تأتي الدورة الثالثة من مهرجان قصر الحصن، الذي انطلق أمس، لتؤكد من جديد على سيرة الانتماء للوطن، عبر هذا الحصن الذي يرمز عبر مراحله التاريخية وتطور عمرانه إلى قصة نشوء أبوظبي، مشكلاً أيقونة تسرد قصة وطن.

وكثيراً ما يتم التأكيد على أن قصر الحصن يحتل مكانة كبيرة كونه بقي مقراً للحكم والحل والعقد على مدار أكثر من قرنين من الزمان، ولهذا فمن البديهي أن يكون قد شهد الكثير من الأحداث، بدءاً من العام 1833 إلى العام 1855، حيث كانت أبوظبي هي المشيخة الرائدة على ساحل الخليج العربي.

القلعة

يرجح الباحثون أن تشييد قصر الحصن يعود إلى العام 1761م عندما قام الشيخ ذياب بن عيسى بقيادة شعبه من مقر إقامتهم في ليوا إلى أبوظبي، التي كان ينظر إليها مكاناً مثالياً لرجال قبيلته. وعرف حينها قصر الحصن في الوثائق البريطانية بأسماء عدة مثل «القلعة، الحصن، قصر الحاكم، ودار الحكومة». وكان مقراً لحاكم أبوظبي في أواخر القرن الثامن عشر عندما تأسس كحصن صغير حول بئر ماء في موقع استراتيجي.

وفي بدايات القرن العشرين زار عدد من الرحالة القصر، ومن أبرزهم الأميركي صمويل زويمر الذي قدم إلى أبوظبي في العام 1901م، وكان أول من التقط صورة فوتوغرافية للحصن، ليجسد ما تتمتع به مشيخة أبوظبي من سلطة سياسية وعسكرية على ساحل الخليج. وفي العام 1902 زار السير بيرسي كوكس أبوظبي، والتقط عدداً من الصور الفوتوغرافية.

وفي النهاية بقيت روح المكان ومنزلته تستمد وجودها من مكانته التاريخية، ومكانة ساكنيه، ومن دوره في الحركة التاريخية. فما يتمتع به قصر الحصن من مزايا، ستجعل من الحفاظ عليه كتحفة من أهم مفردات التراث في دولة الإمارات، نوعاً من أنواع الحفاظ على الأصالة، بل ويتجاوز ذلك ليشكل الحفاظ على قصر الحصن تعبيراً عن الوعي الوطني والوعي القومي.

تطور الحصن

مر قصر الحصن بـ3 مراحل رئيسة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، وهي المرحلة الأولى في عهد الشيخ ذياب بن عيسى، وفي تلك المراحل لم يأخذ البناء شكل القلعة أو الحصن. بل كان البناء عبارة عن برجين وغرفة محصنة للسكن. وبدأت المرحلة الثانية من تطور بنائه بعد تولي الشيخ سعيد بن طحنون الحكم في العام 1845، وخلالها أضاف الشيخ سعيد البرج والمسجد وحفر بئر مياه للبناء القديم، كما أحاط المبنى.

أما المرحلة الثالثة التي مر بها قصر الحصن فكانت في العام 1950 تحديداً في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان بن زايد حاكم أبوظبي، الذي قرر توسعة القصر إلى أربعة أضعاف مساحته السابقة، وإحاطته بسور وأبراج قوية. ليصبح القصر حينها مكوناً من طابقين، وتميز باختلاف المواد المستخدمة في تشييده، إذ استخدم ولأول مرة في بنائه الأسمنت وخشب «الشندل» من إفريقيا وأحجار المرجان «بيم». واستغرق البناء نحو ثلاث سنوات.

وكان الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، آخر من سكن هذا القصر، وعندما تولى، المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الحكم، اتخذ من القصر مقراً لحكومة الإمارات.

الترميم

الآن وبعد مرور هذه المراحل التاريخية على قصر الحصن تستمر هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، بأعمال الترميم والصيانة في قصر الحصن، المبنى الأكثر أهمية في أبوظبي، وتهدف الهيئة من خلال هذا المشروع لاستعادة التصاميم المعمارية للقصر وشكله الأثري، بهذا إبراز أصالة تاريخ أبوظبي والتأكيد على مكانتها في الماضي، وصولاً إلى ما هي عليه من تقدم وعمران في الوقت الراهن. واجتمع عدد من أبرز المؤرخين والمهندسين المعماريين وخبراء الترميم للعمل في هذا المشروع، عبر إزالة الطبقة البيضاء السمكية المكونة من الجبس والأسمنت التي أضيف إلى جدران القصر في ثمانينات القرن الماضي، من أجل إبراز الأحجار المرجانية والبحرية التي كانت من أهم مواد البناء، التي كان يستخدمها الإماراتيون في الماضي، وتجري أعمال الترميم وفق أعلى المعايير الدولية، وأفضل الممارسات المعترف بها لإدارة مواقع التراث العالمي، وتتجلى أهمية الترميم في منع الرطوبة من الوصول إلى سطح الحجر المرجاني الذي يقع تحت الطبقة البيضاء السميكة المضافة قبل سنوات، خاصة وأن احتباس الرطوبة على سطح هذه الأحجار سيؤدي إلى تآكلها، ويتسبب بآثار ضارة ومؤذية على بنية المبنى التاريخي.

فعاليات المهرجان

يضم المهرجان الذي يستمر لغاية 21 فبراير الجاري عدداً من المعارض والفعاليات التي تعيد إحياء التراث وترسيخه في ذاكرة الزوار وتتوزع على معرض قصر الحصن الذي يعكس تطور قصر الحصن ومدينة أبوظبي وطبيعة معيشة مجتمعها المحلي والدور الذي لعبه قصر الحصن على مر السنين، أما معرض لئلا ننسى فيقدم معالم باقية في ذاكرة الإمارات، عبر سرده لتاريخ التطور المعماري والحضاري للإمارة، إلى جانب العروض الفنية على المسرح المفتوح والتي تستعيد الأغاني الإماراتية الشعبية، على مدرج المسرح المفتوح بالمجمع الثقافي، والذي يبدأ بركن القهوة الذي يبين العادات والتقاليد المرتبطة بالقهوة، وفي سفر عبر الزمن يمكن مشاهدة طريقة البحث عن اللؤلؤ وسماع أغاني الغواصين، والمشاركة في فلق المحار، كما تبرز ملامح أبوظبي عبر أركان تجمع الصحراء والبحر والواحة، من خلال استخدام المؤثرات الصوتية والمرئية والشعر لتشكيل خلفية شيقة لهذه القصص.

وفي الحي القديم يمكن التعرف على تفاصيل الحي الإماراتي القديم عبر بيت الزهبة لعرض تحضيرات العروس والصفوف الدراسية القديمة والألعاب التقليدية ونماذج البيوت القديمة والبقالات.

موقع المهرجان

يقع قصر الحصن في قلب إمارة أبوظبي بين شارع النصر وشارع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وشارع الشيخ زايد الأول. وسينقسم موقع المهرجان إلى أقسام مختلفة ليسهل على آلاف الزوار التجول في أرجائه والاطلاع على الأنشطة التراثية المتعددة التي ينظمها طيلة أيام المهرجان، إلى جانب عودة دور المجمع الثقافي الذي بقي شاهداً على الازدهار الثقافي والفكري لإمارة أبوظبي، حيث تقام العديد من ورش العمل المرتبطة بالثقافة الإماراتية مثل ورش عمل الألعاب التراثية، وصناعة الفخار والطباعة المستوحاة من السدو وحرف أخرى، كما تعرض في أرجاء المجمع الثقافي مجموعة من الأعمال الفنية لعدد من الفنانين الإماراتيين الذين تم تكليفهم بابتكار أعمال فنية مستوحاة من التراث الإماراتي، منهم عبدالله السعدي ومحمد أحمد إبراهيم وزينب الهاشمي وآخرون.

مقر القضاء

كان قصر الحصن مقراً للقضاء، وكانت توقع فيه المعاهدات المختلفة، والتي جمعها الأرشيف الوطني، إلى جانب وثائق أخرى للطيران والبحث عن الأوكسيد الأحمر، وما إلى ذلك.

جولات

ينظم المهرجان بشكل يومي جولات تعريفية في قصر الحصن، تعرف الزوار على قاعات المجلس الاستشاري الوطني سابقاً، كما تفتح أجنحة المعيشة أبوابها للزوار للمرة الأولى.

صرح

برج الحصن شيد 1795 ليرسم ملامح العاصمة

بدأ الاهتمام الفعلي بزيارة جزيرة أبوظبي، بعد انتقال تحالف قبيلة بني ياس بعاصمتهم من المارية في ليوا إلى الجزيرة على مرحلتين، كانت الأولى على أثر اكتشاف بئر المياه العذبة في جزيرة أبوظبي العام 1795 عندما أمر الشيخ ذياب بن عيسى آل نهيان ببناء قرية صغيرة هناك، وانتقل بعد ذلك في المرحلة الثانية الشيخ شخبوط بن ذياب مع أفراد قبيلته إلى الجزيرة في العام 1795 عند تشييد البرج الأول للقصر، ليشكل منها عاصمة تحالف قبائل بني ياس.

وذكر الضابط البريطاني صامويل هاميل في العام 1831 بعد زيارته جزيرة أبوظبي في كتابه «سجلات حكومات بومبي»، أنه كان أفراد بني ياس في أول الأمر يزورون الجزيرة بين الوقت والآخر للصيد، وأصبحت القرية بعد اكتشاف مصدر المياه العذبة تتكون من 20 بيتاً، وبدأت جماعات متلاحقة من بني ياس تتنقل بين ليوا وجزيرة أبوظبي، ومن تلك البدايات البسيطة بدأت قصة قصر الحصن كما تعرف اليوم، وقصة أبوظبي الحديثة.

دعامات

لصخر مرجاني في بناء القصر

الصخر المرجاني الذي بني منه القصر ليس صخراً في واقع الأمر، بل هو مادة كلسية صلبة استخرجت من المياه المحيطة في جزيرة أبوظبي، وكان الغواصون يغطسون إلى قعر البحر لجمع المرجان الذي يكثر في الأعماق، واستعملت هذه المادة أثناء إنشاء قصر الحصن لبناء جدران تبلغ سماكتها 60 سنتيمترا، كي تكون قادرة على تحمل ضغط الأوزان الفوقية، وبفضل طبيعته النافذة، فإن الصخر المرجاني يشكل عازلاً ممتازاً، حيث يتم تثبيته ومن ثم تسليحه بطبقة من مادة جيرية تعرف بالجص البحري، وتعرض الصخر المرجاني للتآكل على مدار السنين بسبب عوامل التعرية، وتم دعمه في مراحل مختلفة بمواد أخرى مثل حجر البازلت وأحجار محلية أخرى يطلق عليها الحجر البحري، وذلك قبل أن يبدأ استعمال الأسمنت المسلح في مرحلة ما بعد اكتشاف النفط.