قال الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، إن تقدُّم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، للمسيرة الوطنية الاحتفالية إيذانا بانطلاق مهرجان قصر الحصن في دورته الثانية في العشرين من الشهر الجاري، والتي شارك فيها عدد من أولياء العهود والشيوخ وأصحاب المعالي وأعيان البلاد وجموع المواطنين من مختلف أنحاء دولة الإمارات، يعبِّر عن الأهمية الكبيرة التي تعطيها قيادتنا الرشيدة للحفاظ على تراثنا العريق وإحياء تاريخنا الضارب في أعماق الزمن، وهو ما أكدته أيضاً الزيارة الكريمة التي قامت بها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة "أم الإمارات" للمهرجان.
بصمات خالدة
وأضاف: إن الاهتمام بتراث وتاريخ وطننا الغالي هو تعميق لهويتنا الوطنية التي يعتز بها كل إماراتي، وتعريف للأجيال الجديدة بما تركه آباؤهم وأجدادهم من معالم تاريخية عظيمة يفخرون ويعتزون بها ولتكون حافزاً لهم على بذل المزيد من الجهد والعمل من أجل استمرار المسيرة الحضارية التي بدأها الآباء والأجداد منذ سنوات طويلة، وتركوا بصمات خالدة على وجه الزمن تشهد بإرادتهم الصلبة وقدرتهم على قهر الصعاب ووضع اللبنات الأولى للتنمية الشاملة التي تشهدها دولة الإمارات حالياً في كل المجالات، على الرغم من أنهم عاشوا وعملوا وخططوا في ظل ظروف صعبة ومعوقات كبيرة.
وأكد "السويدي" أن الامارات تقدم نموذجاً مميزاً على الانفتاح الإيجابي على ثقافات العالم ومنجزاته العلمية، وفي الوقت نفسه التمسك بهويتها الحضارية وخصوصياتها الثقافية، حيث تدرك قيادتنا الرشيدة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن التحديث والتطور والتقدم إلى الأمام لا يعني الانفصال عن ماضينا الثري والمليء بالدروس والعبر التي نحتاج إليها في مسيرتنا نحو المستقبل، مشيراً إلى أن الرؤية الشاملة للتنمية في دولة الإمارات العربية المتحدة تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتنظر إلى التراث الوطني على أنه أحد أهم عوامل التماسك والتعاضد داخل المجتمع الإماراتي، وأنه يمثل قوة إيجابية للتقدم بما يحتويه من قيم أصيلة وعادات وتقاليد راسخة رسوخ الإنسان الإماراتي فوق أرضه عبر مراحل التاريخ المختلفة.
مسيرة الحداثة العالمية
وعبر "السويدي" عن سروره للإقبال الكبير من قبل المواطنين الإماراتيين بفئاتهم العمرية المختلفة، خاصة الشباب، على فعاليات المهرجان، قائلاً إن ذلك يؤكد أن شبابنا المنخرط بفعالية وجدارة في مسيرة الحداثة العالمية حريص في الوقت نفسه على التعرف على تاريخه والارتباط به وبمعالمه ورموزه الشاهدة على المراحل المختلفة التي مر بها الوطن، وأنه لا تعارض على الإطلاق بين التحديث والتمسُّك بالهوية الوطنية، وأن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تعرف الصراع المفتعل بين الماضي والحاضر وإنما الترابط والتفاعل.
تهنئة
وجه الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية التهنئة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وإلى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بمناسبة الدورة الثانية لمهرجان قصر الحصن التي تقام برعاية كريمة من سموه، وتشهد نجاحاً كبيراً في التنظيم والفعاليات إضافة إلى الإقبال والتفاعل الشعبي من فئات المجتمع كافة.
«البوتيك» يعرض منتجات تذكارية تراثية
في أروقة المهرجان، وضع "كشك" صغير يباع فيه عدد من الأشياء التذكارية والتي صنعت بطريقة يدوية، تحمل صورا لقصر الحصن مثل "علاقة المفاتيح" أو لوحات رسم عليها قصر الحصن أو رموز تراثية أخرى من دولة الإمارات منها ما يعود للفنانة الإماراتية عفراء الظاهري، وإلى جانب هذا عرضت بعض الأنسجة التراثية ذات الألوان المتداخلة والتي تستخدم لأغراض مختلفة منها ما يوضع على كاسات الشاي لتخفف من حرارتها.
الحصن في الصحافة
من بين رجال الصحافة الذي دأبوا على زيارة البلاد في فترة الستينيات كان هناك مصور فرنسي ترك سجلاً حافلاً بالصور لتلك الحقبة، ومنها صورة قصر الحصن وقصر الخبيرة، الذي بني على مقربة من قصر الحصن لاستقبال الوفود الخليجية الرسمية، الاتحادية الرسمية. وظهر في إحدى الصور التي التقطتها غزال في حديقة الجناح العائلي للقصر. وهو تدل على اهتمام المغفور له الشيخ زايد بالبيئة.
وعندما كان الحكم من قصر الحصن، خرج صوت الاتحاد في الصحافة العربية، ظهر بالتالي قصر الحصن في الصحافة العربية والعالمية، مع كل موضوع خاص بتلك المرحلة المفصلية من تاريخ الإمارات.
غاية الظاهري تستعرض مسيرة الحصن سياسياً وإدارياً
تستمر فعاليات مهرجان قصر الحصن، جاذبة جمهور أبوظبي لفعاليته التراثية التي يبدو الرقص والغناء الشعبي من أبرزها، إذ يرافق المتجول في الأركان الأربع التي تشكل المهرجان صوت الأغاني التراثية، في وقت يتابعوا فيه جولاتهم وتفاعلهم مع الأركان التي تعرض للممارسات التي كان يقوم بها الأجداد في الماضي القريب مثل صناعة الشباك وحياكة النسيج.
وغير ذلك الكثير، وفي مكان مخصص انطلقت مساء أول من أمس أول الندوات المرافقة لمهرجان قصر الحصن، وتحدثت فيها غاية الظاهري الباحثة في هيئة أبوظبي للسياحة والتراث، عن قصر الحصن باعتباره رمزا سياسيا وإداريا منذ القدم.
وسام الملك جورج
اتخذ حديث غاية الظاهري طابع الذكريات وهي تتحدث عن طريقها إلى قصر الحصن، من العين سبقتها برواية عن والدها خلفان والذي التحق في الجيش الانجليزي، عندما كان عمره 13 عاماً، قالت الظاهري : حصل والدي على وسام الملك جورج لأنه أنقذ سرية كاملة. لتنتقل من بعدها لسرد القصة عندما كانت الأمطار تهطل في مدينة العين.
وكيف اختار البريطانيون حينها التمركز في الوادي تحت ظل شجر السدر، ومن ثم حاول والدها أن ينصح العسكر بأن هناك سيلاً قادما، لكن لم يكترث أحدا منهم بالتحذير، حتى عندما سمع الهدير وأيقظ قائد المجموعة الذي لم يهتم أيضا، وهو ما دفع الرجل أن يذهب إلى السيارة ويأخذ منها الحبال ومن ثم يتسلق الجبل، ويربط الحبال بحجارة، ويرميها في الوادي ولم تمضِ نصف ساعة، إلا وبدأ السيل ولكن الحبال التي وضعها الوالد جعلت العسكر يتسلقونها، وهو ما ساهم بإنقاذ 74 جنديا بريطانيا.
وهذا ما جعل مندوب الملكة البريطانية يأتي لاحقا ويعلق على صدر الوالد وسام الملك جورج، ومن هنا بدأت رحلة غاية الظاهري من العين إلى أبوظبي تحديدا إلى قصر الحصن عندما كانت طفلة صغيرة.
الطريق إلى الحصن
قالت غاية الظاهري: ذهبت إلى أبوظبي برفقة والدي وعمي وجدتي، وكنت أجد أن الطريق طويلة جدا، وهو ما جعل عمي يقول لي غني "ما أقربك يا بوظبي، وما أبعدك يالعين" كي نصل بسرعة. وأوضحت: كنا نمر من طريق المقطع، حيث توجد القلعة على البر الثاني، وعندما دخل والدي أخرج لهم "بروة" وهي ورقة صغيرة كتب عليها أسماء الأشخاص الذين سيدخلون الجزيرة.
وأضافت عندما وصلنا إلى أبوظبي، ظهر أمامي البناء الأبيض الكبير والمهيب، فاستغربت من لونه لأني أعرف أن قلعة الجاهلي في العين، ليس لونها أبيض بل ترابي، فسألت جدتي لماذا هذا البناء أبيض، فأجابت لأن هذا البناء يقيم فيه الحاكم، فاقتنعت بالكلام. لأنظر من بعدها إلى جانب وأتامل البحر.
وعن أيامها في أبوظبي بعد سكنهم في بيت قريب جدا من قصر الحصن. قالت الظاهري كنت أسمع بشكل يومي، في كل صباح الموسيقى العسكرية كانت الفرقة حينها تعزف موسيقاها الحماسية عندما يطل الحاكم من القصر، بينما كنت أدوام على الاستمتاع بها. والتأخر عن الطابور الصباحي في مدرسة "أم عمار" والتي سجلوني أهلي بها.
الحصن يجمع الناس
قالت غاية الظاهري كنت قادمة من العين، وهناك يوجد 200 فلج من المياه العذبة التي تتدفق في كل مكان، لكن عندما أتيت إلى أبوظبي كنت أستحم بالماء المالح. وأوضحت كان هناك مشكلة مع المياه، التي تتوفر بندرة، ويقتصر وجودها على "الجريج" وهي آبار محفورة في الأرض، وهو ما جعلني أفتقد مياه العين العذبة، خاصة بعد الاستحمام بالماء المالحة.
وعن حال المواد التموينية قالت الظاهري: كانت المواد الغذائية غير متوفرة كانت الناس تفطر في الحصن، وفي خارج الحصن يضعون القمح مع اللحم.
إلى أن جاء العيد وقالت لي جدتي حينها أذهبي إلى الحصن وهناك يعطوك عيدية، فذهبت إلى مجلس الرجال، وهناك رأيت رجلاً مميزاً فذهبت إليه وقلت أعطني العيدية، وكان حينها الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان الذي سألني عن اسمي، وقال للحضور أعطوها عيدية، وهو ما جعل الجميع يعطوني، لدرجة أن جدتي تفاجأت من النقود التي معي.
وأكدت الظاهري بأن قصر الحصن كان حينها ملجأ للناس وعندما يفيض البحر كانوا يتركون بيوتهم ويأتون للاحتماء به، ومن يخطأ كان يلجأ إلى القصر لكي يحاكم بالقانون.
وأضافت كما كان الحصن ملجأ في أوقات شح المواد الغذائية، وكان يستخرج للناس ما يسمى بـ "بروة العيش" وهي ورقة تؤهل الناس في الحصول على المواد الغذائية التي تحضر عن طريق السفن، أو من خارج الجزيرة، إذ كانت القوافل تحضر الحطب والفحم النباتي، والفاكهة المجففة، والتمر، وتابعت الظاهري بالشرح وهي تستعرض صورا قديمة لقوافل تعبر منطقة المقطع.
ونوهت إلى أنه في بعض الأحيان تزلق رجل الإبل في البحر وهو ما يجعل نهضوها شبه مستحيل وهذا ما كان يدفع رجال القافلة إلى ذبحها، والانتفاع من لحهما.
دور اجتماعي
أكدت الظاهري على أن الحصن لعب دورا مهما في الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت، وكان له دور في التثقيف الصحي إذ قالت: كانت البعثات التبشيرية تأتي من البحرين، وكانوا يلقحون الأطفال ضد مرض الجدري. كما جاء بول هريسون الذي كان يطعم الناس ويعالجهم بالدواء.
وأشارت إلى أنهم كانوا أيضا يخرجون الماء من منطقة "الساد" وبواسطة أنابيت ويضعونه في جرار. واستعرضت الظاهري صورة تعود للعام 1966 تظهر فيها الصفائح المعدنية المربوطة على ظهر الحمير، والطريقة التي يضخ فيها الماء من إحدى الآبار، وقالت غالبا ما يكون الماء مالحا.
توثيق
قالت غاية الظاهري إنها تعمل على كتاب يوثق تلك الفترة، التي عاشتها والتي يوجد فيها الكثير من الأحداث المجهولة من قبل الناس، والتي ستعرف بالتالي عن جزء من تاريخ الإمارات وكيف عاش الناس في عقود مرت من الزمن.




