في الحلقة 20 من الوثائقي الدرامي «قصتي»

«رحيل راشد» استذكار اللحظات الصعبة في وداع «والد دبي»

أضاءت الحلقة 20 من البرنامج الوثائقي الدرامي «قصتي»، المستوحى من كتاب «قصتي.. 50 قصة في خمسين عاماً» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والذي أنتجه المكتب التنفيذي لسموه، ويعرض على شاشات تلفزيون دبي ومنصاته المتعددة، على قصة «رحيل راشد» الواردة تحت الرقم 43 في الكتاب، ويعبر فيها سموه عن ألم الفقد وذكرى رحيل «والد دبي» المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله؛ حيث يستشهد سموه بأبيات الشاعر الكبير أحمد شوقي، حيث يقول:

«سألوني لمَ لم أرثِ أبي؟

ورثاء الأبِ ديــــن أي ديــــن

أيها اللوام ما أظلمكم

أين لي العقل الذي يسعف أين»

إنها أبيات شعرية يختارها سموه ليصف الحزن الذي خلفه رحيل رجل كان أكبر من أن تصفه القصائد، فيما يستهل سموه القصة بالقول البليغ الشفاف: «من أصعب اللحظات أن تستذكر وداع من تُحب، وداع من كان سبباً في وجودك، سبباً في حياتك، سبباً في نجاحك، سبباً في وجود وطنك الذي تنعم فيه الخير». وأوضح سموه: «إن بصمته التي تركها في كل حجر وزاوية في دبي التي أشرف على بنائها بنفسه ستبقى في ذاكرة بلده وشعبه للأبد».

إنها عبارات مؤثرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مستحضراً ذكرى رحيل والده «المغفور له» الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، حاكم دبي منذ العام 1958 ولغاية 1990 ونائب رئيس الدولة منذ قيام الاتحاد عام 1971 وحتى وفاته عام 1990.

«باني دبي»

قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «آخر مناسبة ظهر فيها الشيخ راشد بصورة علنية كان في حفل الاستقبال الذي أقامه على شرف ضيفته رئيسة وزراء الهند آنذاك انديرا غاندي، كان ذلك في شهر مايو من عام 1981».

وأوضح سموه: «بدت عليه بعد ذلك علامات التعب والإرهاق، والشيخ راشد لمن يعرفه كان قوي البنية، حاضر الذهن لا يغلبه التعب، ولا يستسلم للإرهاق، كانت حياته عملاً ونشاطاً وحركة دائمة، يفاوض ويناقش ويتابع، كان رجل سياسة واقتصاد ومال وأعمال، رجل حكمة، ومهندس بناء، كان كثير الاستماع، قليل الكلام، عظيم التواضع حتى لا يكاد يعرفه الغريب أنه الحاكم».

وذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «زاد إرهاق الشيخ راشد في مايو 1981، وبدا التعب واضحاً عليه، اقترحنا عليه الانتقال لاستراحته في منطقة حتا الجبلية لتجديد نشاطه، استحسن الفكرة، لكن بعد فترة بسيطة لم يرق له المقام هناك بعيداً عن ضوضاء دبي وحركتها الدائمة، حركتها التي صنعها بنفسه عبر مشاريعه التي لا تتوقف، فعاد إلى دبي.

وفي طريق العودة تدهورت حالته الصحية فجأة فنقلناه إلى قصره بزعبيل». وأضاف سموه: «انتشر خبر مرض الشيخ راشد بسرعة بين المواطنين فكثرت الاتصالات المشفقة والمحبة، وزاد قلق الناس على والد دبي الحديثة ومهندسها، والرجل الذي أسس مع زايد الدولة التي ينعم فيها الناس بالخير والرخاء بعد التعب والشقاء. وما هي إلا أيام حتى استعاد الشيخ راشد صحته وبدأ بتلقي المكالمات من أخيه الشيخ زايد والحكام الراغبين في الاطمئنان على صحته».

فقيد الوطن

قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «اقترحنا على الشيخ راشد الذهاب إلى لندن لإجراء الفحوصات وتلقي العلاج، وفي 20 يونيو 1981 وصل إلى لندن وبعد ساعات من وصوله، زارته رئيسة الوزراء وقتها «مارغريت تاتشر» التي اطمأنت على حالته الصحية، وكان الملكة إليزابيث اتصلت بنا أكثر من مرة قبل ذلك للاطمئنان على صحته أيضاً». وأوضح سموه: «تماثل الشيخ راشد للشفاء بسرعة مما أثار دهشة الأطباء وكان متحفزاً للعودة إلى دبي متطلعاً إلى المزيد من العطاء وللمزيد من العمل».

وتابع سموه: «على الرغم من تحسن صحة والدي، إلا أن رحيل والدتي في العام 1983 أثر عليه بشدة، وكان الحزن رفيقه بعدها، حزن دائم في عينيه لا يعرفه إلا من كان يعرف طبيعة العلاقة التي كانت تجمعهما عبر أكثر من أربعين عاماً، كانت وفاة الشيخة لطيفة السبب الأبرز في تراجع صحته بعد ذلك».

ومن بعدها استحضر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أيام الشيخ راشد الأخيرة: «في العام 1990 أتم الثامنة والسبعين من العمر ورغم مظاهر الوهن التي بدت عليه، إلا أنه كان حاضر الذهن قوي الفكر، تغلب على كلامه الحكمة، وعلى نظراته عمق الفكرة. وكان أكثر ما يسعده في أيامه الأخيرة الجلوس في إحدى شرفات قصر زعبيل، ليطل منها على دبي، يرى مدينته الناهضة التي بناها بعرقه، وهندسها بفكره، وضحى من أجلها بأيامه ولياليه».

وتابع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حديثه المؤثر: «في العاشر من مساء الأحد السابع من أكتوبر 1990 أسلم راشد الروح لباريها، ورحل عن الدنيا بهدوء وسلام، تصدعت برحيله الكثير من القلوب وسالت الكثير من الدموع، لم يصدق الكثيرون أن راشد الذي كان أباً لهم أكثر من ثلاثة عقود قد رحل وأصعب رحيل هو رحيل الوالد».

وأضاف سموه: «صباح يوم الاثنين انطلقت جنازة فقيد الوطن الشيخ راشد، طيب الله ثراه، كان أخي الشيخ حمدان يقود المركبة التي حملت الجثمان، فيما كان الوالد الشيخ زايد في المركبة الثانية بين أسطول من السيارات المحملة بقلوب يعتصرها الألم. حين وصلنا المقبرة، حملت أنا وأخي الشيخ حمدان جثمانه الطاهر لنسجيه في مثواه الأخير، وسط الآلاف من أبناء دبي وأبناء الإمارات».

واستذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد صوراً من مشاهد رحيل فقيد الوطن «رأيت الكثيرين ممن بكوا راشد، أوروبيين وآسيويين وأفارقة وأمريكيين ممن جاءوا إلى دبي فانتموا إليها، وأصبحوا جزءاً منها وانضموا إلى تجربة راشد الإنسانية العظيمة التي صهرت جميع من في دبي دون تمييز» وقال سموه: «في نيويورك وقفت الجمعية العامة للأمم المتحدة دقيقة صمت حداداً على راشد وتناقلت وكالات الأنباء خبر وفاته بكثير من الإشادة بتجربته في بناء معجزة تنموية في دبي».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات