تجربة فريدة للتسوّق في «دانة الدنيا»

سوق التوابل والعطور.. عبق الماضي وألق الحاضر

رائحة الورد المجفف، ترافقها روائح التوابل، تلك أولى الروائح التي تتنسمها بمجرد أن تضع قدميك في أحد أسواق دبي التقليدية، لتتلمس السحر الكامن في زوايا هذه الأسواق، التي تفيض برائحة الأجداد، وأولئك الذين مروا في طرقات المكان، تاركين خلفهم بصمات لا يمكن للضجيج وأصوات الباعة التي تملأ فضاء المكان أن تمحوها.

تلك الأسواق تكشف عن وجه دبي الأصيل، حيث تتجسد الثقافة الإماراتية الأصيلة، ويطل التراث برأسه من بين ثنايا المحال التجارية، التي يمكنها أن تمنح زوارها تجربة أخرى، لا سيما عندما يدور الحديث عن أسواق الذهب والعطور والتوابل والأقمشة، التي تقع على الجانب الآخر من خور دبي، الذي طالما مثّل ولا يزال شريان الحياة في «دانة الدنيا».

تحديات الزمن

سنوات طوال مرت على رؤية أسواق دبي التقليدية للنور، لم ترضخ خلالها لتحديات الزمن، وتمكنت في كل مرة من ارتداء حلة جديدة، قادرة على إرضاء شغف كل من يزورها.

فأضحت اليوم وجهة للسياح، وأولئك الذين يمرون في دبي وطرقاتها، والباحثين عن شيء ما يذكرهم بالماضي، وبرائحة الأجداد والآباء الذين اجتهدوا في إقامة أعمدة هذه الأسواق، لتلبية احتياجات المدينة عندما كانت بيوتها تلف جانبي الخور، كوشاح جميل، حيث دأبت على استقبال التجار الذين تعودوا أن يحطوا رحالهم في دبي، أثناء مضيهم في تجارتهم.

بتلات الورود ومنتجات طبية تقليدية وهيل وزعفران، وتوابل مختلفة بأسمائها وجنسياتها وأماكن زراعتها، تتربع في أكياس ضخمة، إلى جانب أنواع عديدة من الأعشاب العطرية، لتشكل معاً بألوانها الزاهية قوسَ قزح طبيعياً، رائحة تلك المواد والتوابل تكاد تلف كل زوايا وأزقة سوق التوابل الواقع في ديرة دبي، الذي سلطت التلغراف الضوء عليه في تقرير لها نشرته أخيراً.

حيث تتكدس جميعها في أكياس وسلال كبيرة أمام المحال التجارية، التي لا تكاد عتباتها تهدأ من خطوات السياح، الذين يقصدونها أملاً في الحصول على مبتغاهم، وللتعرف على جزء من تاريخ دبي، وبعض من ملامح عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي الذي يولي هذه التوابل أهمية عالية، حيث تشكل جزءاً أساسياً من المطبخ الإماراتي الغني، في حين تذكر الأعشاب الطبية بالطرق القديمة التي دأب الأجداد على سلوكها في علاجهم للأمراض، في سياق تعاملهم مع «الطب الشعبي».

تصميم فريد

على الضفة الشمالية للخور يقع سوق التوابل، وهو من أقدم أسواق دبي التقليدية وأكبرها، حيث تشير المصادر إلى أنه شيّد منذ ما يزيد على 160 عاماً، يتفرد السوق بطريقة تصميمه وبنائه التراثي، فكل محاله التجارية مغطاة بدعائم خشبية مصنوعة من سعف النخيل، وكانت بضائعه ولا تزال تأتيه من مختلف دول العالم.

حيث ترسو السفن على ضفة الخور قبل أن تنقل البضائع إلى محاله التجارية. لا يزال سوق التوابل يتمتع بوهج خاص، قادر على إغراء السياح، وزوار المدينة، الذين يقصدونه للحصول على هدايا تذكارية، ورغم اختلاف حاجات زواره فإن اللافت في هذا السوق هو قدرته على جذب الجميع، الأمر الذي أسهم في تحويله إلى واحة من التمازج الثقافي.

حيث تجتمع تحت سقفه ثقافات الدنيا، التي تكاد تعكسها طبيعة التوابل ونكهاتها وروائحها التي تعبق في فضاء المكان الذي تتوافد عليه أفواج السياح مع إطلالة كل صباح، ليتنسم الجميع رائحة الأعشاب التي تستوطن المكان، وتحتل الجزء الأكبر منه.

سحر العطور

في مكان غير بعيد عن سوق التوابل، وتحديداً في شارع «سكة الخيل»، يقع سوق العطور، ذاك الذي يتربع على عرش قلوب زواره من حول الدنيا، الذين سرعان ما يقعون في غرام سحر روائحه العطرية العربية والعود والبخور التي تكاد تلف المكان، الذي يمكن أن يجد فيه الزائر كل ما يخطر على باله من عطور، بدءاً من النقية ومروراً بالزيوت الأساسية، وليس انتهاء بالعود والبخور، التي تكاد تشكل جزءاً أساسياً من ثقافة المجتمع الإماراتي الذي يعشق الروائح العطرية، ويمنحها في نفسه مكاناً عالياً.

كُثُر هم الذين يعتبرون دبي سوقاً دولياً للعطور، وتلك حقيقة لا يمكن تجاهلها في ظل ما تشير إليه إحصاءات دائرة الجمارك في دبي، بأن حجم الإنفاق على العطور في الإمارات وصل إلى 2.2 مليار درهم خلال العام الماضي فقط، فيما وصل حجم تجارة دبي الخارجية من العطور إلى 6.85 مليارات درهم خلال العام الماضي، الأمر الذي مكّن دبي من التحول إلى أكبر سوق للعطور في المنطقة.

ليس تنسم روائح العطور فقط هو الفائدة التي يمكن أن تجنيها خلال تجوالك بين أروقة سوق العطور في دبي، فمن خلالها يمكنك أن تتعرف على طبيعة الثقافة الإماراتية في هذا الشأن، وكيف يتعامل أبناء المجتمع المحلي مع العطور، علماً بأن ما يميز سوق العطور هو منح رواده فرصة صناعة العطر المفضل لهم في المتجر، خاصة لأولئك الذين يفضلون العطر الشرقي التقليدي ذا القعدة الزيتية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات