كان الأهالي يقبلون على تطعيم أطفالهم فيما مضى دون طرح الكثير من الأسئلة، بيد أن الصورة اختلفت اليوم، مع نمو حالة من «التردد في أخذ اللقاح»، أقله في البلدان الغربية، بسبب مخاوف متصورة، وتفشي مناخ عام من التشويش وعدم الثقة حيالها، ساهمت في تناميه بعض الأصوات التي كانت تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأخيراً مع تفشي مرض الحصبة من جديد في مناطق عديدة من العالم، بسبب ترك الأهل أطفالهم دون تطعيم أو تأخير جرعاتهم، اشتعل الجدل القديم مجدداً، «هل ينبغي أن يكون التطعيم إلزامياً أم اختيارياً للأهل؟».

تفيد دراسة بحثية لمعاهد الصحة الوطنية الأميركية بعنوان «حركة مناهضة التطعيم: تراجع الطب الحديث» أن الأصوات التي تنتقد التطعيم تأتي بنظريات تربط اللقاحات بمجموعة من المشكلات الطبية، وتطرح تساؤلات حول أهمية التطعيم بلقاحات جديدة لا ينظر إليها على أنها إنجازات طبية، بل تجاوزات لصناعة تتوخى الربح، وأنه مع كل ما أنجزته تلك اللقاحات وما بذله المجتمع الطبي من تحسينات عليها، كانت تلك الأصوات تجذب المزيد من الناس أخيراً.

رفض التطعيم

وكان رفض التطعيم قد لحق تحديداً بطُعم «الحصبة والنكاف والحميراء» أو «أم أم أر» بعد دراسة واحدة لطبيب بريطاني يدعى، أندرو وايكفيلد، ربطت اللقاح بالتوحد، وهو الأمر الذي يشير إلى مدى هشاشة وضع الصحة العامة عموماً.

وعلى الرغم من الدراسات العديدة التي نشرت لاحقاً لتفنيد دراسته ومنعه من ممارسة الطب، كانت الفكرة قد انتشرت حيث أفادت الإحصاءات إلى تراجع معدل التلقيح «أم أم أر» في بريطانيا من 92% عام 1996 إلى 61% عام 2003 في بعض مناطق لندن، مما أدى إلى تفشي الحصبة.

لكن الامتناع عن أخذ اللقاحات يشكل تهديداً لمناعة الجماعة، تفيد الدراسة، لا سيما في ظل مجتمعات أكثر ارتباطاً، فيما الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يحمي السكان ضد انتشار سريع له، هو عندما تصبح نسبة عالية من السكان محصنة للمرض مما يؤمن حماية للأفراد غير المحصنين. وأخذا في الاعتبار الطبيعة المعدية السريعة لمرض الحصبة الذي تفشى، كانت التوصيات بنسبة تطعيم 96%-99%.

الملفت هو أن فكرة مناهضة التطعيم ليست جديدة، كانت بعض المجتمعات قد طرحت أسباباً دينية أو شخصية، لكن اليوم هناك تحول جديد مع انتقال المعرفة التي كانت في الكتب إلى الإنسان العادي، وبناء على ذلك، تحذر الدراسة من تأثير نشر معلومات خاطئة ومضللة على الإنترنت، فيما تنقص الكثيرون المعرفة والثقافة الصحية الأساسية حول الطريقة التي تعمل اللقاحات، والمعلومات الدقيقة حول التأثيرات المحتملة لعدم قيامهم بذلك. وكان بحث قد أظهر أن 32% من أفلام الفيديو على يوتيوب هي معارضة للتطعيم، وبمشاهدة أعلى من فيديوهات مؤيدة للتطعيم.

ممارسة الاستقلالية

في صلب الجدل الدائر هناك حق ممارسة الاستقلالية. تؤكد الدراسة أن ممارسة الاستقلالية ورفض التطعيم هو أمر مقبول لقضايا شخصية حساسة، بيد أنه عندما يؤثر سلباً على «المناعة الجماعة»، من الضروري حينها النظر في تحقيق المصلحة الأفضل للمجتمع ككل، وهي تدعم التطعيم الذي تنظمه الدولة للأطفال في المدارس بتبرير القاعدة النفعية تلك «أفضل نتيجة لأكبر عدد من الناس في المجتمع»، وتقبل بالاستثناء إذا كان المجتمع ضمن حدود مناعة الجماعة، كاستثناء يمنح لعدد صغير من الأفراد الذي بحاجة إليه بدلاً من أولئك غير المقتنعين به.

حق اختياري

المناهضون لإلزام التطعيم، عموماً، يدعون إلى الحق في أن يكون الناس على إطلاع كامل بشأن تركيبة اللقاحات وتأثيراتها طويلة الأمد، ويؤكدون أنهم في الواقع ليسوا مناهضين للقاحات بحد ذاتها، بل يريدون حقهم في الاختيار، وتفيد مسؤولة «كونداف»، المنظمة المناهضة للتطعيم الإلزامي، أنه من المهم عدم إجبار الأهل الخائفين لأي سبب كان، مثبت علمياً أم لا، تطعيم أطفالهم بأي ثمن.

وتقول إنه لا بأس من الحصول على لقاح زائد واحد في أوضاع طارئة، طالما يجري الإقرار باحتمال آثار جانبية وتوفير المساعدة إلى الأهل، كما تفيد بأنها لا تمانع التطعيم لكن ليس أخذ اللقاحات العشرة كلها في الوقت نفسه، وترى إمكانية أن تكون هناك 4-5 لقاحات إلزامية، لكن مع ترك اللقاحات الأخرى لخيار الأهل.

لقاحات كثيرة بعمر صغير

يعرب أنصار هذا الرأي عن قلقهم من إلزام الأهل بـ10 لقاحات لأطفالهم الصغار، ويصفون الأمر بـ«لقاحات كثيرة للغاية، بوقت مبكر للغاية» ويرددون «نحن لم نحصل على هذا الكم في أوقاتنا». يخشون ألا يتحمل الجهاز المناعي لطفلهم عدد الجرعات، لاسيما بعد مزجها في طُعم ثلاثي، ويؤكدون أنه لا يوجد جدول تطعيم واحد، وأن هناك اختلافاً بين الدول بشأن إلزامية التطعيم. فمن أصل 31 دولة أوروبية 9 بلدان لديها لقاح «أم أم أر» إلزامي.

يرد مؤيدو التطعيم على ذلك بالقول إن جدول التطعيم مصمم حتى تُمنح اللقاحات في أصغر سن يمكن للجهاز المناعي للطفل الاستجابة معه. وكلما انتظر الطفل أكثر زاد خطر أن يتعرض للمرض وهو غير محمي، وأن منافع حماية الأطفال تطغى بشكل هائل على المخاطر.

يقرون بأن هناك استثناءات لدى الأشخاص المصابين بحساسية خطيرة لبعض مكونات اللقاح، أو من يعاني من ضعف جهاز المناعة، لكنهم يضيفون أن كمية المستضدات التي يحاربها الجسم كل يوم تتراوح بين 2- 6 آلاف، وهي أكثر بكثير من مزيج اللقاحات في الجدول الأميركي الذي يصل إلى 150، ويؤكدون أنهم تمكنوا من تصميم لقاحات توفر الحماية بـ«مستضدات» ومواد حافظة أقل من السابق، حيث تراجعت البروتينات البكتيرية والفيروسية من 3 آلاف في النسخ القديمة للقاحات وفق الجدول الأميركي إلى 150-204 فقط بعمر 12 شهراً، مع زيادة الحماية من 7 إلى 14 مرضاً.

ويدافعون عن مزج المستضدات لعدة فيروسات أو بكتيريا في جرعة واحدة، لأنه برأيهم عندما يجري منح اللقاحات كلٌ بشكل منفصل، تزداد كمية المستضدات كذلك المواد الحافظة لتوليد استجابة الجهاز المناعي الضرورية.

أضرار كبيرة

يعتقد الأطباء أن العديد من الأهل غير واعين بمخاطر تلك الأمراض المعدية على الأجيال السابقة، بما في ذلك الجدري والحصبة، ويظنون أن تلك اللقاحات لم تعد ضرورية لأطفالهم. وفيما العدوى الطبيعية قد توفر مناعة أفضل من التطعيم، لكن ذلك على حساب مخاطر كبيرة، فالطفل المصاب بالحصبة يعاني من حمى عالية، ومن دون رعاية طبية لائقة قد يصاب بالتهاب في الدماغ وحتى الوفاة.

كما أن عدوى الجدري قد تؤدي إلى مضاعفات التهاب رئوي، وعدوى النكاف الطبيعية الصمم. ويقولون إنه إذا طور الطفل رد فعل مهدد للحياة من لقاح معين، فإن جرعات إضافية من هذا اللقاح لا تُمنح له. لكن عندما يختار الأهل عدم تطعيم أولادهم، فإنهم يعرضونهم كما غيرهم غير المحصنين، لمخاطر كبيرة.

عدم ثقة

تربط دراسة نشرت في «المجلة الأوروبية للصحة العامة» التشكيك باللقاحات عبر أوروبا بزيادة شعبية الأحزاب الشعبوية، فهناك عدم ثقة بالنظام ومؤسساته، وهذا الموقف كان يلقى دعماً من حركات سياسية شعبوية تشكك بالنخب والحكومات وشركات الأدوية وتدفع بنظريات المؤامرة.

وكان موضوع التطعيم قد احتل الأجندة السياسية بعد تفشي الحصبة في عدد من الدول، وفي إيطاليا، تراجعت الحكومة عن قرار سابق بـ10 لقاحات إلزامية إضافية على الأطفال قبل تسجيلهم في المدرسة، وذلك في فترة انتخابات مارس 2018، حيث دعم الائتلاف الحاكم المناهضين للتطعيم الذين طالبوا بعودة إيطاليا إلى أربعة تطعيمات إلزامية فقط، لكن إيطاليا عادت وفرضت التطعيم الإلزامي ل10 لقاحات مع تغريم الأهل بعد تفشي الحصبة.

عضو البرلمان الأوروبي، بيرنيكولا بديسيني، من التيار الشعبوي «أوروبا من أجل الحرية والديمقراطية المباشرة»، في مقالة بعنوان «هل ينبغي أن تكون اللقاحات إلزامية؟» قال إن التطعيم الموصى به يسعى إلى تشجيع الممارسة الواعية للاختيار الحر كأساس لأي إجراء وقائي فعال، وفي هذا الخيار الثاني تلعب العيادات والأطباء دور الوسيط بين المؤسسات والعوائل بهدف معالجة مخاوف اللقاحات، فيما اللقاح الإلزامي يعني إزالة هذا الجزء من المسؤولية عن كاهل الأطباء ودفع الأهل للقيام بأبحاثهم الخاصة، مما يقوض الموافقة والثقة، وهو يشكك بفعالية سياسية التلقيح الإلزامية، مشيراً إلى فعالية العديد من البرامج دون إلزام.

لكن منظمة الصحة العالمية والعديد في المجتمع الطبي يعتقدون بأن التردد في أخذ اللقاح تهديد كبير للصحة العامة، لا سيما في ظل النقص في الثقافة الصحية المتعلقة بالتطعيم، وسيطرة الإنترنت على المشهد.