دفعني هذا العنوان لأن أجلس مع نفسي وأختلي بها، وأتفكر في كلمات صاغتها أصابع نحات يرسم وينحت تحفة فنية جميلة وإبداعية يغلب في طابعها تنافس سابقاتها لترصع ركناً من أركان وزوايا بيت القصيد كمنحوتة ثمينة اقتناها صاحبها بعد أن صنعها.

لقد تجلت حكمة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي للإمارة في قصيدته الأخيرة «إجلس مع نفسك»، شأنها شأن سابقاتها وربما فاقتهن فناً وإبداعاً من اللواتي لا يخلين من الحكمة والموعظة والاسترشاد بالكتاب أو السنة أو المنطق السليم، فما يستشف من قصائد سموه رجاحة العقل وبُعد الفكر والنظر والاطلاع، وحَمْله لِهمٍّ مجتمعي يعنيه أن يسلط الضوء عليه، في إشارة راشدة إلى العلة والمعلول، كطبيب يسعى بمشرطه أن يستأصل ورماً خبيثاً تأصل في جسد المريض.

وفي مقام سموه ينتهج المداوي في قصيده إلى تشخيص المرض ووصف العلاج الشافي والمداوي للعلة، وأمله المرجو في تكّيف المتلقي لهذا العلاج مع معطياته وتجاوبه والتفاعل معه لينجع العلاج في نتيجته ويثبت مفعوله، وإن الهدف من الاصلاح إن لم يشمل جميع الحالات فلا بد من أن يصيب خَلَدَ البعض ويشفيهم ويأخذ بأيديهم، وفي ذلك يتحقق قول الله تعالى: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه" فمنهج سموه في كتاباته مستمد من مداد القرآن الكريم وسنة نبيه العظيم، وهذه بشرى لنا أهل الإمارات بأن حكامنا أهل عدل وعلم وصلاح، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "إثنان من الناس إذا صَلُحا صَلُح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء».

 

يبدأ سموه القصيدة مخاطباً حامل الهم قائلاً:

 

يَاللّي قريْبِك ظَالمك وتْقول شوفوا لي حلول

إجْلِس مَعَ نَفْسِك وفَكِّر لَجْل تَعرف وِشْ تَبي

 

فبعد أن رسخ في أذهان العامة ما قرره الزمان في قول الشاعر:

 

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً

على النفسِ من وقعِ الحسامِ المهندِ

 

نرى شاعرنا في هذا المقام يقول «صبراً» فليس كل اشكال بين قريبين يمكن أن يُعد ظلماً مفترضاً، ولا استشعر أقرب للمعنى في هذا القول سوى أن سمو الشاعر يخاطب الزوجين أو القريبين بحوار مشمول بالحكمة وعين البصيرة وخَلق الأعذار موافقاً بذلك القول المأثور «التمس لأخيك سبعين عذراً»، فقبل أن تشتكي حالك وتبحث عن حلول لدى الآخرين، وكل من حولك يدلي بدلوه، وتشيع مشكلتك، وهناك من يؤججها، وهناك من يخمدها، والذي سيغلب بين الآراء ما يوافق هواك، فقبل المشورة انظر لهوى نفسك أين يتجه لتصل إلى الحق قبل أن يوصلك إليه أحد، فانفرد مع نفسك وانظر ماذا تريد.

جَرِّب تِحِلِّ الأمْر بيْنِك وبيْنِه بِالأصول

وْخَاطبْه بإسْلُوب الْمُحَنِّك لا بِأسْلوب الْغبي

 

وهي دعوة مباشرة بعد أن يختلي المرء بنفسه لأن يجلس الغريم إلى غريمه، ويفتح قلبه له، ويسعى لحل مشكلته معه بالدفع بالتي هي أحسن وإن دل ذلك فإنما يدل على أن شاعرنا قد كانت الآية الكريمة نصب عينيه في قوله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ».

تهدئة النفس

ومن جهة أخرى فلقد ثبت في علم النفس أن تغيير وضعية الغاضب من الوقوف إلى الجلوس أو من الجلوس إلى الانبطاح والاضطجاع لها أثر كبير في تهدئة النفس والمساعدة على التحلي بالصبر وهذا لم يفت شاعرنا ذا الثقافة الواسعة والتي استمدها أيضاً من حديث رسول الله: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ».

فيحل مشكــلته بمخاطبة ذكية تدل على تصرف خبير، يعلم ما يضر صاحبه وما يسعده، لا أن يذهب بتصرفه لحماقة أو استخــفاف بالطرف الثاني، فيعمد إلى التخــطيء والزعــيق والعــناد، فالعنــد متولد من الشيطان، وشأنه أن يفسد العلاقة ويدمرها أكثر مما هي عليه من سـوء تــفاهم أو إشكال قائم، ذلك أن:

 

عَدَاوتِه في ذَاتَها حسَبْ كَلام أهْل العقول

تَأثيرَها أشَدَّ وأخْطَر مِن عِدَاء الأجْنبي

 

وهنا يسترشد الشاعر بحكمة بليغة بقول أسلافه من الشعراء العقلاء فيما قال أحدهم:

 

احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرَّة

فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة

 

فعداوة القريب أو تأثيرها أشد وأخطر من عداوة العدو، فعدوك لا شك أنك لا تظهر له المودة بل حذرك دائم منه، وتوخيك لخيانته وطعنه إياك قائم في أي وقت خشية أن يكون من غرماء السوء والإضرار الذين في خصومتهم لدد وعداء غير مبين، وظلمهم يغلب رجاحة عقلهم، لذلك كان تحذير سمو الشيخ الشاعر يتجه إلى ذات المنحى والفكر بالقول بعدم معاداة القريب لأنه يعلم عنك، ما لا يعلمه غيره عنك وهو ما نشهده في ساحات الحياة وتجارب الخبرات، وإذا ما انقلب الود بين الطرفين إلى خصام ، كانت عداوة فاضحة، فكل ينكل بالآخر بالحق والباطل بهدف تدمير غريمه، وهذا كله من باب الغيرة الحاقدة لا الغيرة السوية الراشدة، ومن باب الحسد الذي يُهلك الحرثَ والنسل، فترى قريب الأمس عدو اليوم لا يتمنى لصاحبه السعادة بل يريده أن يندم على تركه إياه فيشّيع الفضائح والفظائع بحقه، فمن هذا المنطلق يأتي توجيه سمو الشاعر:

 

لا تَزعِلِك هَرْجَة قريْبِك وإن تِشَمَّت بِك عِذول

قِلّه ترى كُثْر الشِّماتَه مِن صِفَات أهل العِبي

 

فيحث الشاعر الأقرباء إلى عدم التسرع في أخذ قرار الخصام بحجة الزعل من كلام دار بين الزوجين أو القريبين، وإن صاحَب هذا الكلام شماتة حاقد عذول لا يتمنى الخير للطرفين، فيشعل نار العداوة بينهما لأي سبب يقدر أن يخلفه أو يسببه، فالمقصد أن العتاب يُبقي حبل الود ممدوداً بين المخلصين ولا يقطعه، أما العدو العاذل فقل له ولمن صَدَّقَه إن كثرة الشماتة هي من صفات بعض النساء الشامتات اللواتي يسخرن من القوم ومن هنا كان الربط بين الفعل وفاعله، وذلك تصديقاً لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ» ويستطرد سمو الشاعر فيقول:

 

وِإن كَذِّبوك أقْرِابِك أصْبِر مَهْمَا يِطول

لا بُد تِكْسَب بِه فَخِر وِتْقول هَذا مكْسَبي

فخر ومكاسب

هذا عين الصواب والعقل في توجيه وحث على الصبر الذي هو صفة من صفات المؤمنين الصادقين المخلصين غير القانطين، فالشاعر يخاطب الفطن الكيّس فيقول وإذ كذبك أقرباؤك فاصبر على ما أصابك من أذى منهم وتنكيل، فالصبر مهما طال أمده لا بد من أن تفخر بما كسبت وما صبرت عليه من إيذاء وبلاء، ويسترشد بالتاريخ قائلاً:

 

وِإن كان نَاسِي وِدِّي أذَكِّرك في حَاجَة وَأقول

إلْنا في تَاريْخ النِّبي عِبْرَه فِدَاه أمِّي وَأبي

 

فالسيرة العطرة لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم خير شاهد على تحمل الإيذاء والبلاء والتنكيل والتكذيب والتشييع والكيد، فانظر في التاريخ الذي لا يخلو من العِبر والمواعِظ التي تُخَلد ملحمة الصبر وخير شاهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكم صبر على عداوة قريش وما كانوا يكيلونه له من التهم التي تمس سمعته، ومن الإيذاء البدني الذي يمس كرامته عليه الصلاة والسلام، وكَمَ صَبَرَ على تطفل أطفال الطائف وتعديهم عليه وضربهم اياه بالحجارة حتى اندملت قدماه الشريفتان فداه أمي وأبي فأتاه جبريل عليه السلام يسأله إن أراد أن يطبق عليهم الأخشبين أي الجبلين انتقاماً منهم ومن تصرفاتهم فقال صلى الله عليه وسلم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقيم هذا الدين..فصبر عليه الصلاة والسلام وصبرنا فكان ما تمنى وكم حمل وتحمل كيد الكائدين في مكة والمدينة فانظر..

 

سَلمان مِن فَارس وصَدِّق بالَّذي قَال الرِّسُول

وَأبولَهَب عَمِّ النَّبي .. كَذِّب بِما قَال النَّبي

 

فعجائب الزمان خَلَّدَت سلمان الفارسي الذي آمن وصدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عوناً له حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم «سلمان منا أهل البيت»، وهو عرفان من سيد الخلائق بمن صاحبه ونصره ووقف معه في دعوته، وعلى النقيض أبي لهب عم رسول الله الذي كَذَّب بما قاله وبما جاء به عليه الصلاة والسلام، بل نال منه كل الإيذاء والبلاء بغير عادات العرب الذي يناصرون أهلهم وذويهم ظالمين أو مظلومين، فصبر رسول الله على هذا الإيذاء الذي نال من قلبه محلاً، ومن جسده الطاهر أيضاً إذ كان يعمد أبو لهب وزوجته برمي القاذورات أمام منزله عليه الصلاة والسلام وعلى ظهره، ثم ينطلق الشاعر ليردنا إلى عالمنا القريب بعد أن أبحر بنا عبر المسيرة التاريخية فيقول:

 

إحْفَظ نِصَائِح كل عَاقِل لِه مَعَ العَالَم قُبول

الشَّايِب يْرَدِّد مَعَانِيْهَا عَلى سَمْع الصَّبي

 

فيحث الشاعر لسماع قول الكبير ونصحه وهو ما يتسق ومفهومه الذي تربى عليه وأدركه بمصاحبته لكبار السن، فيسمع من توجيههم ونصحهم خاصة من هُم من أهل الرأي والمشورة وما ساقه أمثال هؤلاء على مر العصر كواقع من قصص وحكايات حفظها الأبناء عن الآباء، ثم يستخلص أَجَّل حكمة في قصيدته ليشحذ الهمم إلى القمم ليقول:

 

بِالْعَزم يِقْدَر مَنْكِبِك يحمِل ثِقيْلات الْحُمول

إتْعَب وِقِل يَا رَب يَا وَهَّاب بَارك في تْعبي

 

نعم وهنا يتحقق قول الله عز وجل: «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» فــالــــعــــزم لا بد من أن يصاحبه دعاء ورجاء من الوهاب بأن يبارك في المسعى والعمل، وإن مشاق الحياة وتعبها هو من متطلبات ديننا الحنيف، فتَجَليّ صبغة التديّن تغلب في قول الشاعر عندما قرر أن بالعزيمة يستطيع الإنسان أن يحمل على كاهله ومنكبه الأحمال الثقيلة سواء كانت مادية أو معنوية، فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، بل هذا هو سر النجاح المستمد من شرع قول الله عز وجل : «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».

ومن ثم يكون التوفيق والبركة في العمل الدؤوب بعد الدعاء والتضرع إلى الله لقول الحق تبارك وتعالى: «فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» ومن بعد ذلك توفيق الله متحقق بقوله: «فاعمل إننا عاملون» فيد الله مع العامل التي يحبها الله ورسوله، ثم يستشهد سمو الشاعر بدلالة واضحة ظاهرة العيان لكل ذي بصر وبصيرة فيقول:

 

وْلوْلا قوِيِّ العَزم والإصْرَار ما شِفْت الذُّهول

يوَزِّعه بين الجِهَات الأربَعَه (حَاكِم دبي)

 

عزيمة الآباء

خير شاهد على تحمل المشاق والمتاعب والأثقال على المناكب هو ما نراه اليوم ونشهده من تطور وعمران ونسق في منظومة العمل التي قادها والد الشاعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي بعزمه وقوة إرادته وإصراره على النجاح جعل العالم كله يتحدث عن إمارة اسمها دبي، التي شهدت تطوراً إنسانياً وعمرانياً وسياحياً وعملياً من أطرافها الأربعة وبمعادلاتها الأربع إنسان، بناء، رفاهية وعمل.

 

حكمة الصغر

هذه القصيدة تكون خلاصة تجربة ناجحة ساقها الشاعر ليسدي النصح لمن يستمع إليه أو يقرأ عنه، ليكون توجيهه منهجاً ونبراساً واجب دراسته بتمحيص أكبر وأكثر إذ شملت هذه الأبيات خلاصة الحنكة التي منّ الله بها عليه رغم صغر سنه وكبر خبرته وفنه.