ببصمته المتميزة في المزج بين التاريخ السياسي والعلوم الاجتماعية والاقتصاد وثقافة البوب، يعود إلينا المؤلف جوناه غولدبيرغ بقضية حالية تقول إن أمريكا وبقية الديمقراطيات تعيش في خطر إزاء فقدان الإرادة للدفاع عن القيم والمؤسسات التي تدعم الحرية والازدهار.
وبالتالي فإننا نعيش عصر الاستسلام للشعبوية والقومية ومختلف أشكال القبليّة. كل ذلك في كتاب حمل عنوان «انتحار الغرب: كيف أن عودة ولادة القبلية والشعبوية والقومية وسياسات الهوية تدمر الديمقراطية الأمريكية؟».
مرة وحيدة فقط، قبل 250 عاماً تعثّر البشر بطريقة تنتشلهم من دوامة الفقر والجوع والحرب اللامتناهية التي طبعت معظم التاريخ، حين اكتشفت إنجلترا القرن الثامن عشر عن طريق المصادفة معجزة الرأسمالية الليبرالية الديمقراطية.
يقول غولدبيرغ إن تلك الأفكار الأساسية منصوص عليها في الدستور، بما يشكل الركيزة لمجتمع متفرد مزدهر قائم على مبدأ أن الفرد سيد، وأننا جميعاً قباطنة أرواحنا، وأن ثمار أعمالنا حق لنا. إلا أن تلك الفضائل السياسية تحوّلت إلى نقائص على امتداد العقود القليلة الماضية.
وطالما أنه يتم تلقين الأمريكيين، وسكان الغرب بشكل مطّرد أن ينظروا إلى تقاليدهم على أنها نظام من الاضطهاد والاستغلال و«امتيازات البيض»، فإن مبادئ الحرية وحكم القانون يتعرضان لهجمات اليمين واليسار على السواء.
وفي وقت يعمل فيه الاستبداد وسياسات الهوية والقومية وعبادة الشخصية، على تعفّن الديمقراطية من الداخل، يعرّي غولدبيرغ النزعات الانتحارية على كلا جانبي الإيديولوجية. ويشير إلى أنه من أجل نجاة الغرب، لا بدّ من تجديد إحساسنا بالامتنان إزاء ما قدمته لنا حضارتنا، وأن نعيد اكتشاف المثاليات التي قادتنا خارج المستنقع الدموي في ما مضى، وإلا فإننا إلى المستنقع سنعود.
ناقوس خطر
«الانتحار غير مؤلم، وأما الحرية فتتطلّب عملاً»، بمثل هذه العبارات يدق غولدبيرغ ناقوس الخطر الذي يحتاج الجميع إلى سماعه واختيار الطريق الذي ينبغي سلوكه.
وكعادته يأخذ غولدبيرغ إحاطته الاستثنائية بالأمور على محمل الرشاقة المرحة، بينما يفسّر كيف أن الأفكار التي حرّكت المجتمعات الحرّة على مدى 250 سنة مضت تشكل أعظم إبداعات الإنسانية، وكيف أنها تعرض ازدهارنا اليوم للخطر بسبب الطريقة التي نستخف بها ونتجاهلها ونسيء التعامل معها.

