والكر، وباروز، وهولي، إنها أسماء لعدد من الشخصيات التي نزلوا ضيوفا في قصر الحصن، هؤلاء الضيوف وغيرهم لم يكونوا مجرد عابرين بل وثقوا وجودهم في قصر الحصن، بالكتابة عنه، وأحيانا أخرى التقطوا الصور التي تعتبر نادرة في هذا الزمن بل وتشكل جزءا من تاريخ الإمارات.
عن هذا الجانب تحدث زكي نسيبة المستشار الثقافي في وزارة شؤون الرئاسة، والدكتورة فراوكة هيرد باي خلال الندوة التي أقيمت مساء أول من أمس، كواحدة من الفعاليات المقامة في مهرجان قصر الحصن في أبوظبي.
استهل الأمسية المستشار زكي نسيبة بالإشارة مكانة أبوظبي وازدهارها، وكيف فقدت مكانها على الساحل في العقود الأولى من القرن العشرين، واستحضر كتابات دونالد هولي الذي عمل كمعتمد بريطاني من العام 1958 ـ 1961 في دبي.
وتحدث في كتابه كيف فقدت أبوظبي هذه المكانة جراء انهيار تجارة اللؤلؤ، كما وصف في مذكراته العديد من اللقاءات مع الشيوخ في قصر الحصن.
الحصن مقر الحكم
استحضر زكي نسيبة سيرة برنارد باروز أول مقيم بريطاني في الخليج وذكرياته مع قصر الحصن، إذ قال: وصل باروز عام 1953 إلى البحرين وكان مسؤولا عن كل دول الخليج بما في ذلك الكويت.
وأوضح نسيبة: يصف باروز أول زيارة له إلى قصر الحصن عندما كان قادما من دار الاعتماد البريطاني في أبوظبي التي تبعد مئات الياردات عن القصر، وبرغم ذلك غرزت سيارة "اللاندروفر" واضطر للاستعانة بمن وجد من المواطنين لإخراج السيارة من الرمل ومن ثم هرع إلى قصر الحصن حيث استقبله الشيخ شخبوط بحفاوة.
كما تحدث عن شخصين بريطانيين بارزين، عاشا ما تبقى من عمرهما في أبوظبي، ولهم قصص كثيرة حول زيارتهما لقصر الحصن، الأول كما قال نسيبة هيو باوستد الذي زار الشيخ شخبوط في قصر الحصن، والثاني أدوارد هندورسون الذي تربطه علاقة وطيدة مع الشيخ زايد.
وقال نسيبة: يقول هيو باوستد في كتابه "رياح الصباح" كان أول انطباع لي عند دخولي جزيرة أبوظبي كم هي مناظرها خلابة بطبيعتها المنبسطة على امتداد النظر على الأرض وفي البحر بعكس جبال مسقط المغلقة، وقمت بأول زيارة للشيخ شخبوط في قصر الحصن عند وصولي أبوظبي العام 1952، حيث استقبلني بحرارة ومودة، وقد تم إبلاغه قبل وصولي أن الحكومة البريطانية، قد قررت أن تعين لديه معتمدا خاصا لا يتبع السياسي في دبي المقيم هناك منذ 1948 وذلك تقديرا لأهمية أبوظبي ومكانته كحاكم للإمارة.
الحصن حديثاً
أوضح نسيبة أنه بعد تولي الشيخ زايد الحكم، ودخوله قصر الحصن لاستقبال الضيوف والمهنئين استمر القصر لعدد من السنين كمقر الحكم والإمارة في أبوظبي، واستمرت زيارات العرب والأجانب لهذا القصر الذي بقي مقرا للحكم حتى العام 1971.
وقال: تجدر الإشارة إلى زيارتين مهمتين إلى قصر الحصن أثرا على مجرى الأحداث في منطقة الخليج العربي، ففي خريف 1967 كانت بريطانيا تستعد للانسحاب من عدن لأسباب أمنية واقتصادية فجاء جورونوي روبيرتز وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية إلى أبوظبي في جولة له في الخليج لإبلاغ الحكام أن بريطانيا برغم قرار الانسحاب من عدم إلا أنها لن تترك مسؤولية حماية الخليج بموجب الاتفاقيات القائمة.
وأجاب الشيخ زايد أن الخليج يدعم السياسة البريطانية ويضع ثقته في حكومتها.
وفي يناير من العام 1968 عاد الوزير البريطاني نفسه لكي يبلغ الحاكم أن بريطانيا عدلت عن سياستها وسوف تضطر للتخلي عن مسؤولية حماية الخليج بعد سنة 1971 نظرا لظروفها المالية وكانت النتيجة أن الشيخ زايد عقد العزم على إنجاح الجهود لإقامة اتحاد الدول العربية.
حكايات لا تنسى
قالت فراوكة هيرد: إن الكثير من الأشخاص زاروا قصر الحصن، ولم يكونوا ضيوفا، فالشيخ يكون حزينا إذا كان المجلس خاويا، وكانت الناس تأتي لتمضية الوقت، أو لأنهم بحاجة إلى رأي معين.
وأشارت إلى أن أحد الزوار قال في تقريره إن زايد بن خليفة كان لديه الكثير من الزوار والضيوف، منهم شيوخ آخرون من قبيلة بني ياس، كما بنى زايد بن خليفة منزلا عرف بالعريش وهو منزل كبير لاستقبال الضيوف، وهو ما فعله لاحقا الشيخ شخبوط بن سلطان.
وعرضت صورة تعود للعام 1904 التقطتها مسافرا ألمانيا هيرمن برهارد، وقالت بقي ستة أيام التقط خلالها 9 صور، تمثل الحياة اليومية، وذلك بعدما أعطاه الحاكم حرية الحركة والتجوال.
وأوضحت كانت الصور تلتقط على الزجاج وتغسل بالأملاح، وهو ما يجعل عملية التصوير مكلفة، وأوضحت أن هذه الصور الملتقطة في أبوظبي، توجد الآن بمتحف في ألمانيا.
وأضافت: بالانتقال إلى عهد الشيخ شخبوط والذي يمتد من العام 1928 إلى العام 1966 جاء الكثير من الزوار إلى القصر منهم سوزان هيلارد وابنتها ديبورا، والصحافية التي تعرف بملكة الصحافة النفطية.
كما أظهرت المتحدثة صورا لشخصيات إماراتية، منها كما فسرت الصورة من قبل أحد علماء الجغرافيا لأحمد بن خلف العتيبة وعائلته في قصر الحصن.
بين الماضي والحاضر
قال زكي نسيبة في ختام محاضرته عندما عاد الرحالة ويلفرد ثيسجر صاحب كتاب "الرمال العربية" إلى أبوظبي في التسعينات وقابل الشيخ زايد الذي سأله عن رأيه في ما شاهد من تقدم وعمران.
أجاب ثيسجر: أنه يفضل حياة أبوظبي القديمة لما فيها من رومانطيقية.فقال له زايد: الصحراء والبر دائما متوفران، وجزء من هويتنا التي نتخلى عنها، ولكن حياة الماضي تعني الخوف والمرض والموت، أما الحاضر فهو ما يكفل لكل فرد حياة كريمة.
«أم الشيوخ» تضاهي أقدر الرجال حنكة ودراية
في كتاب "صور فريدة عن أبوظبي" تحدثت المؤلفة "سوزان هيليارد" عن إحدى الحوادث المؤثرة عندما استدعتها الشيخة سلامة أم الشيوخ في المساء المتأخر بدوة عادة وعرفت على الفور أن هناك شيئا ما قد حدث.
وتضيف ذهبت إلى بيتها "أم الشيوخ" بجوار قصر الحصن، وكانت تجلس كعادتها على الأرض، وبجانبها ضوء خافت والغرفة في ظلام داكن ما عدا ذلك الضوء ودخل أحد الرجال مباشرة إلى المجلس وركع على الأرض بجوارها وسلمها رسالة فقالت له الأنباء سيئة وأجابها نعم سيدتي، وترجمت لها الرسالة وكانت تقريرا طبيا حول ابنها الشيخ هزاع الذي كان قد سافر للعلاج في نيويورك يرافقه الشيخ زايد وخليفة بن يوسف، والمرض خبيث.
وأضافت المؤلفة بعد نهاية الرسالة كان هناك سكون مطلق، قلت لها إنني آسفة لهذا الخبر المحزن. وأجابت بكل سكينة وهدوء هذه هي مشيئة الخالق والحمد لله على كل شيء.
والشيخة سلامة بنت بطي أم الشيوخ كانت آنذاك من أقوى شخصيات الإمارة وكتب عنها كل من قابلها أو سمع عنها في تلك الحقبة بأنها بالغة الحكمة والذكاء قوية الشخصية والحضور، وأذكر أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، سألت الشيخ زايد، رحمه الله، مرة أن يخبرها عن والدته بعد ان سمعت عنها الكثير، وأجابها إنها، رحمها الله، كانت تضاهي أقدر الرجال حنكة ودراية.
جوليان والكر يرسم الحدود ويوثق ذكرياته
يعد جوليان والكر الضابط السياسي الذي جاء إلى الإمارات عام 1953 للعمل مع دار الاعتماد البريطانية في الشارقة وعمره آنذاك 24 سنة ويصف في مذكراته كيف اتجه إلى تعليم اللغة العربية بعد التحاقه بالخارجية البريطانية، وحال وصول جوليان إلى الشارقة عهد إليه بطريق الصدفة ترسيم الحدود بين الإمارات الشمالية بعد نشوب نزاع بين الإماراتيين حول ملكية طوى بئر.
وأصبح بعد ذلك يعتبر الخبير البريطاني الأول في ترسيم الحدود بين الإمارات، ويصف جوليان أول زيارة له إلى قصر الحصن عام 1953 فيقول قطعنا الطريق من الشارقة إلى أبوظبي عن طريق خور ثم جبل علي وتبعنا بعد ذلك طرقا متشعبة حتى وصلنا المقطع.
وانتظرنا انحسار الماء للعبور، عندما وصلنا قصر الحصن استقبلنا الشيخ شخبوط على باب القصر، تصورته أمامي وكأنه الملك تشارلز الأول (ملك بريطانيا في مطلع القرن السابع عشر) وسلمنا رجال الشيخ مجموعة من البنادق كنا قد أحضرناها هدية للحاكم .


