الساعة الرابعة عصرا يعني الوقت اليومي المحدد لدخول الزوار إلى مهرجان قصر الحصن. المسؤولون عن تنظيم الدخول يضعون ورقة على شكل إسوارة على معصم الأطفال يوجد عليها شعار المهرجان، ليتوجهوا بعدها إلى الداخل ، حيث كل شيء ينبض بالحياة والحركة، إنها رحلة عبر الزمن يتواصل عبرها الأجيال مع الأجداد من خلال تعليم المهارات المتاحة عبر الأركان الأربعة، من صناعة الخوص، والقوارب، وكل ما له علاقة بالمكان ومن البيئة، تتحدد الإبداعات، فالحرفيون يفترشون الأرض، الأطفال يركبون على الإبل الذي يصحبهم في رحلة قصيرة عبر الرمال، موسيقى وغناء ورقص شعبي يسمع في كل مكان.

منتجات تراثية

لسعف النخيل حكاية ينسجها الحرفيون، ويحولونها إلى أدوات تستخدم في الحياة اليومية، فمرة يدخل سعف النخيل مع الصوف لصناعة سروج الإبل، في مهنة تناقلتها الأجيال، ومرة أخرى يمكن مشاهدة النساء اللواتي يقمن بصناعة العديد من الأدوات المنزلية كالأطباق والسلال وغيرها من سعف النخل، الذي يعتبر إلى جانب أنه مادة للغذاء إلا أن ليفه يستخدم في الصناعات اليدوية والمفروشات المنزلية، وكان ليف شجرة النخيل يستخدم في نسج السلال والحصير وأغطية الطعام، ومع تطوره استخدمت الأصباغ لتغيير لونه الطبيعي وإضفاء المزيد من الفن على شكله.

وفي جهة أخرى ابتكر الحرفيون العديد من الأشياء الأخرى التي تحفظ لهذه الصناعة التقليدية وجودها بشكل من الأشكال، ويوجد هذا في أركان عديدة حيث تصنع منها القوارب الصغيرة، التي يمكن الاحتفاظ بها كتذكار.

سيدة المكان

النخيل في هذا المهرجان أوحى بأفكار كثيرة لتفاعل الناس مع المكان، منها أساليب تسلق أشجار النخيل باستخدام الحبال، وطريقة صناعة الحبال التي تستخدم في ممارسات كثيرة غير تسلق النخل منها استخدام البحارة لها، كما يمكن للزوار التعرف بتفصيل على أصناف التمور التي استخدمها سكان الإمارات كغذاء لقرون، ولكن القليل منهم يعرف التمييز بين نوع وآخر وميزات كل نوع وأماكن زراعته.

والنخلة تحضر أيضا في الورش المقامة في المجمع الثقافي والتي تستهدف الأطفال، وخلالها يتعلمون كيفية صنع قطع بسيطة من خلال جدل سعف النخل لصنع القوارب الصغيرة والسلال، وبعد انتهائهم من صناعتها يمكنهم الاحتفاظ بها، وهو ما يعزز ذلك الرابط بين الطفل ومفردات بيئته.

أما في ركن "القهوة " والذي يقع في الجهة اليمنى من مدخل المجمع، ويقدم القهوة الإماراتية بأنواعها المختلفة، فيحتفل أيضا بالتمر، ويقدم أنواعا مختلفة منه، منها التمر لوحده، ومنها تقدم التمور مع أصناف أخرى كنوع من الألبان. وهذا كله يدل على أهمية ما تقدمه هذه الشجرة التي تحتفل بها الصحراء.

حوارات

إلى جانب هذه الفعاليات التي تقام يوميا، في ساحة بجانب قصر الحصن، تستمر الحوارات التي تعقد للتعريف بأهمية قصر الحصن من كل الجوانب آخرها حول أهمية قصر الحصن، ومراحل تشييده تحدث فيها كل من حسام المهدي رئيس قسم الترميم في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وبيتر شيهان مدير المباني التاريخية ومارك كيفن رئيس قسم الهندسي في الهيئة، وذلك مساء أول من أمس في جلسة أدارها عمر الكعبي من الهيئة واستهلها مارك كيفين بالإشارة إلى الشرح عن برج المراقبة الذي بني في عام 1845 وشرح المواد التي استخدمت في بنائه. والتطور الحاصل في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان، كما نوه إلى أسلوب العمارة الخليجية التي تفرض هندسة معينة فهناك مدخل للرجال ومدخل آخر للسيدات، وهناك بالتالي باحات منفصلة. ومن مفردات التراث أيضا استحضر البراجيل التي كان تدخل الهواء إلى المكان بطريقة معينة. وقال: إن كل المفاوضات النفطية جرت في الجناح الغربي الشمالي.

الحصن والجاهلي

قال بيتر شهيان: بني الحصن من نباتات مختلفة. وأشار إلى بعض المنهجيات في تطور القصر والتي بدأت واضحة من نهاية القرن التاسع عشر، ومن ثم ربط ما بين قصر الحصن وقلعة الجاهلي التي بنيت في العام 1867 في عهد زايد الكبير. وقال الحصن توسع أيضا وتطور في الوقت ذاته، ولهذا ظهر نوع من التشابه. وأشار إلى أن المباني التي شيدت فيما بعد اتبعت ذات الهيكلية، وكان هناك تغيير في الألوان، وأكد على أن تغيير المبنى يرتبط بالمهام المنوطة به، إلى أن أصبح مركزا للتوثيق والبحوث. وأخيرا أكد على الجهود المبذولة للمحافظة على قصر الحصن.

تنوع

يقدم المهرجان منذ انطلاقه بشكل يومي، مجموعة من الفعاليات بدءا من الأركان الأربعة التي تعرف بتراث الدولة، والورش المقامة في المجمع الثقافي التي تستهدف الأطفال، بالإضافة إلى العرضين اليوميين لـ "كفاليا في قصر الحصن" والحوارات التي تقام للتعريف بتاريخ وأهمية قصر الحصن.

القصر يحافظ على التراث وفق المواثيق الدولية

خلال المحاضرة التي أقيمت مساء أول من أمس، تحدث حسام مهدي رئيس قسم الترميم في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وقال: إن قصر الحصن يعبر عن فلسفة الحفاظ على التراث وفق المواثيق الدولية. وأوضح بناء على ذلك نقوم باتخاذ القرارات وتحديد التوجه، إذ يعتبر قصر الحصن من أهم المباني من ناحية تاريخية وسياسية واجتماعية ويعتبر الدليل المادي في هذه المدينة السريعة التطور. وأضاف: بالتالي تزداد أهمية التراث في الحفاظ على القيم بعد تحديد هذه القيم التي يمثلهما المبنى وتتجلى بموضوعين الأول بخصوص الفتحات والأرضيات وتاريخ المبنى والطبقات التاريخية المختلفة وإشكاليات الحفاظ عليها.

تخطيطات

وفسر: هناك جدار مبني من الحجارة المرجانية، وفوقه طبقة الإسمنت، والتخطيطات تهدف إلى هذا السياق العمراني والإداري وسياق الموقع في ذات مبنى المجمع الثقافي والمربع العمراني الكامل للمجلس الاستشاري، وتوجه قصر الحصن بالقبلة، والشوارع التي حوله باتجاه مختلف، إذاً مبنى ما قبل الحداثة له علاقته بالشوارع والمجمع الثقافي الذي يعتبر شاهدا على التطور والتعامل مع قصر الحصن. يأخذ بالاعتبار هذه الأمور في قصر الحصن. عند العمل عليه ونرى لو عاد البناء إلى فترة الأربعينات من القرن الماضي، يعني سيصبح المبنى غير مكيف ، فهل سيحمل الناس عدم وجود التكييف، هناك تداخل في القيم في نسيج المبنى، وقال: يجب التوثيق الكامل قبل أي قرار وأن أي تداخل عليه أن يكون قابلاً للاسترجاع، في حــال تم اكتشاف الجديد أو أن التدخل غير مناسب بحيث يتم هذا بدون إلغاء القيمة التــراثية لنسيج المبنى.

وأشار إلى أمــور أخرى يجــب مراعاتها للحفاظ على التكاملية وقال نضع خطة تبنى على الفهم الكامل للمبنى قوامها التعامل مع المبنى بغاية الأهمية لما له من دلالات سياسية وليس مجرد صيانته لاستــخدامه فاستمرارية هذا التراث أول علاقة معروفة في تاريخ أبوظبي.

تراث معماري

وأشار إلى أن القرار سياسي للحفاظ على التراث المــعماري وهو تجسيد لرؤية ثقافية حـــداثية لمدينة ودولة تكون الثقافة وعلى الثقافة الاهتمام بالقديم والنـــظر للمستقبل ويعبر بها بالبناء الموجود الآن في قصر الحصن النواة الثقـــافية لتطور أبوظبي.

وأوضح أنه تسجيل للمراحل المتــسارعة التي مرت بها ونعـــتمد على البحـث والتنقيب الأثري والوثائق والصور القديمة والمصادر المهمة للمعلومات حتى نستطيع إعادتــه مرة أخرى للحياة الثقافية للمدينة وهذا تحد ضــخم حتى لا نطمس دليلا ماديا تاريخيا. دليل

أنشطة الحصن مقاطع تاريخية لنقاشات وطنية

أمام قصر الحصن وضع دليل الزوار الذي يتيح لهم معرفة الأنشطة التي ينتظرونها، وهي مواعيد الجولات التعريفية التي تستغرق 30 دقيقة، يستمع فيها الزوار إلى شرح مفصل عن قصر الحصن، ثم يعرف الدليل بأنشطة أعمال الترميم التي يقوم بها الحرفيون، وهم يرممون جدران قصر الحصن، ونظام التهوية الخاص به، وتحت عنوان مراقبة الحصن، يتعرف الزوار عبر أجهزة الاستشعار، قدرة هذه الأجهزة التي ترصد أية تغيرات في الجدران التاريخية في قصر الحصن، كما يمكنهم معرفة التاريخ عن كثب من خلال شرح عن المجلس الاستشاري الوطني الذي اتخذ لفترة تاريخية من قصر الحصن مقرا له، ويمكن للزوار الاستماع فيه إلى بعض المقاطع التاريخية للنقاشات الوطنية التي كانت تدور في يوم من الأيام، وفي ركن التنقيب عن الآثار يوفر المختصون تجربة مميزة للأطفال ينقبون من خلالها عن الآثار بهدف التعرف على تاريخ الإمارات العربية المتحدة، كما تمكنهم من التعامل مع الآثار لمعرفة المزيد عن التراث الثقافي للدولة عن كثب.

محطات

تلبية احتياجات الحكومة

تحت حكم الشيخ زايد في الستينات والسبعينات كان القصر يلبي احتياجات الشيخ زايد وحكومته، وبعد تشييد مبان حكومية جديدة، استخدم الحصن القديم كمتحف ومقر للأرشفة وكذلك مقرا لاجتماعات الحكومة وفي عام 1968 أضاف بناء المجلس الاستشاري الوطني الذي ألحق بالمبنى أخيرا، ثقلاً سياسيا باعتباره مقر حكم إمارة أبوظبي، وبين عامي 1979 و1985 قام الشيخ زايد بالعمل على ترميم قصر الحصن وفي عام 1980 أصبح المبنى مركزا للبحوث والوثائق .