أصل الحكاية

الحق المحفوظ

قريتي المتواضعة جنتي التي ترعرعت فيها، ولكنها في نفس الوقت جحيمي الذي حكم علي بالفقر مدى حياتي أعيش أنا وأمي وأختي الصغيرة، وإن رغبتم في معرفة مكان أبي فهو في الجنة، قد أثابه الله تعالى بجعله شهيداً نفتخر به، ولكنه ترك لنا فراغاً كبيراً بعد رحيله، فقد أصبحت رب الأسرة وأنا لم أتجاوز عشر سنوات من عمري، حاولت التأقلم مع غياب أبي وفعل أي شيءٍ لجلب لقمة العيش لعائلتي ولكن لم يقبل أحد بتوظيفي أبداً ولكنني حاولت أن أساعد عمال المصنع بأكثر الجهود التي أستطيعها حتى تحن قلوبهم ويضيفوني ضمن قائمة العمال الدائمين، وبالفعل ثابرت وعملت صبحاً وعصراً حتى أؤمن مصاريف يومي والحمد لله على كل حال.

في طريق عودتي للمنزل دائماً ما كنت أصادف بعض الشباب الذين تتراوح أعمارهم من سبعة عشر عاماً وحتى الثلاثين، كانت أشكالهم مريبة ونظراتهم غريبة، فبمجرد مروري حولهم أشعر بأنهم يخترقون عقلي ليروا ما بداخله من شدة تحديقهم، ولكن سرعان ما أبتعد عنهم، وفي يومٍ من الأيام ناداني زعيمهم الذي يسمى بالكبير، لرجاحة عقله حسب ما سمعت ولكني أشك في ذلك، فكيف لأحدٍ أن يكون ذا فكرٍ راجح وكلما مر صبي من أمامه جعلهم يتنمرون عليه.

تسارعت خطواتي خوفاً منه ولكن سرعان ما ناداني مرةً أخرى لأعود طواعية كي لا يلحق بي الأذى، قال سأعطيك هديةً ستجلب لك السعادة والمال والرزق من حيث لا تعلم وستجعلك ثرياً مشهوراً، أغرتني تلك الكلمات وأغرتني الحياة الدنيا فحديثه جعلني أشعر بأنني سأملك الدنيا بما فيها، أعطاني هديته وقال لي إن هذا عقار السعادة، فَرشة واحدة ستدخل كومةً من البهجة لقلبك، فأخذته من دون تفكير، وعدت للبيت مهرولاً تملأني السعادة ويكسوني السرور، فكرت قليلاً، لا بد من أن أمي قد أنهت تحضير الغداء وكم أود أن أعطيها جرعةً من السعادة هي وأختي، فذهبت وفرغت العبوة كاملة في صحن الغداء. أكلنا معاً وذهب كل فردٍ منا ليأخذ قسطاً من الراحة بعد يوم العمل الشاق وحتى أستعد أنا أيضاً للعمل المسائي، ولكن بمجرد أن أغلقنا أعيننا شعرنا بأن غفوتنا لم تكن مجرد غفوةٍ عادية، كان الموت الذي أزهق أرواحنا نحن الثلاثة، لم أدرك أنني قتلت نفسي وأسرتي تحت مفهوم السعادة والغنى، لم يدرك صاحبنا الكبير الذي كان يود جعلي مدمناً مثله ومن ثم يستفيد مني في أعماله الشيطانية أنه سيتسبب بقتلي وبقتل روحين بريئتين أيضاً، نعم ظُلمت ولم أستطع إرجاع حق الحياة الذي سُلب مني ولكني متأكد من أن حقي محفوظٌ عند رب العالمين، وسيتعلم الناس من بعدي أن يتحققوا جيداً قبل فعل أي شيء فأنا ضحية لم أرغب في أن تضييع حياتي وطفولتي هباء منثوراً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات