تشير الوثائق والمراجع المتوافرة إلى أن أول بلد عربي وشرق أوسطي شهد ولادة صحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية هو مصر التي ظهرت فيها صحيفة «إيجبشيان غازيت» بمدينة الإسكندرية في السادس والعشرين من يناير 1880 بمبادرة من 5 مساهمين بريطانيين من بينهم أندرو فيليب الذي ترأس تحريرها.

وهذه الصحيفة الإنجليزية التي تعد الأقدم في البلاد العربية ومنطقة الشرق الأوسط ظهرت في بادئ الأمر في 4 صفحات بشكل «التابلويد»، قبل أن تتطور بُعيد انتقال هيئة تحريرها إلى القاهرة سنة 1938، علماً أن ملكيتها انتقلت مع مطلع الأربعينيات إلى الجمعية الشرقية للإعلان لصاحبها البريطاني أوزوالد فيني الذي قام أيضاً بشراء ثانية الصحف المصرية الناطقة باللغة الإنجليزية وهي صحيفة «إيجيبشيان ميل» التي كانت قد صدرت في عام 1914 (انظر صحيفة الشرق الأوسط 6/‏‏‏‏1/‏‏‏‏2008).

ويعد اليمن البلد العربي الثاني بعد مصر الذي تأسست فيه صحيفة ناطقة بالإنجليزية، تحت اسم «إيدن غازيت» في عدن، وكان ذلك في أكتوبر من عام 1900 على يد نائب المقيم السياسي البريطاني فيها القبطان دبليو بيل. وكانت هذه الصحيفة تصدر أسبوعياً وتحتوي على 8 صفحات تُنشر فيها الأخبار السياسية والمقالات والشعر والرياضة وأخبار اليمن وحضرموت وأجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية. وفي بحث توثيقي منشور في صحيفة عدن تايم (24/‏‏‏‏5/‏‏‏‏2016) يخبرنا كاتبه الباحث بلال غلام حسين أن إدارة تحرير «إيدن غازيت» انتقلت بعد 6 أشهر إلى البريطاني موري المسؤول في شركة الفحم العدنية بسبب نقل القبطان بيل من عدن، فعانى موري كثيراً من تكاليف الطباعة والمشاكل المالية فقرر إغلاق الصحيفة، لتعود في 14 أبريل 1915 مع عودة القبطان بيل إلى عدن مجدداً، لكن تحت اسم جديد هو «إيدن فوكس». وهكذا راحت صحيفة عدن الإنجليزية الوحيدة تظهر وتختفي بحسب إمكانياتها المالية واهتمام رجالات المقيمية البريطانية بها إلى أن جاء العقد الرابع من القرن العشرين الذي شهدت بداياته بزوغ نجم الشخصية العدنية الفذة المرحوم محمد علي إبراهيم لقمان الذي أخذ على عاتقه مسؤولية إصدار صحف عربية وإنجليزية عدة بإمكانياته المتواضعة، لكن المسنودة بحماس ووعي وثقافة وإحساس بمسؤوليته التنويرية تجاه مواطنيه.

أما في العراق فقد ظهرت أولى صحفها الإنجليزية في البصرة بُعيد احتلال القوات البريطانية لها في عام 1914. إذ كانت قوات الاحتلال بحاجة لوسيلة تخاطب بها سكان المناطق العراقية المختلفة، فأصدرت جريدة أطلقت عليها اسم «تايمز»، وتعمدت إصدارها باللغات الإنجليزية والعربية والفارسية. وفي عام 1918، أي قبل قيام الدولة العراقية بسنتين، صدرت في بغداد أول صحيفة محلية أجنبية إنجليزية تحت اسم «بغداد تايمز». وبعد انتهاء الاحتلال البريطاني توالى ظهور الصحف العراقية الناطقة بالإنجليزية، التي كان أبرزها صحيفة «عراق تايمز».

قصب السبق

يجرنا الحديث السابق إلى السؤال عن تاريخ ظهور الصحف الناطقة باللغة الإنجليزية في دول الخليج العربية. والحقيقة التي لا جدال فيها أن دولة الكويت كان لها قصب السبق في هذا المجال، حينما ظهرت فيها مع بزوغ فجر الاستقلال في عام 1961 صحيفة «كويت تايمز» اليومية التي لا تزال تصدر بانتظام مذاك. والفضل، كل الفضل، هنا يعود إلى رجل الأعمال الكويتي المثقف الأستاذ يوسف صالح العليان الذي ارتأى، ببصيرته النافذة ووعيه المبكر وحبه لخدمة بلده، أن الكويت ــ وقد حققت استقلالها وبدأت تخطو للانتقال إلى عصر الإنجازات والمشاريع التنموية بكل ما يصاحبها عادة من حراك اجتماعي وتنوع ثقافي واحتضان للوافدين من جنسيات أجنبية شتى ــ بحاجة إلى صحيفة يومية تخاطب غير الكويتي والعربي، ناقلة لهم أخبار وهموم المجتمع الذي يعيشون فيه، إضافة إلى أخبار وقضايا الوطن العربي الكبير، فكان قراره بإطلاق العدد الأول من «كويت تايمز» في الرابع والعشرين من سبتمبر 1961 والذي طبعه في مطبعة المقهوي التي كانت قد تأسست في عام 1949 شراكة بين كل من حمود المقهوي وخالد جعفر ومحمد ملا حسين ودخيل الجسار (بحصة 10 آلاف روبية لكل منهم) كثاني مطبعة في الكويت بعد مطبعة المعارف التي تأسست في عام 1947. وكان العليان قد استبق إصدار صحيفته بالحصول على ترخيص لها من دائرة الإرشاد والأنباء التي كان يقودها آنذاك الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح (أمير الكويت الحالي). فجاء هذا الترخيص سابقاً بشهرين للترخيص الذي مُنح في نفس العام للمرحوم عبد العزيز المساعيد من أجل إصدار أول صحيفة كويتية تحت اسم «الرأي العام». لم يسبق العليان كل نظرائه الكويتيين في إصدار صحيفة يومية بجهوده الذاتية ودون أدنى دعم حكومي، وإنما سبق كل نظرائه في الخليج العربي لجهة إصدار يومية باللغة الإنجليزية. ذلك أن أول صحيفة إنجليزية في البحرين ظهرت عام 1978 (ديلي غلف نيوز)، وأول صحيفة إنجليزية في دولة الإمارات ظهرت في 1978 وهي (خليج تايمز)، بينما ظهرت نظيرتاهما السعودية (عرب نيوز) والعمانية (تايمز أوف عمان) سنة 1975، هذا إذا ما استثنينا النشرات والمطبوعات الأسبوعية التي كانت تصدرها شركات النفط العاملة في المنطقة، مثل مجلة «ذا بحرين آيلند» الصادرة عن شركة نفط البحرين (بابكو) والتي تغير اسمها إلى «ذا آيلند»، وتحولت من مجلة أسبوعية إلى جريدة أسبوعية عام 1954، وتابلويد «صن أند فلير» (الشمس والوهج) الأسبوعي الصادر عن شركة أرامكو النفطية السعودية منذ عام 1946.

ميلاد ونشأة

أبصر العليان النور في الـ 12 من سبتمبر 1932 (لكنه اعتاد على قول إنه ولد قبل الثلاثين، أي قبل عام 1930 من باب المزاح والاعتزاز بهيئته الشبابية) بأحد أحياء العاصمة الكويت ابناً لوالدين كانا ــ طبقاً لكلامه ــ مثالاً للتفاهم والحب الذي نغصه وفاة أخيه الوحيد. وتلقى تعليمه ما قبل الجامعي بمدارس الكويت. وبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة سافر لإكمال دراسته في بريطانيا والتحق فيها بواحدة من أعرق جامعاتها وهي جامعة لندن التي منحته شهادة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية سنة 1953.

نشأ العليان منذ صغره على حب الاطلاع والتثقف واكتشاف العالم، فكانت رحلته التعليمية إلى إنجلترا، وزيارته على هامش تلك الرحلة للأقطار الأوروبية، معطوفاً على احتكاكه بالشعوب والثقافات المختلفة وتطلعه لفهم لغاتها، سبباً في إتقانه لعدد من اللغات الأجنبية. فعلاوة على العربية والإنجليزية، أتقن اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية والفارسية والهندية، وهو ما انعكس إيجاباً على عمله في بلاط صاحبة الجلالة رئيساً لتحرير «كويت تايمز» منذ ظهورها وحتى وفاته، رحمه الله، في الخامس من ديسمبر 2007.

ويمكن القول إن تعلم اللغات الأجنبية كان مبعثه إيمان الرجل العميق بأثره المفيد على الإنسان. وفي هذا السياق أخبرنا الكاتب يوسف العلاونة في صحيفة الرأي الكويتية (6/‏‏‏‏12/‏‏‏‏2007) أن الراحل كان يردد دوماً مقولة الإمام الشافعي «تعلم فليس المرء يولد عالماً» ويتبعها بما قاله الشاعر العراقي صفي الدين الحلي «وكل لسان في الحقيقة إنسان».

قصته مع الملك

وتعلمه اللغات أفاده، من ناحية أخرى، لجهة الاتصال بالراحل، الملك سعود بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية سابقاً. وهذه قصة لا يعرفها الكثيرون، ومفادها ــ كما جاء في مقال يوسف العلاونة (مصدر سابق) ــ أن العليان بعد أن أنهى دراسته الجامعية في لندن أراد أن يتعرف إلى موطن أجداده في نجد، فركب طائرة الخطوط الجوية العالمية TWA من لندن إلى الرياض عبر الظهران في عام 1954. وشاءت الصدف أن يجلس في الطائرة إلى جوار الشيخ عبد العزيز الشبيلي، فتعارفا. ولدى وصولهما الرياض اصطحب الشبيلي العليان للقاء الأمير سلمان بن عبد العزيز (خادم الحرمين الشريفين الآن)، وعرفه إليه كخريج سياسة واقتصاد من بريطانيا، فاستبقاه الأمير سلمان ثم أخذه معه إلى جدة لمقابلة الملك سعود بن عبد العزيز. وهناك قدمه رئيس التشريفات الشيخ صالح إسلام إلى جلالته على أنه «واحد من عيالنا»، وبعد أن قام بدور المترجم بين الملك وأحد كبار مسؤولي أرامكو الزائرين، تمّ تعيينه ضمن طاقم المترجمين (أكدت ابنته في تصريح صحفي نقلته صحيفة الأنباء الكويتية في 6/‏‏‏‏12/‏‏‏‏2009 أن والدها عمل بالفعل لدى الملك سعود لكنه كان سكرتيراً أول لجلالته). وبصفته تلك رافق العليان الملك سعود بن عبد العزيز، في زياراته الرسمية للكثير من الدول. ويُقال إنه في فترة لاحقة من عهد الملك سعود بن عبد العزيز تمّ تعيينه سفيراً للسعودية في باريس، لكنه لم يستمر في هذه الوظيفة طويلاً، لأنه تعلق في باريس بحب فتاة فرنسية وأراد الزواج بها. ولأن قانون الوظائف الدبلوماسية في السعودية يحظر الزواج بفتاة أجنبية، اضطر لترك منصبه وتلبية نداء قلبه، حيث تزوج بفتاته الفرنسية وأنجب منها ابنتين وولده الأكبر طارق الذي توفي منذ سنوات.

لاحقاً، انفصل العليان عن زوجته الفرنسية بعد مرضها واقترن بالسيدة الفلسطينية بدرية درويش التي رزق منها بأبنائه الثلاثة: زياد، وعبد الرحمن، وصالح، وجميعهم تخرجوا في أفضل الجامعات الغربية في تخصصات رفيعة. فمثلاً ابنه زياد تخرج في طب الطوارئ من بريطانيا وعمل رئيساً لقسم الطوارئ واستشارياً في مستشفى دار الشفاء، وابنه عبد الرحمن تخرج في بريطانيا أيضاً وهو اليوم رئيس تحرير «كويت تايمز» ومدير دار كويت تايمز للصحافة والطباعة.

ويعتبر المرحوم العليان أحد مؤسسي جمعية الصحفيين الكويتية التي أشهرت رسمياً في عام 1964، وتولى رئاسة مجلس إدارة الجمعية خلال أربع دورات متتالية منذ العام 1978. وتقديرا لجهوده في خدمة الجمعية، والصحافة الكويتية بصفة عامة، تمّ اختياره في عام 2002 من قبل الجمعية رئيساً فخرياً لها خلفاً لعميد الصحافة الراحل عبد العزيز المساعيد. كما تمّ اختياره أيضاً، شخصية العام الثقافية من قبل طلبة قسم الإعلام (دفعة 2000 ــ 2002) بجامعة الكويت.

كان العليان من بين الذين قدموا الدعم الكامل لفكرة إنشاء اتحاد للناشرين الكويتيين التي طرحها زميله رئيس تحرير صحيفة «السياسة» أحمد الجار الله، واستمر داعماً للفكرة وباذلاً في سبيلها إلى أن رأت النور على أرض الواقع بموافقة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على إشهار الاتحاد. وبالمثل شارك الراحل في الاجتماعات التأسيسية لاتحاد الصحافة الخليجية في المنامة سنة 2005 إلى أن تمّ إشهاره في مايو من تلك السنة، كمنظمة مهنية غير ربحية تهدف إلى التنسيق بين الصحفيين والمؤسسات والهيئات الخليجية، وتطوير تبادل المعلومات والمواد الصحافية، وصيانة حقوق الصحفيين والارتقاء بقدراتهم.

شعلة نشاط

كان للعليان دور كبير في التصدي لقانون الصحافة الجديد في الكويت. إذ انتقد بنود القانون قائلاً: «من غير المعقول إذا أخطأت الجريدة أن يتم إيقافها ستة أشهر، فهذه مأساة، وليس هناك أحد معصوم من الخطأ، فشروط هذا القانون مستحيلة، والشروط الأساسية التي اتفقنا عليها هي عدم التحدث عن الدين والذات الأميرية، ولكن إذا حدث أي خطأ فيجب عدم اتخاذ إجراءات تعسفية بحقنا كصحافة».

بالعودة إلى ما كتبه عنه يوسف العلاونة في «الرأي» الكويتية، وما هو مدون حول الرجل في موقع المنتدى العربي لإدارة الموارد البشرية، نجد أن العليان كان في حياته شعلة من النشاط، يحرص على أداء الواجبات الاجتماعية والمشاركة في الفعاليات الإعلامية والتواصل مع أهله وأصدقائه. وكان معروفاً باحترام مواعيده وهدوئه وصدقه، وقانعاً بما كتبه الله له من رزق فلم يشغل نفسه بمراكمة الثروات أو الوصول إلى المناصب وغير ذلك (بدليل أنه رفض عرضاً من الشيخ عبد الله السالم الصباح للعمل في ديوانه، رحمه الله، وعرضاً آخر ببيع صحيفته للحكومة). وكان مرحاً يتمتع بروح الشباب، بل بدا دوماً أصغر من سنه بفعل عاداته الصحية المجدية والقويمة، سواء في طبيعة الغذاء أو في نمط حياته الرياضي والصحي. وكان يقضي فصل الصيف بمدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، حيث كان يملك سكناً خاصاً وسط الجبال. ومن ناحية أخرى، لم يغفل واجباته الدينية بمختلف مراحله العمرية، وورث أبناؤه المتعلمون في الغرب أيضاً هذه الخصلة الحميدة عنه، رحمه الله.

 

صمود ونجاح

سيذكر التاريخ ليوسف صالح العليان، أنه كان ضمن الكويتيين الذين لم يتركوا وطنهم أثناء محنة الاحتلال العراقي، بل ظل صامداً وفاتحاً بيته لزملاء المهنة للتباحث في كيفية مقاومة المحتل وفضح انتهاكاته وجرائمه بحق الكويتيين المسالمين. ولهذا السبب كاد أن يدفع الثمن ويصبح من ضمن الأسرى الكويتيين الذين اختفت آثارهم. فقد قبضت عليه القوات العراقية أثناء عودته بالسيارة من الفروانية وأرغمته تحت وابل من الشتائم على ركوب حافلة مليئة بالأسرى، لكن بسبب ازدحام الحافلة تمّ إنزاله منها كي يستقل الحافلة التالية، لكن الحافلة التالية لم تأت فكتبت له النجاة. وبعد تحرير الكويت، وتحديداً ما بين عامي 1991 و1992 أصدر العليان جريدة عربية تحت اسم «الفجر الجديد». وبسبب ما حل ببلده على يد العراقيين عمل جاهداً مع زملائه العرب على نقل مقر اتحاد الصحفيين العرب إلى خارج بغداد، ونجح في ذلك.

 

أوسمة

تميز يوسف العليان بشخصية موهوبة مقدامة ومجبولة على المغامرة وذات بصمات خالدة في عالم الإعلام، استحق عن جدارة ما حصل عليه من أوسمة، ومنها وسام الاستحقاق الوطني برتبة ضابط من الرئيس الفرنسي عام 2004، ووسام «فرانس كودي ميراندا» من الرئيس الفنزويلي، إضافة إلى أوسمة أخرى من حكومات دول شرق آسيا.

وتخليداً لذكراه وإنجازاته أعلنت كريمته عن تأسيس «جائزة يوسف العليان للصحافة» التي ضم مجلس إدارتها نخبة من الأكاديميين والكوادر الكويتية والأجنبية في مجال الإعلام، وقد تمّ الإعلان عن الفائزين بها في دورتها الأولى في السادس من ديسمبر 2009 في احتفال كبير بفندق «كراون بلازا» بالكويت العاصمة.

 

صفحة مُتخصّصة بالتأريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج العربي