عن واحد من الأحداث المؤثرة التي لم يخفت بريقها رغم مرور الزمن، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «من الذكريات التي لا أنساها أبداً وقت طفولتي، ذكرياتي عن وفاة أطيب رجل عرفته في حياتي، جدي الشيخ سعيد بن مكتوم، رحمه الله».
ولتلك الذكرى خصص سموه قصة «أطيب رجل عرفته في حياتي» ضمن كتاب سموه «قصتي.. 50 قصة في خمسين عاماً»، والتي شكلت مضمون الحلقة الـ 13 من البرنامج الوثائقي الدرامي «قصتي»، المستلهم من كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والذي تولى إنتاجه المكتب التنفيذي لسموه، إذ يعرض البرنامج على شاشات تلفزيون دبي ومنصاته المتعددة.
وفسر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في هذه القصة، للقُراء، أن المرحوم الشيخ سعيد بن مكتوم، زرع البذور الأولى لدبي الأيقونة، إذ قال سموه: «لعلي لا أبالغ في القول إن التنوع الثقافي والإنساني الذي نحظى به اليوم، إنما زرع بذوره الأولى الشيخ سعيد. كان الانفتاح على الجميع والتسامح مع الجميع والفرص مفتوحة أمام الجميع».
رحلة لم تنتهِ
تعد «أطيب رجل عرفته» القصة العاشرة في كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم «قصتي.. 50 قصة في خمسين عاماً»، وأضاء عليها البرنامج بشكل وافٍ، مستعرضاً قول سموه: «لم يكن أحد يستطيع تخيل من دبي دون الشيخ سعيد، الذي قضى 46 عاماً في حكم الإمارة، وهو الذي بدأ رحلة تحديث دبي التي لم تنتهِ حتى اليوم، توفي جدي في العاشر من سبتمبر من عام 1958».
ويعود سموه بذاكرته إلى ما وراء السنين، من بعد ذلك، ليوضح : «ما زلت أذكر ذلك اليوم، وقد فاضت روحه إلى بارئها، بعد صلاة الفجر بقليل. قضى أبي الأيام الأخيرة بجانب جدي، وكان لا يأكل خلالها إلا قليلاً، لحزنه الشديد عليه.
كنت متشبثاً بثوب أمي، وقد غالبتها دمعة أبت إلا أن تفر منها». وأضاف سموه: «تجمع الرجال حول بيته رغم حرارة الجو، احتشدوا بكثرة وقد غلبهم صمت ووجوم رهيب، بينما دخل أبي وبعض أقربائه لتغسيل جدي، رحمه الله».
وتحدث سموه عن الأثر الذي تركه هذا الرحيل في نفوس الناس، حين قال: «كان وقع خبر وفاة الشيخ سعيد على أهل دبي شديداً، فقد أحبوه وأحبوا لطفه ووده، كان رجلاً صالحاً ورعاً، فائق الكرم والطيب، ما في يده لغيره. يغلب على تعاملاته العطف وروح الأبوة. لم يكن يرضى بالظلم أبداً، وكان مع الحق حتى وإن كان ذلك على حساب أقرب الناس إليه».
سيرة قائد
للقادة ارتباط كبير بالتاريخ والمكان الذين يؤثرون فيه خلال فترة حكمهم، وهو ما أوضحه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حين قال: «عُرف الشيخ سعيد بسعة صدره، متعاملاً مع الشدائد بحكمة وصبر ورزانة، على الرغم من الصعوبات التي مرت فيها فترة حكمه، نجح جدي في الحفاظ على مكانة دبي، كإمارة حيوية ومحطة تجارية مهمة لما حولها».
وأضاف سموه: «مع بدايات تسلّم الشيخ سعيد الحكم في عام 1912 كانت إمارة دبي قد بنت سمعتها بحركتها التجارية النشطة. وشهدت تجارة اللؤلؤ في عهد الشيخ سعيد ازدهاراً كبيراً، عززتها التسهيلات التجارية والجمركية التي كانت دبي تقدمها، بيد أن ما جعل دبي المكان المفضل للعديد من تجار اللؤلؤ يومها، المناخ الاجتماعي الذي كان يتسم بالانفتاح».
وذكر سموه: «مرت دبي في عهد الشيخ سعيد بالكثير من الأزمات وكانت في كل مرة مثل طائر الفينيق الأسطوري كلما استحال رماداً، نهض أكثر قوة وحياة».
لحظات مؤثرة
ويعود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، إلى الحدث المؤثر من جديد: «عندما حملوا جثمان جدي من البيت، أمسك والدي يدي بشدة، وهو يسير خلف النعش وسط الجموع. لا أعرف لماذا كانت يده تمسك بي بشدة في ذلك اليوم، أهو الحزن الذي أصابه، أم هي لحظة أرادها والدي أن تبقى في ذاكرتي طويلاً ولا أنساها؟ لا أعرف حتى اليوم ولكن ما أعرفه هو أن هذا الطريق كلنا سنمشي فيه مهما طال البقاء».
وتابع سموه: «كان الكثير من الشباب والرجال يتدافعون ليحصلوا على شرف حمل النعش الذي سُجي فيه جدي، نظرت إلى الخلف لأرى والدتي التي كانت تقف عند الباب بصمت مطبق، في حين كانت النساء من حولها ينتحبن بالفجيعة».
وأضاف سموه: «مشيت بجانب والدي وهو ممسك بيدي وكنت ما زلت صغيراً جداً ليتجاوز نظري ما فوق رؤوس الرجال، ولكن الفراغات بين صفوفهم مكنتني من رؤية النساء اللواتي يقفن على أبواب المحال يبكين من وراء البراقع. توقفت الجنازة عند بيت ابنته الكبرى الشيخة موزة بنت سعيد التي كانت تحبه وتجاوره في مرضه لتلقي عليه النظرة الأخيرة».
ذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «وصلنا بسرعة إلى المقبرة بدأ والدي وأعمامي بإنزال نعش جدي، أطيب رجل عرفته في حياتي، في حين وقفت جانب القبر حابساً دموعي، صلينا بعد ذلك شاكرين الله على الحياة التي عاشها معنا».
وقال سموه: «كان جدي محور حياتي، فقد أمضيت معه معظم أيام طفولتي، كنت أتساءل وأنا أرى الجموع تتوافد إلى بيتنا من كل حدب وصوب لتقديم التعازي، عما يعنيه كل ذلك، وبدأت أشتاق لجدي». وأضاف سموه: «الآن سيحكم والدي دبي. خطر في بالي حينها بأنه بعد وفاة الحاكم لن يكون لدى خليفته الوقت الكافي ليفكر بنفسه وأسرته، فالإجراءات الرسمية والمسؤوليات تبدأ على الفور».
تحديات
مرت دبي بأزمات اقتصادية وإنسانية ناتجة عن حريقين. وأكد سموه أن «هذه الكوارث وغيرها كانت اختباراً كشف المعدن الحقيقي للشيخ سعيد، كقائد ذي عزيمة لا تقهر، مظهراً ثباتاً وتماسكاً لا نظير له».
وقال: «وجد الشيخ سعيد البدائل لتجارة اللؤلؤ، وسرعان ما استعادت الحركة التجارية في دبي نشاطها، لتحقق الإمارة في الأربعينيات استقراراً اقتصادياً عبر تنويع مصادر الدخل، وتحسين الخدمات وتطوير الميناء».
وأضاف: «كان للشيخ راشد الابن دور كبير في إعادة الانتعاش للحياة الاقتصادية، فولي العهد الشاب كان الساعد الأيمن للشيخ سعيد، ورافقه في شتى مراحل بناء دبي، وإعادة ابتكار نفسها والانطلاق من جديد لتوفير حياة أفضل لشعبها ولكل من جاء لها طالباً رزقه فيها».
