استأنفت مكتبة ومجلس جمال بن حويرب فعالياتها الفكرية والثقافية مساء أول من أمس بندوة استضافت فيها الشاعر الأديب إبراهيم بو ملحة المستشار الثقافي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تحدث فيها تحت عنوان(تاريخ القضاء وتطوره في دبي) عن أهم مرتكزات الاستقرار الاجتماعي في الإمارة متمثلا في القضاء بشقيه الشرعي والمدني، وقدم للندوة الشاعر جمال بن حويرب وذلك بحضور عدد من الشخصيات الثقافية والرسمية من بينهم الأديب عبد الغفار حسين وبلال البدور الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع والزميل علي عبيد رئيس مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام وسعيد النابودة، الرئيس التنفيذي للمشاريع في هيئة دبي للثقافة والفنون ود. صلاح القاسم، مستشار «هيئة دبي للثقافة والفنون» والمهندس فيصل القرق والدكتور شهاب غانم ونبيل قرقاش.
بداية، تحدث بن حويرب عن استئناف فعاليات المكتبة والمجلس ضمن برنامج حافل يشمل لقاءات مع أدباء وشعراء ومؤرخين ومثقفين وإعلاميين ومسؤولين مؤكداً على أن مشروع المكتبة قام بجهود هؤلاء جميعا بحيث أصبحت مكانا يسترجعون فيه تاريخ إمارة دبي بشتى عناصره من تعليم وصحافة واقتصاد وثقافة وإدارة وذلك بغية خلق قاعدة معرفية منهجية قادرة على رفد المكتبة الوطنية بمعارف وخبرات لا غنى عنها ساعة الحديث عن تمكين الأجيال الجديدة من الاطلاع على تاريخ بلدهم والبناء عليه، كما نوه بن حويرب إلى أن هذه المحاكم الراقية التي نشاهدها في يومنا هذا في مدينة دبي لها قصة تحكى، قصة تؤرخ لولادة ونشوء هذا العنصر الحيوي في حياة الناس وتروي كيف كانت تفض النزاعات بينهم.
كنز معرفي
كما نوه الشاعر إلى أن اختيار بو ملحة للحديث عن هذا الموضوع لم يأت من فراغ، ذلك أنه لا يعتبر أحد الأشخاص الذين عاصروا تطور الإمارة فحسب، بل إنه مارس القضاء وأمضى عمره وهو يتلمس للناس طريق العدل فيه مشكلا إضافة نوعية في ميدان الدراسة والبحث في تاريخ البلاد مستمدا معلوماته وخبرته من الآباء والقضاة القدامى، الأمر الذي يجعل منه كنزا معرفيا حقيقيا، على حد تعبير بن حويرب.
الورقة التي قدمها المستشار في الندوة تناقش في عناوينها الفرعية(القضاء الشرعي قديما)، (السالفة)، (الوكلاء)، (القضاء المدني) و(قانون تشكيل المحاكم)، بينما شملت كافة أنواع القضاء التي شهدتها دبي على مر العصور والتي تتناغم مع مكونات مجتمع دبي من ناحية التنوع السكاني والاقتصادي والمهن التي راح الناس يمتهنونها منذ فترة ما قبل النهضة العمرانية والتجارية التي يتمتع بها سكان دبي في يومنا هذا، أي أن القضاء في دبي راح يتطور وفقا لواقع الناس واهتماماتهم المتنوعة، حيث كانت السيادة أولا للبحر والمهن المنبثقة عنه وفي مقدمتها مهنة الغوص، ولذلك فإنه ليس من المستغرب أن تخلو ساحة القضاء في دبي في الوقت الحالي وبعد انتقال الناس للعمل في مهن أخرى من الكثير من مفردات ذلك الزمن مثل (السالفة) وهو الشخص الذي كان يحل النزاعات بين البحارة أو عبارة (المشكي) التي تنحدر من كلمة شكوى.
وقد تتبع بو ملحة في ورقته الملامح الرئيسية لتاريخ القضاء في دبي من خلال رصد تفصيلي للقضاة الذين تولوا هذه المهمة الحساسة وكانوا يتحدرون من جنسيات عربية عدة، فكان منهم الفلسطينيون والسودانيون والمصريون والموريتانيون إلى جانب المواطنين طبعا، وأوضح أن البحث في هذا الميدان لا (يسعف في تحديد القضاة الذين تولوا القضاء في إمارة دبي من تاريخ نشأة حكم آل مكتوم فيها عام 1833 ولا الشكل الذي كان متبعا في تنظيم هذا المرفق)، وأضاف (لم أجد من يمكن أن يذكر لي شيئا عن بعض ذلك، وإنما كل ما وقفت عليه هو أن أول قاض ذكر لي هو الشيخ خميس من دبي) دون أي ذكر لحسبه ونسبه مع التأكيد على انه سافر إلى الإحساء طلبا للعلوم الشرعية وأنه تولى القضاء في عهد الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي الذي تولى الحكم من عام 1894 إلى عام 1906.
تنوع القضاء
فيما يتعلق بتنوع أحكام القضاء في دبي أو بتنوع المحاكم، فذلك راجع، كما أكد بو ملحة، إلى التنوع السكاني والاقتصادي، حيث كان يعيش في دبي في القرن التاسع عشر العديد من الجنسيات الوافدة على البلد مثل الهنود والإنجليز إلى جانب سكان دبي الأصليين، الأمر الذي استوجب وجود عدة أنواع من المحاكم التي تتعامل مع القضايا المرفوعة لها على أساس جنسية المعنيين بهذه الدعاوى حتى إن بعض هذه المحاكم كانت تحيل بعض القضايا إلى البلدان الأصلية للوافدين مثل بريطانيا.
وأكد بو ملحة أن القضاء في ذلك الوقت عرف العديد من الأنظمة قبل أن يستقيم على وضعه المدني الحالي، على غرار نظام الوكلاء الذين كان(ينيبهم الخصوم للحضور عنهم فيما يشبه اليوم المحامي)، ومن أوائل الوكلاء الذين عملوا بهذه المهنة سالم بن خميس النيار وخليفة بحلوق وخليفة بن ماجد بن ثاني والسيد هاشم وخميس بن محمد بن حمودة وصالح أحمد الخطيبي ومحمد بن حميد بن دلموك، وقد تلا ظهور الوكلاء في ساحة القضاء المحامون وذلك في نهاية الستينات وكانوا من حملة الشهادات القانونية.
القضاء المدني
أما القضاء المدني، فلقد تأسس على يد عدي البيطار القادم من فلسطين الذي عمل قاضيا مدنيا وذلك قبل أن تتسع هذه الدائرة وينضم إليها العديد من القضاة الآخرين مثل موسى الجيوسي وغالب البسطامي وتيسير النابلسي ووليد طوقان وإبراهيم قباني وكاظم أبو غزالة، في حين صدر قانون تشكيل المحاكم عام 1970 وبموجبه تم تقسيم محاكم دبي إلى المحكمة الشرعية والمحكمة المدنية وهذه قسمت إلى محكمة ابتدائية ومحكمة استئناف وعرف القاضي الذي يعمل بالمحكمة الشرعية بالقاضي الشرعي والذي يعمل في المحكمة المدنية بالقاضي المدني.
في نهاية ورقته، أوضح المستشار أن تناول القوانين الصادرة في دبي والمطبقة فيها منذ نهاية السبعينات، وهي الفترة التي تتوقف عندها الورقة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث قبل أن تضيع ويطويها النسيان.
كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة اعتمدت على العديد من المصادر والمراجع من بينها الشيخ أحمد حمد الشيباني والشيخ محمد بن يوسف الشيباني والشيخ محمد بن حسن الخزرجي والمحامي محمد سعيد النيار وهو أهم مصدر للمعلومات والمحامي سمير جعفر.
مداخلات
أجمع المشاركون في الندوة على ضرورة بذل مزيد من الجهود البحثية في ميدان القضاء في دبي، حيث أجرى الأديب عبد الغفار حسين بعض الاضافات على ورقة المستشار، وأكد أن بعضا من الأسماء التي وردت في الورقة لم يتول أصحابها القضاء مثل الشيخ عبدالرحمن بن حافظ وعلي الجناحي والشيخ مبارك والشامسي، بل كانوا بمثابة مستشارين، كما أوضح حسين أن الدراسة لم تأت على ذكر غرفة التجارة والصناعة في دبي التي كانت تفصل بين التجار، والتي أسست سنة 1940.
«السالفة»
بجانب القضاء العادي كان هناك نظام قضايا البحر حيث يحكم فيها خبراء مختصون في هذا المجال يطلق على الواحد منهم(السالفة)، فإذا حدث خلاف فيما يتعلق بمسائل البحر من سفر وصيد وغوص وتصادم سفن وخلافات بين البحارة وبينهم وبين النواخذ وملاك السفن والغاصة والسيوب والطواويش وغيرهم، كان السالفة يختص بالحكم فيها دون القاضي وذلك لأن للبحر أحكامه الخاصة به التي يعرفها خبراؤه والسالفة، ومن أهم من تولى هذه المهنة حميد بن سعيد البسطي وجمعة بن عبدالله الأملح.
إضاءة
المجلس في سطور
أول مكتبة أهلية متخصصة في تاريخ الإمارات عامة وتاريخ إمارة دبي خاصة حيث يوجد فيها كثير من المراجع والوثائق التي تهم الباحثين عن تاريخ الإمارات، ويجتمع فيها بشكل دوري نخبة من المؤرخين والمثقفين لكتابة تاريخ دبي حاليا والبحث عن ماضيها الجميل ومحاولة جمع كل ما يمكن الوصول إليه من معلومات عنها وقد اجمعوا على العمل الجماعي في هذا المجال حتى يخرج عملا متميزا من كل الجوانب. تم افتتاحها من قبل سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون ، مساء الاثنين 6 سبتمبر 2010.
ملمح
قضاة تمتعوا باحترام الناس
بينت الورقة أن القضاة في تلك الأيام كانوا يقضون بين الناس إما في بيوتهم أو في المساجد أو حتى في الدكاكين وكذلك في المدرسة الأحمدية، التي تم تقسيمها إلى قسمين في مرحلة منها قسم للتعليم وآخر للقضاة وذلك قبل أن يخصص مبنى خاص بالمحكمة عام 1958 في مبنى نايف، فضلا عن القضايا كانت في البداية تحول إلى القضاة من الحاكم الذي كان ينظر فيها أولا، ومن بين هؤلاء القضاة، الذين كانوا يتمتعون إلى جانب العلوم الشرعية باحترام الناس الذين كانوا يعتبرون أحكامهم قاطعة واجبة التنفيذ، ومن بين أولئك القضاة الذين أسسوا لمسيرة لا تزال تمتد وتتطور حتى يومنا هذا يبرز الشيخ حشر بن مكتوم ونجله الشيخ محمد بن حشر والشيخ حسن الخزرجي والشيخ محمد عبد السلام المغربي والشيخ أحمد بن حسن والشيخ محمد الشنقيطي ومحمد عبد الخالق ومحمد الدجاني ومحمد جعفر السقاف.
من الحكم بين الناس
في البيوت والدكاكين إلى أرقى المحاكم في العالم
مسيرة شقت طريقها بالتناغم مع واقع السكان ومشاغلهم
القضاء في دبي تطور وفقاً لواقع الناس واهتماماتهم
محاكم دبي انقسمت
في عام 1970 إلى المحكمة الشرعية والمحكمة المدنية
«السالفة» نظام كانت تفض من خلاله الخلافات بين أهل البحر




