«جميلة تدمر» تظهر في معرض بكوبنهاغن

المتأمل في طريقة تصفيف شعر المرأة في الصورة، وزخرفة ردائها وأناقة ملابسها وروعة أساورها ومجوهراتها، والمتمعن في الأنف المكسور ونظرة الشرر في عينيها، لا بد يدرك سريعاً أن تلك المرأة التي تظهر بكامل عظمتها وأبهتها كانت من علياء القوم في تدمر القديمة، وهذا ما أظهره مخطط التمثال النصفي الذي رُسم بعد فترة وجيزة من اكتشافه، حيث ظهرت المرأة بكامل مظهرها وقد تلونت خدودها بالأحمر، وغطى الذهبي غطاء رأسها وأساورها، وهو المخطط نفسه الذي يعيد متحف «ني كارلسبيرغ غليبتوتيك» بكوبنهاغن إحياءه رقمياً، ليزين معرضه المقام بدءاً من 20 سبتمبر بعنوان «الطريق إلى تدمر».

تفيد صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في تقرير نُشر أخيراً، بأن التمثال النصفي الذي أخرجه عالم آثار دنماركي تحت آثار تدمر في أوائل القرن العشرين، يعود إلى حوالي 1800 عام، وفيما لم يكن التمثال الأول الذي تم اكتشافه في المدينة السورية القديمة، إلا أن الصورة التي رُسمت للتمثال بعد اكتشافه بفترة وجيزة، لفتت أنظار صحيفة محلية وصفت المرأة بـ «جميلة تدمر».

مخطط رقمي

يحاول الآن معرض «ني كارلسبيرغ غليبتوتيك» في مخططه الرقمي الجديد إنقاذ ما تبقى من ألوان من رسم عام 1928، مغطياً رأس المرأة بغار من ذهب وملوناً خدودها بالأحمر ورداءها بالقرمزي، مع تقويم أنفها. سيضم المعرض أكثر من 100 لوحة جنائزية إلى جانب نقود معدنية ومنحوتات وصور فوتوغرافية ورسومات من القرن التاسع عشر.

تؤكد أمينة المتحف، آن ماري نيلسن: «أولئك الناس كانوا عازمين على ألا يجري نسيانهم إلى درجة انهم صنعوا تلك المقابر الأثرية. ونحن نتذكرهم من خلال رسم صورة عن المدينة التجارية المزدهرة التي كانت على مفترق طرق العالم القديم. وهم يخبروننا من خلال موتهم كيف كانوا عندما كانوا على قيد الحياة».

تم اكتشاف اللوحات الجنائزية في الأبراج التي تصطف في وادي القبور، بمحاذاة الطريق الذي كان يعبره المسافرون في طريقهم إلى المدينة بمسرحها وساحاتها العامة وشوارعها ذات الأعمدة. وقد عثر على أكثر من 500 نصب تذكاري في 200 قبر مكتظ، لكن المعرض في كوبنهاغن بدلاً من ملء الصالة برجال ملتحين ونساء غير معروفين، قد يبدو مظهرهم تكراراً مملاً للعين غير المدربة، استقدم لمسة مسرحية إلى صالات العرض مع أصوات يعتقد أن صداها كانت يتردد في أرجاء المدينة وقتذاك، حيث يمكن سماع جلجلة قوافل الجمال تنطلق في طريقها لإيصال التوابل ونهيق الحمير وأصوات الباعة.

غرف المقابر

وللمساعدة في فهم كيف تبدو غرف المقابر تم بناء هيكل (ثلاثة أمتار بأربعة) مثل ثقوب. وعلى كل قبر نقوش وألواح من الحجر الجيري المستطيل موضوعة على رأس القبر مع صورة منحوت عليها نقش بأسماء المتوفين مع توضيح العشيرة التي ينتمون إليها. وعن قرب، يمكن رؤية التضخيم في الملامح، فهناك العيون والآذان الكبيرة، واليدان والأصابع الطويلة، في محاولة مقصودة لصنع صور تبرز من ظلمة القبر ويمكن التعرف عليها من مسافة بعيدة.

التمثال النصفي لـ«جميلة تدمر» عثر عليه في مدفن مخصص لنخبة المدينة، وبفضل تراكم الأدلة وتقدم العلوم على مدى 90 عاماً، كان من الممكن معرفة الكثير عن العالم الذي عاشت فيه المرأة وارتباطاتها ومجتمعها وعلاقتها بأماكن بعيدة.

امحى اسمها وأزيل النقش عن قبرها، لكنها كانت شخصية بارزة من نخبة مجتمع تدمر أوائل 200 ميلادي، ويشهد وجهها الصارم على مدينة شكلت لقرون قليلة في قلب تجارة العالم، وملتقى الشرق والغرب. فالصبغة الحمراء النباتية التي تم رصدها على غطاء رأسها كانت تستخدم في الهند في القرن الثالث قبل الميلاد، عدا اللون النيلي الذي يعتبر من الأصباغ غالية الثمن من مصر وأفغانستان. كذلك يمكن تتبع الصبغة الحمراء على الرداء وصولا إلى إسبانيا وربما أبعد إلى الصين. أما المغرة الحمراء فقد تكون جاءت من تركيا ومصر، والأصفر على الأرجح أن مصدره فرنسا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات