمع الثقافي تمكن من تعلم مهارات جديدة وكيفية ارتباطها بالتقاليد الإماراتية العريقة، مثل ورش عمل الألعاب التراثية وصناعة الفخار والطباعة المستوحاة من السدو وحرف أخرى.

توثيق

صور قصر الحصن بعدسة برلوت

المصور الأميركي جاك برلوت التقط الكثير من الصور التي أصبحت جزءا من تاريخ الإمارات، ولهذا كثيرا ما قال: «إن هذه الصور جزء من حياتكم وجزء من حياتي أنا». وبرلوت الذي عرف بتصوير الحروب في العالم، التقى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الذكرى الثالثة من قيام الاتحاد، وهو ما يعتبره لقاء لا ينسى.

وشملت الصور التي التقطها برلوت مشاهد مختلفة لمصفاة البترول، والشواطئ، والمنتجات الزراعية وكل ما يتعلق بحياة الصيادين، والمساجد في السبعينيات وكذلك الاحتفال باليوم الوطني وصيد الصقور وسباق الإبل وسباق الزوارق، وصور شخصية للشيخ زايد، خلال ترأسه العديد من الاجتماعات، وصور لقصر الحصن، وغير ذلك من صور تجسد الحياة القديمة في الإمارات.

كما تعرض في أروقة المجمع الثقافي مجموعة من الأعمال الفنية لعدد من الفنانين الإماراتيين الذين تم تكليفهم برسم لوحات مستوحاة من التراث الإماراتي، ومنفذة بأساليب حديثة ومعاصرة.