عدسة الأيام

عبدالرحيم روزبه شيخ الفصحاء ومرجع البحرينيين في النحو

عبد الرحيم زوربه

في عام 2016 أصدر «بيت البحرين للدراسات والتوثيق» كتاباً من 158 صفحة، تأليف الدكتور خليفة ياسين بن عربي، رئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية الآداب (جامعة البحرين)، بعنوان «ديوان الأستاذ الشيخ عبدالرحيم روزبه ونبذة عن حياته».

يكاد يكون الكتاب المرجع الوحيد المكتوب عن سيرة عبدالرحيم محمد عبدالملك المـُلا روزبه، الذي فقدته البحرين سنة 2000 عن 89 عاماً. وروزبه، رجل من رجالات البحرين المعروفين بإسهاماتهم في حقول التربية والأدب والشعر والنقد والكتابة الصحفية، غير أن أكثر ما اشتهر به الراحل هو تبحره في قواعد اللغة العربية ونحوها إلى درجة أن أحدهم وصفه «بالرجل الذي يـُعرّب حتى الهواء». وما يدعو إلى الاستغراب هو أن روزبه لم يدخل كليات وجامعات اللغة العربية أو معاهدها كي يبلغ ما بلغه من تبحر في اللغة العربية، وإنما ثقَّف نفسه بنفسه من خلال كتب الأدب والشعر والبلاغة وتأمل جواهرها ولآلئها بروح العاشق الباحث عن جمالياتها وأسرارها، علاوة على انكبابه الدائم على مطالعة الموسوعات التي توافرت في زمنه.

الجانب المضيء الآخر من سيرة هذا الرجل، الذي ظل حتى تاريخ وفاته مرجعاً يلجأ إليه البحرينيون في قواعد اللغة ونحوها، هو أنه أول مواطن بحريني اقتحم ميدان النقد الأدبي، وذلك حينما كتب في جريدة «البحرين» لصاحبها ورئيس تحريرها الشاعر وتاجر اللؤلؤ عبدالله الزايد (توفي سنة 1945)، وتحديداً في عددها رقم 90 الصادر في 21 نوفمبر 1940 مقالاً تحت عنوان «بين زكي مبارك وأحمد أمين»، وقد اعتبر منصور سرحان في كتابه «النقد الأدبي في البحرين في القرن العشرين: أضواء على بدايات الماضي ومسيرة الحاضر» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر/‏‏‏‏‏بيروت/‏‏‏‏‏ 2006/‏‏‏‏‏ الصفحة 143) ما كتبه روزبه في مقاله مثالاً يحتذى في السجال الأدبي النقدي ونموذجاً للمنهجية التي اعتمدها روزبه في نقده على غرار ما فعله لاحقاً دفاعاً عن مواطنه الشاعر عبدالرحمن المعاودة، وذلك في إشارة إلى دخوله في معركة أدبية على صفحات جريدة البحرين ضد كاتب سعودي تخفى وراء اسم «ابن الرومي» لينتقص من قيمة شعر المعاودة.

نشأة

ولد روزبه ــ اللقب مكون من مفردتين فارسيتين أولاهما رُوز بمعنى اليوم، وثانيهما بـَه (بفتح الباء) بمعنى الجميل ــ في عاصمة البحرين القديمة، مدينة المحرق الشمّاء، عام 1911 (في قول آخر عام 1902) لعائلة تنحدر من بر فارس العربي، وتحديداً من قرية يـُقال لها «بهـْده» (بفتح الباء وكسر الدال). كان والده الحاج محمد روزبه صاحب دكان صغير في سوق القيصرية بالمحرق، ويقيم في فريج «إستيشن» (انتقل لاحقاً إلى فريج العمامرة) وكان ابنه عبدالرحيم يحضر إلى الدكان ليساعده، وكان الأب في أوقات فراغه يعلم ابنه الخط والكتابة ويسأله عن دروسه، فإذا لم يجب الإجابة الصحيحة عاقبه بالضرب (استناداً إلى رواية جارهم في السوق عبدالحميد الأنصاري).

درس روزبه في كتاتيب المحرق التقليدية (المطوّع)، حيث ختم القرآن الكريم على يد الملا محمد بن جمعة، وتعلم مبادئ وقواعد الخط العربي على يد إبراهيم كلندر، وتعلم الفقه على يد الشيخ محمد بن يعقوب الحجازي، وتعلم الحساب على يد علي الرستاقي. بعد ذلك تمّ إلحاقه بمدرسة «الهداية الخليفية»، أولى مدارس البحرين النظامية (تأسست عام 1919) وذلك بدءاً من عام 1923 أي حينما كانت تحت إدارة محمد عبدالله اليماني، حيث ظل طالباً بها لمدة 6 سنوات، تعلم خلالها شرح المعلقات السبع على يد المعلم السوري عثمان محمد الحوراني، الذي يـُقال إن روزبه تأثر كثيراً بأفكاره المناوئة للاستعمار وحزن كثيراً حينما تمّ إبعاده من البحرين، وتعلم أيضاً «منظومة الدرديري» في التوحيد على يد مدير المدرسة اليماني، ومبادئ الحساب لاسيما حساب الغوص الذي كان من ضروريات ذلك الزمن بسبب اعتماد اقتصاد البحرين والخليج على الغوص على اللؤلؤ. وقد نبغ في هذا الجانب بفضل ذكائه واستعداده الفطري لتعلم كل جديد ثم بفضل معلمه في هذه المادة أحمد موسى العمران وزير معارف حكومة البحرين الأسبق (توفي سنة 2007). ومن المعلمين الآخرين الذين تتلمذ روزبه عليهم: يعقوب القوز وعبداللطيف الشملان وعبدالعزيز الزامل والشيخ عبداللطيف الجودر والشيخ جمعة الجودر وعبدالعزيز الجويسر ومحمود الدليشي. وقد زامل الرجل في هذه المدرسة العديد من رجالات البحرين من أمثال: عبدالرحمن المشاري وحجي بن عيسى الزياني وأحمد عبدالرحمن الزياني وراشد عبدالرحمن الزياني وأحمد عثمان الزياني.

حياة عملية

بدأ روزبه حياته العملية، فعمل كاتباً في بلدية المحرق، زمن معاون البلدية الشيخ الأديب محمد صالح خنجي. وبعد نحو 15 عاماً في هذه الوظيفة التحق، وهو في سن الخامسة والعشرين، بسلك التعليم كمدرس عام 1942، وكانت المدرسة التي تولى فيها التدريس نفس المدرسة التي تخرج فيها «الهداية الخليفية». ثم عُيّن في مدرسة «الحد» الجنوبية للبنين تحت إدارة مديرها حسين محمد حسين، و«التقى بصديقه الملازم له محمد يعقوب يوسف (المفتاح) الذي كان قبل ذلك طالباً عنده في مدرسته السابقة، لكن لما أصبح زميله في العمل توثقت بينهما العلاقة ولازمه 40 عاماً ملازمة المحب» (بن عربي ـ ص 14). بعدها نُقِل إلى مدرسة «المحرق» الشمالية الغربية للبنين (مدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية الإعدادية للبنين حالياً) زمن مديرها الشيخ عمر بن عبدالرحمن آل خليفة.

عــُرف عن روزبه اتصافه بالعمل الجاد والتفاني المتواصل في كل الوظائف التي شغلها، وحينما بلغ سن التقاعد، وجد المسؤولون أنفسهم أمام طاقة لغوية خلاقة من الصعب الاستغناء عنها وركنها جانباً، لذا وقع اختيار طارق عبدالرحمن المؤيد، وزير الإعلام الأسبق، عليه ليعمل مصححاً لغوياً لمجلة «هنا البحرين» الصادرة عن وزارته، فكان الاختيار في مكانه الصحيح، خصوصاً أن روزبه كان قد اكتسب خبرة طويلة في دروب العمل الصحفي من تعامله المبكر مع أولى جرائد البحرين، صحيفة «البحرين» التي ظهر عددها الأول في مارس عام 1939 (انظر: د. عبدالله المطوع، جريدة الأيام، 16/‏‏‏‏‏12/‏‏‏‏‏2018).

همّ وطني

أعباء روزبه الوظيفية والأسرية وانشغالاته بكسب قوته اليومي لم تمنعه من إيجاد فسحة من الوقت للمشاركة في الهم الوطني والثقافي والإصلاحي من خلال الكلمة المكتوبة ما استطاع إليه سبيلاً. وآية ذلك أنه نشر العديد من القصائد ذات الطابع الديني والتاريخي أو القصائد المحملة بالوعظ والإرشاد والأمر والنهي في مجلة «البحرين». من هذه القصائد: «إن تنصروا الله ينصركم (30/‏‏‏‏‏7/‏‏‏‏‏1980)؛ «إلى الجهاد.. إلى الجهاد» (28/‏‏‏‏‏1/‏‏‏‏‏1981)؛ «وربة الحسن» (2/‏‏‏‏‏11/‏‏‏‏‏1983)، إضافة إلى قصائد أخرى حملت عناوين «أولى القبلتين.. فدتك نفسي»، «ذكرى أكرم دعوة وأشرف رسالة»، «ميلاد»، «ذكرى معركة بدر الكبرى الحاسمة».. وغيرها. كما نشر قبل ذلك مقالات نقدية وأدبية متنوعة في صحيفة البحرين تحت اسم مستعار «ابن العميد»، علاوةً على تعاونه مع عبدالرحمن مسامح في مراجعة وتصحيح كتاب «الأمثال الشعبية البحرينية» الذي جمعه وأعده أحمد الضبيب وآخرون (1996) - إدارة التراث بالبحرين.

قارئ نهم

أخبرنا د. بن عربي في الصفحتين 13 و15 من كتابه أن روزبه كان قارئاً من الدرجة الأولى، بل كان حتى آخر سنوات حياته يخصص وقتاً محدداً كل يوم للقراءة في حدود 3 أو 4 ساعات، مضيفاً أن ظروفه المعيشية القاسية لم تسمح له باقتناء الكثير من الكتب، لكن ولعه بالقراءة والكتاب، بدليل ترديده الدائم لبيت المتنبي «أعز مكان في الدنى سرج سابح، وخير جليس في الزمان كتاب»، جعله يعالج الأمر بالتردد على المكتبات العامة في طول البحرين وعرضها، لا سيما مكتبة المحرق العامة، وعالج الأمر أيضاً من خلال الاشتراك في مجموعة من المجلات العربية مثل «الرسالة» و«الثقافة» و«اللواء».. وغيرها، أو قراءتها بالمجان في نادي البحرين بالمحرق الذي كان عضواً بارزاً فيه، خصوصاً أن النادي كان يصله الكثير من المجلات والصحف من مختلف الأقطار العربية في ثلاثينيات القرن العشرين.

الذين تمعنوا في النتاج الشعري والأدبي للمربي روزبه وتفحصوه أجمعوا على اتسام لغته بفصاحة اللفظ وجزالة التعبير وبلاغة المعنى. كما أجمعوا على أنه شاعر مناسبات وطني ذو اتجاهات إصلاحية وطنية ومواقف مشرفة تجاه القضايا العربية والإسلامية، لكن دون أن يـعرف له أي انتماء سياسي معين.

تكريمات

وتقديراً لجهوده حصل روزبه على جائزة الدولة للعمل الوطني عام 1992 من رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، كما نال التكريم المستحق من عدة جهات مثل نادي المحرق والنادي الأهلي باعتباره من رجالات الرعيل الأول الذين خدموا في مجالات التربية والأدب والصحافة، ناهيك عن مساهمته في تأليف الكثير من مناهج اللغة العربية المقررة على طلبة المدارس.

كما خصص مركز الجزيرة الثقافي بالمحرق ندوة في 2016 تحت عنوان «عبدالرحيم روزبه.. المربي والإنسان»، وقدم الدكتور خليفة بن عربي محاضرة تطرق فيها إلى جوانب من حياته، وعرج خلالها على الكثير من المعلومات الغائبة حوله، ومنها أن الرجل بقدر ما كان ضليعاً في العربية ولا يشق له غبار فإنه كان أيضاً مجيداً للفارسية قراءة وتحدثاً، الأمر الذي جعله يرتبط بصداقة مع شاعر البحرين إبراهيم العريض الذي كان هو الآخر مجيداً للفارسية وعاشقاً لها.

معاصروه

وسرد الدكتور عبدالله المطوع في صحيفة «الأيام»، قائمة بأسماء الشخصيات التي عاصرته وعملت معه في مهنة التدريس ومنهم: المربي والشاعر والسياسي العُماني عبدالله محمد الطائي وإبراهيم صباح البنعلي وعيسى جاسم الجودر وعيسى حمد المحميد وعيسى سلطان الذوادي وعبدالله عاشور ومحمد حسين بوهاني ويوسف علي العمران والشيخ ماجد بن ناصر آل خليفة والشيخ عمر بن عبدالرحمن آل خليفة والشيخ علي شهاب ومحمد العيد ويوسف العلوي وعبدالحميد الأنصاري ومحمد علي مطر وعيسى الشتر ومحمد قاسم الشيراوي.

تصنيف وتبويب

في المقدمة التي كتبها ناشر كتاب «ديوان عبدالرحيم روزبه ونبذة عن حياته» نجد أن فكرة الكتاب طرحها الباحث السعودي عبدالعزيز أحمد المنصور الذي كان قد حضر من الأحساء إلى البحرين لزيارة روزبه، فوجده مسجى على فراشه، ولكنه حاضر الذهن، وقد تناثر من حوله الكثير من الأوراق والمخطوطات المبعثرة، فأبدى الكثير من اللوم للمختصين في البحرين لعدم الكتابة عن الرجل وجمع آثاره.أما مؤلف الكتاب الدكتور بن عربي الذي قام بجهد طويل مشكور في تصنيف أوراق روزبه المبعثرة وتصحيحها وتبوبيها والتحقق منها ومقابلة من كانت تربطه علاقة به من زملائه وتلاميذه، فقد أخبرنا الكثير عن نشأته وبداياته ومسيرته الوظيفية ومعاركه الأدبية، قبل أن ينتقل إلى عرض نماذج من قصائده.

وصف ورثاء

وصف عبدالله المطوع، عبدالرحيم روزبه، في عدّة سطور، فقال: «كان الرجل ذا وجهٍ منيرٍ قد تقوَّس ظهره وعلامات الإيمان والتقوى قد غطّت وجهه ومحيّاه، ذا لحية قلما نجد السواد فيها».

وحينما توفي صاحبنا عام 2000 رثاه زميله وصديقه الصدوق لأكثر من 4 عقود محمد يعقوب المفتاح بقصيدة من أبياتها:

لا البكاء يُجدي ولا العويل

                 فقد حار الفكر مني والدليلُ

تلفتُ حولي فلم أرَ غير باكٍ

                فقد حمّ القضاء وحان الرحيلُ

تمزقني الأحزان والقلب دامٍ

               ودمعي من المآقي يسيلُ

أربعون عاماً في ودٍّ وتواصل

               غير أن دوام الحال مستحيلُ

 

صفحة مُتخصّصة بالتأريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات