أسد ماري تشا.. رؤية فنية أندلسية تجمع الشرق والغرب

يرتبط الأسد بالسلطة الملكية أو حراسة العرش أو المعبد أو القبر، وهو أحد أكثر الرموز عالمية للشجاعة والهيبة والقوة والسلطة، وكل هذا يتجسد بتمثال أسد ماري تشا الذي يعتبر واحداً من قطع المجموعة الدائمة في متحف اللوفر أبوظبي، وتعتبر صناعة هذا الأسد نقطة التقاء بين الشرق والغرب، كونه نتاجاً أندلسياً، بجانب أعمال الفنانين المتجولين في إيطاليا تحت حكم النورمان.

ويعود «أسد ماري تشا» إلى ما بين 1000 و1200 ميلادي، وهو مصنوع من البرونز ارتفاعه 73 سم، ويوجد بالتمثال أثار قذائف قد تكون طلقات بندقية قديمة.

مبادلات ثقافية
يعتبر هذا التمثال الفريد من حيث الحجم والوظيفة، من أهم الأعمال الإسلامية للعصور الوسطى في منطقة البحر الأبيض المتوسط. كونه يكشف عن مختلف المجالات الثقافية والجمالية التي أغنت البحر الأبيض المتوسط في فترة العصور الوسطى، في وقت كانت فيه موطناً للمزيد من الثقافات واللغات أكثر من أي وقت مضى.

يعرض «أسد ماري تشا» مزيجاً من الملامح المنمقة والنقوش العربية التي تجسد جاذبية ودور فنون الإسلام في صقلية وشمال إفريقيا وإسبانيا في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، وهي إحدى الفترات الأكثر إبداعاً في تاريخهم.

فمن خلال مظهره ونقوشه العربية، يُظهر الأسد ما لا يمكن إنكاره من إبداعات الفن الإسلامي داخل البحر المتوسط وكيف أن التقاليد المتعددة غذت المنطقة والفترة الزمنية، أنتجت أكثر الفترات إبداعاً في التاريخ. خلال سنوات السلام وكذلك الحرب، فالمبادلات الثقافية بقيت مصدر إلهام دائم لإنتاج جمال بالغ وتعقيدات أسرة.

ويتميز التمثال بالرأس البالغ التنميق والعينين المفتوحتين والخياشم ذات الشكل الأكثر واقعية، أما الفك والأذن فيرجح أن تكون مطعمة بمادة مختلفة كالمينا أو العاج، وتشير العناصر الصغيرة الموزعة على مسافات منتظمة حول الرقبة إلى القنوات التي سكب عبرها المعدن، وقد تكون أتاحت أيضاً تعليق حلية ما، وتبدو الزينة على كامل الجسم منقوشة على البارد وفق قواعد الفن الإسلامي، أما عرف الأسد فقد نحت على شكل حلقات بأسلوب منمق في حين تحاكي الزخارف العربية المتشابكة على ظهر الأسد زخرفة مفرشة السرج.

أداة ميكانيكية
أثبت التحليل المعدني لهذا البرونز الذي صنع منه التمثال، بأنه قد سبك بالشمع الضائع في قطعة واحدة وأن مصدر النحاس من منجم قبرصي كان معروفاً في العصور القديمة للحرفيين والجغرافيين العرب.

وقد وضعت فرضيات مختلفة على وظيفة هذا التمثال الضخم، فربما تشير الفتحة الأنبوبية في الفم، وفتحة في البطن والجسم المجوف إلى جزء من نافورة مثل تلك الموجودة في مدينة الزهراء والحمراء، أو قد تشير إلى مبخر ضخم للعطور من النوع الموجود في مقاطعة خراسان الإيرانية.

ومع ذلك، تظهر نظرية أحدث من قبلها تستند إلى البنية الداخلية، مفادها أن الأسد كان نوعاً من أداة ميكانيكية مصممة لإصدار الأصوات.

ويستندون بهذه النظرية على أن الجسم المجوف لتمثال الأسد يعمل كغرفة صدى، ولهذا فإن الهواء الذي يهرب من أنبوب متصل بالفم قد ينتج صوتاً مشابهاً لصوت وحشي. وتصف النصوص والوقائع العربية افتتان العلماء بها، إذ قدم الجزري، أحد أشهرها، وصفاً مصوراً في القرن الـ13 ميلادي، لساعات المياه المعقدة وغيرها من الأجهزة الهيدروليكية أو الهوائية.

كما وجدت بعض الآلات منذ العصر البيزنطي عندما كانت الساحات ممتلئة بألعاب ميكانيكية وأشجار مصنوعة من الفضة وعليها طيور تغرد أو حيوانات تزأر بحسب نظام هوائي، وكل هذا كان مصدر إلهام لاختراع آلات أكثر تطوراً في عصر النهضة الأوروبية مثل آلات ليوناردو دافنشي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات