التناغم الثقافي المعاصر والعزيمة، التي تتمتع بها النساء العربيات في المنطقة عبر تقديرهن لتراثهن، كان مصدر إلهام للفنانة التشكيلية الألمانية بيترا ڤون لوتيروتي، في مجموعتها الأخيرة، التي جاءت بعنوان «تركنا الصحراء خلفنا»، التي احتضنها معرض في مركز دبي المالي، وهو يمثل باكورة إنتاجها، بعد انتقالها للعيش في دولة الإمارات، وتعتبره بمثابة نقطة محورية في مسار حياتها المهنية، المتعددة الثقافات، التي تمتزج اليوم بأسلوبها الأنثوي المتعارف عليه خلال مسيرتها، والمستقى من عوالم الفنون المسرحية، وخطوط الموضة العصرية، التي بدأت من موطنها الأم، مروراً بفرنسا ونيويورك، ومن ثم إيطاليا، لتنصهر اليوم في بوتقة دبي وحراكها الثقافي العالمي.

فنون دبي
وفى السياق، تؤكد بيترا أن تجربة الانتقال إلى مدينة دبي، تعد من الخطوات الملهمة في مسيرتها الفنية، على اعتبار أنها باتت بوابة الشرق الأوسط لعوالم الفنون المعاصرة التي تستشرف المستقبل، وتغذي الحراك الثقافي للمنطقة، عبر دعم الفنانين والمواهب من جميع أنحاء العالم، نظراً لسعيها الدؤوب في ابتكار رؤية عالمية لمسارات الفنون وتجاربها المتعددة، انطلاقاً من برنامج دبي، والموسم الثقافي، وفعاليته التي توفر للفنانين المحليين منصة رائعة للتعبير عن تجاربهم الخاصة، أثناء الاتصال بتقاليدهم وتراثهم الثقافي. بهذه الطريقة، يتم سرد القصص، ويتم تبادل الخبرات، ليس فقط مع الجمهور المحلي، ولكن أيضاً مع الخارج. كما أنه يتيح للفنانين والجمهور، الفرصة للتواصل بشكل أفضل، ليس فقط مع العمل الفني، ولكن أيضاً مع البلد والتراث الإماراتي الاستثنائي.
طاقة إيجابية
وحول معرضها الأول في دولة الأمارات «لقد تركنا الصحراء وراءنا»، تشير بيترا إلى أن هذه المجموعة التي عرضت بمركز دبي المالي، هي بمثابة تكريم لكل النساء العربيات اللائي أعجبت بهن، وبطاقتهن وقوتهن، منذ اليوم الأول الذي انتقلت فيه للعيش في دبي، وتقول: في كل يوم استشعر أني بتّ مفتونة بإيقاع حياتهن، التي تجمع بين المحافظة على التقاليد والرؤى المجتمعية المعاصرة، وإدارتها بكثير من الذكاء والحكمة، إلى جانب اهتمامهن بالثقافة بشكل كبير. لقد تعلقت بحكاياتهن وسردهن لتفاصيلهن المفعمة بالحيوية والطاقة الإيجابية، التي أردت أن أوثقها عبر لوحاتي.

قصص أنثوية
وفي ما يتعلق بمحور المرأة وكيانها، وما تمثل في مجمل أعمالها، تؤكد بيترا أن المرأة وعوالمها، من الموضوعات الرئيسة التي تلفت اهتمامها، وتتملك فكرة العمل دون شك، وخاصة في سلسلتي الفنية الأخيرة «لقد تركنا الصحراء وراءنا». لقد بدأت العمل على هذه السلسلة، عندما انتقلت إلى دبي قبل عامين، والقائمة على قصصهن، التي أعتبرها إضافة مؤثرة لكثير من القصص التي أعشقها، عبر المدن التي عشت فيها، بداية من برلين، إلى فرنسا، إلى جانب نيويورك وإيطاليا، قبل وصولي إلى دبي، التي حاولت عبر أعمالي أن أعيد سرد تلك القصص من وحي الريشة والألوان، عبر استخدام الأساليب والتقنيات وأشكال التعبير الفني المختلفة، التي اكتسبتها على مر السنين، التي ربما منحتها خلفيتي كراقصة ومصممة رقصات مسرحية، شيئاً من الرشاقة والخفة، في ما يتعلق بانتقاء السطوح والظلال المكملة للمشهد العام.
نبض الصحراء
وتعتقد أن دراستها لتصميم الأزياء والتصميم الداخلي، أثرت بشكل أساسي في تقنياتها وتصورها للملامح الرئيسة للعمل ككل، لكن بدلاً من مجرد استخدامه كأداة لإنشاء تصميمات بحته للأزياء، بدأت في رفع الرسوم الظليلة الخاص بي إلى لوحاتي، ووضعها في سياقات مبتكرة، وذات طابع خاص للغاية، لا أكافح من أجل تقديم تمثيل واقعي للأشخاص والمواقف في رسوماتي، بل سعيت إلى تجريدها بأناقة، ومن خلال هذه المنهج التعبيري، نفتح أبواب الخيال على مصرعيها أمام المتلقي، لإسقاط رؤى فردية حول الشخوص التي تركت الصحراء خلفها، لتطرق أبواب المدنية من أوسع أبوابها، دون أن تنفصل عن موطنها الأم، البادية العربية، وتقاليدها العريقة، التي ما زالت تبقيها حية ونابضة بالأصالة.
