كانت قوانين السير والمرور الأولى نقلة نوعيّة في حياة أهالي الساحل، فهي تعد جزءاً مهمّاً من النّهضة الإداريّة الشاملة التي مرّت بالمنطقة في الخمسينيات.

وكانت رخصة القيادة تصدر عن جهة أسماها القانون «قسم رخص القيادة»، وتمضي المادة (9) بالحديث عن فقدان الرخصة أو تلفها، وكيفيّة الحصول على بدل فاقد، ويعرّف القانون امتحان السياقة، وعلى قائد المركبة أن تكون لديه معرفة بقوانين السير، وعلامات المرور، ويتمتّع بسلامة الحواس، والتمكّن من القيادة السليمة.

وعليه أن يتعلّم القيادة وحفظ العلامات، ودفع الرسوم المستحقّة، ثم يتحدّث الفصل الثالث من القانون عن تعليمات السير على الطرقات، على أن يلتزم السائقون الجهة اليسار من الطريق. وفيه توجيهات للقيادة، وتجنّب الحوادث، وفيه تعليمات للتوقّف، والشحن، والمنعطفات، وعلامات المرور، وتوجيهات لشرطيّ المرور وإشاراته صوب الاتجاهات، وكيف يؤشّر السائق، وإبراز يده عند الالتفاف.

ويندرج تحت فصل العقوبات كلّ مَن يرتكب جنحة أو جناية متعمّدة في حقّ الطريق أو التسبّب في الحوادث والإصابات، والسياقة دون رخصة، أو السرعة المفرطة، وحدّد القانون عقوبات ماليّة تصل إلى 1000 «روبيّة»، ومَن يطّلع على بقيّة التحذيرات يجد تطوّراً كبيراً في الأنظمة المروريّة المناسبة لتلك الفترة، وفيه رسوم استخراج الرخصة 7.8 «روبيات»، والتجديد 5.8 «روبيات»، وبدل فاقد 5 «روبيات».

يُذكر أنّ هذه الرسوم تمّ إقرارها من قِبل إدارة الماليّة البريطانيّة بلندن أو غرفة الخزينة (Treasury Chamber) بتاريخ 3 أكتوبر 1955، وهذا القانون تمّ التعديل عليه منذ مارس 1955، حتى إقراره بصيغته النّهائيّة يوم 28 أكتوبر 1955.

تطوّرات قانونيّة

ومن التطوّرات في قوانين السير، ما صدر في أبوظبي يوم 5 ديسمبر 1961، وفيه بنود وموادّ متقدّمة جدّاً لتنظيم المرور في شوارع الإمارة، ومن إشاراته للسرعات المحدّدة التي لا تزيد على 80 كم/‏الساعة. ويحدّد أعداد الركّاب في كل عربة، ومَن يتجاوز السرعة فعليه غرامة قدرها 550 «روبية»، وحبس لا تتجاوز مدّته شهراً.

وفي القانون التحذير من الوقوف الخاطئ على الطرقات، أو القيادة دون رخصة، وفيه إشارة واضحة لالتزام السائقين الاتجاه صوب اليسار، وبصورة عامّة، فإنّ القانون وتتابعاته في السنوات اللاحقة تندرج كلّها تحت التنظيم الجيّد، والمناسب للمركبات والشوارع والسائقين.

أحوال الطرقات

وفي تقرير أعدّه قسم تطوير أقطار الشرق الأوسط (Middle East Development Division) في إدارة بلدان ما وراء البحار، التابع لوزارة الخارجية آنذاك (Overseas Development Administration) بتاريخ 25 مايو 1961، موجّه للمقيم السياسي البريطاني بالبحرين السير وليام لوس (Sir William Tucker Luce) يرد فيه أحوال الطرق في إمارات الساحل، وأنّ الطريق بين دبي والشارقة هو من أكثر طرقات المنطقة حركة، ويشهد ازدحاماً كبيراً، وليس في حالة جيّدة، ويتطلّب كثيراً من الإصلاحات.

كما أنّ الطريق نفسه يمتدّ للوصول إلى رأس الخيمة، ويشهد حركة متواصلة وثقيلة في نقل الأفراد وفي الشحن، وما يحصل من تطوّرات سكّانيّة ومعماريّة ونهضويّة بدبي، وهذه التطوّرات السريعة، مع تزايد المركبات في الشوارع، وكثرة عربات النقل والشحن، ممّا يسبّب إرباكاً في السير، ويتطلّب إعادة النّظر في قوانين المرور والسير في الإمارة، إضافةً إلى تزايد أعداد السّكّان والمقيمين، وهذا بلا شكّ يضغط كثيراً على المتوافر من شوارع وطرقات.

كلّ ذلك يؤدّي إلى تزايد أعداد السيّارات مقارنة بأعداد السّكّان، وهذا واضح عبر تسجيل المركبات في دبي، إضافة إلى العربات الداخلة والمغادرة، كما توقّع التقرير أنّ أبوظبي مقبلة على نقلات نوعيّة كبيرة، وقفزات نهضويّة واسعة وخاصّة مع مبشّرات استكشاف النّفط في الإمارة، وحين حدوث هذه الطفرة الاقتصاديّة فإنّها بلا شكّ سوف تؤدّي إلى تغيّرات في البنية التحتيّة للمدينة وبالذّات في ما يتعلّق بالعمران والطرق والشوارع والمرور.

تحسينات إضافيّة

وبناءً على التقرير، بدأ إجراء تعديلات على قوانين السير في إمارات الساحل ففي أبوظبي، ونظراً للتطوّرات النّهضويّة بدأ تحديث القوانين عام 1957، ثم 1961، ثم 1963، ثم تعديلاته في عامَي 1965 و1966، ثمّ 1969.

وهي لوائح متطوّرة تنظّم السير في طرقات الإمارة من حيث المركبات، وفيه إشارات لطرق السير، والتوقّف على الطرقات، واستخدام الفرامل، والركّاب، وأعدادهم، إضافةً إلى إجراءات الحوادث والإصابات والتسبّب فيها، وتحمّل الإصابات من قِبل السائقين المتهوّرين.

وفيها توجيهات عامّة وواضحة للسائقين بعدم الانشغال عن السياقة، والانتباه حين السياقة في الأماكن العامّة، وأخذ الحيطة والحذر، وتحديد السرعات داخل المدن والقرى بل حتى ركوب الأشخاص وبروز أجسادهم خارج الإطار العام للمركبة، وفيه اشتراط لياقة وصلاحية السائق للسياقة من سلامة الحواسّ، وحُسن النّظر، وما تضمّنت تلك اللوائح من نقل الاختصاصات بين جهات العمل المشرفة على السير، وأُطلق على هذه الأنظمة كلّها اسم «المرسوم الأميري الخاص بالسير والمرور في إمارة أبوظبي».

واتسمت القوانين برقيّ البنود والموادّ من حيث امتلاك السيّارات، وتسجيلها، ولوحات السيارات وأنواعها، وتخطيط الحوادث، والإصابات، والأخطاء، والمخالفات وغيرها.

نهضة دبي

تميّزت إمارة دبي منذ نهاية الخمسينيات بصدور بعض أنظمة السير تباعاً حتى تكاملت مع المرسوم الأميري لعام 1967، ثمّ تعديلاته 1968.

قانون حركة السير على الطرق لعام 1967، وعمل به من 1 يناير 1968، وفيه تعريفات للمركبات، وتصنيفها حسب أنواعها، وأوزانها، ولم تكن إمارة الشارقة بعيدة عن مثل هذه الإجراءات التنظيميّة التي تهدف في النّهاية إلى حماية الجمهور وإحاطتهم بشيء من الرعاية، إذ ومنذ نهاية عقد الخمسينيات بدأت قوانين المرور تصدر تباعاً بناء على الحاجة والتطوّرات الحاصلة في إنشاء الشوارع المسفلتة، إضافةً إلى إنارة الشوارع، وتنظيفها، وتحديد مساراتها، ومواقف السيارات على جوانبها وفق خطّة تنمويّة متكاملة، وبناء على ميزانيّة ضخمة محدّدة، وتكامل ذلك مع المرسوم الأميري لعام 1967، ثم 1968، ثمّ تعديلاته عام 1969، الذي احتوى كلّ الأنظمة السابقة، وعدّل فيها، وأدرجها ضمن إطار واحد متكامل.

تعريفات وشروح

وهذا المرسوم بموادّه وبنوده متطوّر جدّاً مقارنة بما تمّ من إجراءات قانونيّة مشابهة في منطقة الخليج العربي، وفي هذا القانون المنظّم تعريفات وشروح لألفاظ المركبات والأوزان وعلامات المرور، وسيّارات الأجرة، والسيّارات العامّة، وسيّارات الشحن والنقل. وفيه إشارة واضحة إلى وجوب التزام السائقين الجانب الأيمن من الطريق.

ومن أهمّ التنبيهات ضرورة الالتزام بخطّ السير المحدّد، وعبور الحيوانات السائبة، إضافةً إلى إشارات المرور، وتحديد السرعات، وشروط النّقل، بل احتوى القانون على إصلاح أعطال السيّارات في الكراجات، وضرورة وضوح إضاءات السيّارات، والمحرّكات، والفرامل، وامتحان السائقين، وتسجيل المركبات، واللوحات، والأرقام، ورخص القيادة التجاريّة، والخاصّة، والملكيّات، وفي كلّ هذه القوانين جرى تأكيد رخصة القيادة، وأنّه لن يُسمح لأيّ شخص بأن يقود مركبته في الأماكن العامّة، ومدّة الرخصة عام واحد، ثم تجدّد بعد ذلك كلّ عام.

رخصة متطوّرة

وفي رخصة قيادة رأس الخيمة، ومن قسم عُرف آنذاك بـ«دائرة قلم المرور» عام 1964، مدوّن عليها، الرقم المتسلسل، واسم الشخص، وعنوانه، وتاريخ صدور وانتهاء الرخصة، مذيّلة بتوقيع ضابط المرور (بهذا المسمّى تحديداً).

ويشتمل الدفتر على تعليمات عامّة، أهمّها: ضرورة التأكّد من صلاحية السيّارة، وتحذيرات الوقوف في الأماكن المحظورة، وضرورة التوقّف على يسار الطريق، والانتباه إلى الانعطافات. واستعملت لفظة «قلّاب النّور»، أي الإضاءة العالية، وتعليمات تمسّ المحافظة على الرخصة، وفيها تحديداً: «لا يجوز أن تسلّم سيارتك لشخصٍ لا يحمل رخصة سياقة رأس الخيمة».

أي أنّه لكلّ إمارة رخصة سياقة خاصّة بها لا تصلح للقيادة في إمارة أخرى. وهذا غريب جدّاً. ومن الغريب كذلك أنّ كلّ سائق لا يخالف هذه التعليمات يعاقب بالحبس أو الغرامة أو بكِلتَي الغرامتين، والدفتر مكتوب بالعربيّة والإنجليزيّة، وفيه أنّ تجديد الرخصة يتمّ سنويّاً، لكن الذي لفتَ نظري أنّ ترجمة «دائرة قلم المرور» هي (TRAFIC DEPARTMENT).

مظاهر جديدة

يتّضح بعد هذا الاستعراض أنّ إمارات الساحل، مرّت بمراحل تطوير متلاحقة حتّمتْها الظروف الاقتصاديّة، والأحوال السياسيّة، والجوانب الإداريّة، وشيئاً فشيئاً حتى شملت النّهضة كلّ مناحي الحياة، واندمجت المظاهر الجديدة ضمن الإطار العام للمجتمع المحلّيّ.

استجابة تنموية

إنّ من جماليّات قوانين السير والمرور الأولى في إمارات الساحل هو حرصها على إثبات الملكيّة لكل صاحب مركبة، وتسجيل ذلك، وإن تمّ بيع المركبة لشخص آخر فلا بدّ من تسجيل ذلك، وهذه اللوائح المنظّمة للسير والمرور في الإمارات الثلاث صدرت متزامنة، وهي متشابهة في الأحكام والمواد والبنود، ومع ذلك فإنّ هذه القوانين تعدّ استجابة للتطوّرات الكبيرة التي شهدتْها إمارات الساحل في عقد الستينيات ممّا تطلّب استجابة مباشرة من قِبل الحكومات المحلّيّة لحفظ الأمن وإثبات النّظام في طرق الإمارات، خاصّةً بعد تعقّد أمور الحياة في المنطقة عموماً وهجرة آلاف من الخارج للإقامة والعمل في إمارات الساحل بعد اكتشاف النّفط، والتوسّع في الأعمال الإنشائيّة، وبروز النّهضة الشاملة للمنطقة، ولهذا كانت قوانين المرور من أهمّ القوانين المنظّمة لاستخدام المركبات على شوارع الإمارات آنذاك.