عندما جاءني بالأمس نعي الصديق الشاعر محمد بن خليفة بن حاضر رحمه الله تذكرت آخر لقاء لنا قبل ذهابه للاستشفاء في العاصمة الفرنسية، حيث كنت أحدثه عن قصيدة المتنبي (لا خيل عندك تهديها ولا مال) والتي نظمها في مدح أبي شجاع فاتك الإخشيدي التي قرأتها في طبعة جديدة صدرت لديوان المتنبي فذكر لي مناسبة القصيدة والأبيات الشهيرة فيها التي أصبحت من الأمثال السائرة، حيث كان من محبي شاعر العربية الأعظم، ويحفظ الكثير من شعره، وعلى الرغم من احتفاظه بمعظم شروح الديوان إلا انه طلب مني أن أحضر له هذه الطبعة الجديدة من الديوان بعد رجوعنا من الإجازة الصيفية ليطلع عليها ويضيفها إلى مكتبته الأدبية العامرة.

المتنبي أيضا جاءتني أبياته الشهيرة المؤثرة تهز وجداني بردة الفعل الأولى التي تأتينا عند سماع أخبار غياب الإخوة والأحباب :

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ..

فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ..

شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

أحد الأصدقاء اتصل بي ليتأكد من الخبر الذي جاء في "البلاك بيري". انقبض قلبي وأخبرته أن أبا خالد كان قد أخبرني أنه ذاهب إلى باريس في عطلته السنوية، وخلالها سيجري عملية بسيطة. أغلقت الهاتف وبعد مدة بسيطة تأكدت من الخبر الحزين.

شريط الذكريات الطويل بدأ عندما تعارفنا بعد أن زارني في منتصف الثمانينات من القرن الماضي مع الصديق إبراهيم أبو ملحة، وقد عرضا علي في حينها فكرة تأسيس كيان ثقافي يؤطر ويشجع النشاطات الثقافية في إمارة دبي، وتلت تلك الزيارة العديد من اللقاءات مع أخوة مهتمين بالشأن الثقافي والأدبي، ونتج عن ذلك تأسيس ( ندوة الثقافة والعلوم ) بمباركة كريمة ودعم سخي من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله ، هذه المؤسسة التي شملها سموه برعايته الكريمة طيلة ما يقرب من ربع قرن كرّم خلاله أجيالا متعاقبة من المميزين علميا في مختلف المراحل والتخصصات الدراسية والأكاديمية، ورعى نشاطات الندوة التي اشتملت على المواسم الثقافية والجوائز العلمية والبحثية وسلاسل الكتب والمطبوعات ودورات النادي العلمي وغيرها من الأنشطة الثقافية المميزة والمتقدمة.

ولد الشاعر محمد بن حاضر في مدينة دبي، وبعد إكمال دراسته التحق بالسلك الدبلوماسي الإماراتي بعد بزوغ فجر الثاني من ديسمبر عام ١٩٧١ ذلك اليوم المجيد الذي شهد ولادة دولتنا الحبيبة، حيث عمل في سفارة الإمارات بلبنان متابعا نشطا لدراسة الفوج الأول من طلابنا في الجامعات اللبنانية.

انتقل بعد ذلك قنصل للامارات وراعيا لمصالحها في كراتشي العاصمة الاقتصادية لجمهورية باكستان الإسلامية، ورجع بعدها إلى وطنه ليعمل في القطاع الخاص طيلة عقود زمنية ثلاثة .

إذا كانت المروءة كما يقول المقري: ( آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات) فإن أبا خالد كان صاحب مروءات من الطراز الأول، ولقد عاصرت وشاهدت العديد من نماذج المروءة الساطعة خلال صداقتنا المديدة.

يأتي الكرم على رأس تلك المروءات، فقد كان السخاء فيه سجية وطبيعة بغير تكلف أو من أو استعراض.

وكانت المروءة الثانية التي تميز بها هي حبه لمد يد العون والمساعدة للآخرين في وقت الضيق والحاجة، فكم من طالب عمل وخريج شاب من أبناء الإمارات لم يجد مكانا مناسبا للعمل وضاقت أمامه السبل فقام أبو خالد بتقديمه للعديد من الوزارات والدوائر والشركات الخاصة حتى أوصله إلى المكان المناسب الذي حقق له الاستقرار الوظيفي.

وكم من أسرة محتاجة ساءت ظروفها المعيشية فسعى أبو خالد لدى المسؤولين للحصول لها على مسكن ملائم أو إعانة اجتماعية أو مساعدة مالية كفتها شر العوز والحاجة. وكم من مريض تعسرت مسألة علاجه بسبب مشكلات بيروقراطية وإدارية فتحرك أبو خالد و أخذ حالته المرضية إلى أصحاب الشأن فتسهل علاجه داخل الإمارات أو أرسل لاستكمال علاجه في خارجها.

إذا تحدثنا عن مساهمات أبي خالد العامة فنجد أنها بدأت بحماسته الوطنية واهتمامه بالشأن الوطني العام وانشغاله بالهموم الوطنية التي تمحورت حول التوطين وخلل التركيبة السكانية والهوية الوطنية ونوعية التعليم والإسكان الشعبي وغيرها من القضايا الوطنية الملحة والهامة، وقد تحمس لتلك القضايا فكتب عنها شعرا ونثرا وتفاعل معها أثناء عضويته في المجلس الوطني الاتحادي حيث كان من الأعضاء النشطين والمهتمين بالنقاش والحوار الوطني.

كما أنه عاش بكل كيانه مع آمال وآلام أمته العربية وساهم في جمع التبرعات لقضاياها القومية في فلسطين ولبنان، وأخرجت قريحته الشعرية قصائد رائعة فرحت بانتصارات الأمة العربية وحزنت لانكساراتها وتعاطفت مع مقاومتها.

كان الشاعر محمد بن حاضر محبا للأدب والثقافة، يصادق كبار الأدباء والشعراء والمفكرين، ويشجع المواهب الشابة والواعدة، وكان متحمسا للشعر العربي الكلاسيكي، يتذوق درره ويحفظ غرره، وينظم على نمطه التقليدي قصائد جميلة سجل بها وطنياته واجتماعياته ووجدانياته وغزلياته ومديحه ورثاءه. وبالإضافة إلى ذلك كان عاشقا لتراثه الشعري الشعبي فنظم العديد من القصائد النبطية في نفثات وجدانية، ورومانسيات عاطفية، وأناشيد وطنية، ومدائح لمآثر وإنجازات قادة وطننا الحبيب. وكان متواضعا في تقدير مساهماته الشعرية وفي كل مرة أطلب منه أن يخرج ديوانا لأشعاره الفصيحة والنبطية يعد بذلك ولا ينفذ وعده.

يا أبا خالد، أيها الفارس النبيل لقد ترجلت مبكرا ورحلت فجأة وتركت في قلوب أخوتك ومحبيك حسرة من الصعب أن تزول، ولكني أتأسى بقول حبيبك المتنبي في نهاية قصيدته التي كانت محور حديثنا الأخير ( ذكر الفتى عمره الثاني ) وسأبقى أنا وباقي محبيك نذكرك بكل الود والمحبة والإخلاص، ولن تغيب عنا ابتسامتك العذبة سجاياك الفاضلة وأخلاقك العالية ومروءاتك الكريمة.

علي عبيد: بن حاضر.. الشاعر والإنسان الذي فقدناه

كتب الزميل علي عبيد رئيس قسم الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام مقالة تحت عنوان (محمد خليفة بن حاضر، الشاعر والانسان الذي فقدناه)، قال فيها:(غيب الموت الأخ والشاعر والأديب والإنسان محمد خليفة بن حاضر. وبوفاته تكون الساحة الأدبية والثقافية في الإمارات خسرت واحدا من أبرز مبدعيها في مجالات كثيرة. ففي مجال الشعر أثرى الراحل العزيز الحياة الأدبية بأجود الشعر الفصيح والنبطي، وهي مزيّة لم تتوفر إلا للقليل من شعراء الإمارات، كان أبو خالد واحدا من أبرزهم. وقد تميز شعره بتنوع الأغراض والأشكال، ففي مجال الشعر الفصيح نظم الراحل الشعر التقليدي العمودي فأبدع فيه، وكان يحفظ من قديمه وجديده الكثير، وقد ظهر تأثره بكبار شعراء العربية من الجاهليين وشعراء صدر الدولة الإسلامية والقمم من شعراء عصرنا هذا، وكان شغفه بإمبراطور الشعراء أبي الطيب المتنبي كبيرا، وظهر هذا الشغف في شعره جليا. كما أبدع الراحل العزيز في مجال شعر التفعيلة فكانت له قصائد رائعة تأخذ بشغاف القلوب. لم يترك الشاعر والأديب الراحل مناسبة وطنية أو قومية أو إنسانية إلا ونظم فيها، فقد كان متفاعلا مع قضايا وطنه وأمتيه العربية والإسلامية والقضايا الإنسانية الكبرى في كل أرجاء المعمورة، كما كان رقيقا مرهف الحس إذا طرق الجانب الوجداني من النفس البشرية ملامسا أجمل ما فيها، فسرى شعره في الشعور سريان النسيم بين أوراق الشجر. كانت اللغة العربية تحتل جانبا كبيرا من اهتمامات فقيدنا الكبير، فكتب في الذود عنها مقالات كثيرة، كما كان الشأن الوطني شاغله الأكبر، فأسهم في قضايا الوطن بقلمه الرشيق، وكانت له مقالات كثيرة تناولت هذا الشأن من جوانبه المختلفة.

كان تواصله الإنساني مع أصدقائه أبرز ما فيه، فما أن يكتب قصيدة جديدة أو مقالا حتى يهاتف أصدقاءه ليقرأ عليهم ما كتب، ويعرف رأيهم فيه. وكنت واحدا من الذين حظوا باتصالات أبي خالد التي لا تنقطع عن أصدقائه إلا لعذر قاهر. ولا يمكن أن نذكر أبا خالد رحمه الله دون أن نستذكر إسهاماته العديدة في العمل الثقافي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وكان أكبر هذه الإسهامات المشاركة في تأسيس ندوة الثقافة والعلوم مع ثلة من أدباء ومثقفي الدولة، وعضوية مجلس إدارتها سنوات عديدة، إذ لولا الجهود الكبيرة التي بذلها المؤسسون الأوائل لما رأينا هذا الصرح الثقافي يقف اليوم شامخا في دبي.

رحم الله أبا خالد رحمة واسعة، وألهم أهله وذويه وأصدقاءه ومحبيه الصبر والسلوان، «إنا لله وإنا إليه راجعون». د. شهاب غانم: حدثني عن إصدار ديوان

الدكتور شهاب غانم كانت صدمته شديدة حينما سمع نبأ رحيل الشاعر محمد بن حاضر، فقد كان بقربه قبل ايام من رحيله، وكانت هناك احلام وامنيات ومشاريع في الطريق.. وفي اتصال (البيان) قال غانم: انه صديق حميم في صداقة دامت نحو 30 عاما، فقده فاجعة بالنسبة لي وبالنسبة للساحة الثقافية في الامارات.

التقيت به قبل أيام معدودة في باريس وكان بأتم صحة وعافية، خبر وفاته بمثابة الفاجعة، فهو صديق منذ 30 عاماً. وهو من المبدعين الموهوبين في الشعر وإن كان مقلاً في النشر، ووعدني في لقائنا الأخير أن يفكر جدياً في نشر ديوان يضم أعماله، أما على الصعيد الشخصي فهو طيب الخلق كريم ودمث، ومحب للأدب والثقافة. بن مسعود: شاعر تمسك بقوميتهكثيرون الذين تحدثوا إلى الشاعر الراحل بن حاضر قبل ساعات من وفاته في فرنسا، ومن بينهم الشاعر محمد بن مسعود الذي غالبه الحزن وهو يتحدث إلينا عن صفات الراحل، وقال بن مسعود: كان أكثر من أخ وصديق، وآخر حوار لنا كان قبل وفاته بثماني ساعات، وهو من الشعراء المتميزين سواء في الشعر النبطي أو الفصيح، إضافة لكونه شاعرا قوميا يعتز بعروبته. وعلى الصعيد الشخصي كان إنساناً بكل معنى الكلمة، يفكر بالآخرين ومساعدتهم قبل التفكير بنفسه ولم يكن يتردد في طرق الأبواب لمساعدة أي محتاج.

عبد الحميد أحمد:

جمع أعمال الشاعر

أعرب الكاتب عبد الحميد أحمد عن صدمته بوفاة الشاعر الراحل محمد بن حاضر ودعا إلى جمع أعماله الشعرية منها والنثرية ووضعها في كتاب حتى تكون هذه الثروة الأدبية متاحة للأجيال المتعاقبة وقال: ان الشاعر الراحل محمد بن حاضر كان شاعرا مقلا، إلا أنه شاعر مجيد يكتب القصيدة الفصحى والنبطية وكانت اسهاماته محط إعجاب الجميع في الساحة الثقافية في الإمارات ومنطقة الخليج العربي. كما كان له اسهاماته المهمة في الشأن العام والتي تركت بصمات واضحة في المشهد الثقافي، والأهم من ذلك أنه رغم انشغالاته الكثيرة، الا أنه يعتبر واحدا من الأدباء المثقفين الذين اشتغلوا على أنفسهم بالقراءة في حقول المعرفة عموما والثقافة والتراث الادبي خصوصا. واضاف عبدالحميد: صحيح أن الراحل كان في غالب الأوقات منعزلا عن مسار الحياة الثقافية، لكنه كان حاضرا بقوة من خلال نتاجاته الأدبية في الحركة الثقافية في الإمارات.

سالم الزمر:

فقدنا رمــــزاً ثقافياً

عبر الشاعر سالم الزمر، عن بالغ حزنه وتأثره بفقدان شاعر في قامة محمد بن حاضر، وغالب الزمر حزنه في مكالمة هاتفية، وقال: إن ابن حاضر من رموز الشعر العربي الفصيح في الإمارات وفي الوطن العربي، وممن يؤرخ لهم في مسيرة الشعر، خاصة مع انحسار الشعر المتمسك بأصول القصيدة العربية القديمة. وعلى الرغم من كونه مقلاً جداً في شعره، إلا أن تمكنه وموهبته ونبرة شعره المتميزة، جعلاه من كوكبة الشعراء المتميزين الذين ندر ظهورهم في الإعلام. بلال البدور: خسرنا أحد رموز ثقافتنا

بلال البدور الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع قال إن علاقة المرحوم محمد بن حاضر، رحمه الله، بالثقافة والأدب تجعل كل أصحاب الذهن الصافي ينقادون إليه وإلى تجربته الابداعية،

فمجلسه مجلس ثقافة وفكر، وهو رجل أعمال ولكن حديثه عادة ما كان الشعر وعن ما قاله المتنبي في هذا الموقف أو ذاك. أما حافظته للشعر العربي الرصين، فقد كانت تسعفه دائما إذا ما أراد الاستشهاد بها، مما جعل أصحاب الكلمة من شعراء وأدباء وكتاب ونقاد قريبين إلى قلبه وهو قريب إلى قلوبهم.

واضاف البدور: ان خسارة قامة أدبية بوزن المرحوم محمد بن حاضر خسارة كبيرة لأي مجتمع عربي، فما بالنا عندما يتعلق الأمر بمجتمع الإمارات الذي يشكو ندرة في الأدب النقي والشعر الحميمي النابض بالعروبة والقومية والوطنية. سيف السعدي: رجل كريم ونتاجه كنز

عبر الشاعر سيف السعدي، عن شديد حزنه لرحيل صديقه الشاعر ابن حاضر، وبنبرة حزينة كان يقاومها، قال السعدي: «الله يرحمه ويغمد روحه الجنة»، أجريت آخر اتصال به يوم وفاته، وهو في باريس مع عائلته، حيث أخبرني بأنه سيجري في صباح اليوم التالي عملية (المرارة).

وأضاف السعدي: ابن حاضر إنسان بكل معنى الكلمة، لم يكن ينتظر أن يُسأل، وإن سمع بأسرة متعففة سواء في دبي أو خارجها بادر بإعلام ولي الأمر في البلاد، فقد كانت له، رحمة الله عليه، إسهامات كبيرة في المجالات الخيرية، وكان يعمل في صمت، يساعد الناس ويقضي حوائجهم، فهو رجل كريم. أما كونه شاعراً، فهو باق معنا بأشعاره وإبداعه، فقد خدم القصيدة العربية الفصيحة وتمسك بها.

واشتهرت منها إغانٍ عدة غناها مطربون مشهورون.. لقد كان قامة شعرية في سماء الأدب الإماراتي.. رحل عنا بجسده لكن أشعاره ستبقى خالدة. خالد الظنحاني: خدم شعر الفصحى

الشاعر خالد الظنحاني وصف الشاعر الراحل محمد بن حاضر بأنه شاعر جميل لا سيما في كتابة الشعر العمودي، حيث قام في هذا الاطار بتطوير الكلمة الفصيحة، فضلًا عنه كان يمتلك قلماً جميلًا في كتابة المقالات، والكثيرون يحرصون على قراءة هذه المقالات لما فيها من معرفة وفائدة وعمق ثقافي وإطلاع كبير على التراث العربي بشكل عام. وأضاف الظنحاني: جرى بيني وبين الشاعر الراحل حديث منذ أيام حول مقالة لي نشرت في صحيفة البيان تحت عنوان الأديب والمجلس الوطني الاتحادي، وقال لي إن هذا المقال يشكل دعوة للمجلس الوطني إلى الاهتمام بالأدب والأدباء من خلال تعيين أديب في المجلس نفسه، فقال لي إنه كان عضوا فيه وقدم الكثير من المقترحات حول دعم الثقافة والأدب، وإنه ساهم في تأسيس الكثير من المؤسسات الثقافية في الدولة

ومضات في حياة الراحل

٪ .

٪ () .

٪ .

٪ .

٪ . .

٪ .

٪ والمشاريع.