مهرجانات السينما العربية محدودية الإمكانات تعوق المنافسة العالمية

تعاني مهرجانات السينما العربية، التي تعقد سنوياً في معظم دولنا العربية، ضعفاً في الإمكانات ينعكس على مدى قدرتها على منافسة نظيراتها العالمية، على الرغم من مضي عقود على بعضها، لدرجة يمكن معها «الجزم» بأنها أصبحت على مستوى عالٍ من الخبرة في تنظيم الفعاليات واستقطاب أفضل الأفلام العربية والعالمية، ورغم ذلك لا تزال المسافة بيننا وبين مهرجانات عالمية مثل كان وفينيسيا وبرلين واسعة.

وبالنظر إلى «عمرها المديد» لم تستطع المهرجانات العربية أن تضع أقدامها على الساحة العالمية، الأمر الذي لم يؤهلها بعد لترشيح الأفلام العربية وتحديداً للجوائز العالمية مثل الأوسكار وغيره، كما أنها لم تعد مصدراً مهماً يمكن الاستناد إليه لاختيار الأفلام والاستحواذ على ملكيتها الفكرية، من أجل عرضها في دول العالم، وهو عادة ما تتولاه الأسواق التي تقام على هامش بعض المهرجانات العالمية مثل كان السينمائي، التي يعد سوقها من أهم الأماكن التي تجمع منتجي الأفلام وصناعها والعاملين في هذا القطاع.

فقدان المهرجانات العربية، التي تعودت سنوياً مد سجادتها الحمراء، أمام ثلة من النجوم العرب والأجانب، للبريق الجاذب، الذي دعا الكثير من الأفلام العربية إلى هجران مهرجانات المنطقة، والبحث عن موطئ قدم لها في المهرجانات العالمية، له أسباب عديدة، لعل أهمها يكمن في محدودية انتشار وتأصل الثقافة السينمائية في المجتمعات العربية، إلى جانب عدم وجود الدعم المعنوي والمادي اللازم لهذه المهرجانات، وفق ما أدلت به الآراء التي استطلعتها «البيان» في هذا الإطار، التي خلصت إلى أن نجاح أي مهرجان سينمائي ينبع من مدى تأصله في أي خطة ثقافية شاملة لأي دولة، إلى جانب التركيز على آليات صناعة الإنتاج العربي، الذي يشكل المحرك الأساسي لأي حدث سينمائي.

 

تقول الشيخة جواهر بنت عبدالله القاسمي، مدير مؤسسة فن، مدير مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل: «بلا شك أن السينما أصبحت ضمن المنظومة الثقافية العربية بشكل عام، وفي منطقتنا العربية تقام العديد من المهرجانات السينمائية، ولمعرفة تأثيرها، أعتقد أنه يجب علينا بداية أن نستكشف مدى اهتمام الدول التي تقام فيها هذه المهرجانات بالثقافة السينمائية، علماً بأن الكثير من المهرجانات لم تعطَ المساحة المطلوبة لها، بسبب طبيعة الثقافة التي تحكم بعض دولنا العربية بشكل عام، إلى جانب ذلك فقد لعبت التقلبات السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية، دوراً مهماً في التأثير على مدى انتشار المهرجانات السينمائية العربية». وأضافت: «هناك سبب آخر، علينا الانتباه له، أن صناعة السينما عربياً مقارنة مع الفنون الأخرى مثل الموسيقى والمسرح والأدب، لا تزال جديدة، وبالتالي فنحن نحتاج إلى فترة زمنية أطول لتأصيل هذه الثقافة في المجتمع، ويضاف إلى ذلك، أن المهرجانات السينمائية تحتاج إلى الدعم المادي، سواء الحكومي أو الخاص، حتى تتمكن من التوسع والانتشار، وبالتالي امتلاك قدرة التأثير على صناعة السينما، فضلاً عن ذلك، تحتاج المهرجانات إلى التسويق والدعم الإعلامي وغيرها، من أجل ضمان توسعها سواء في الدول التي تقام فيها أو خارج الحدود».

جواهر القاسمي، سلطت الضوء على تجربة مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل، بقولها: «منذ انطلاقتنا ونحن نسعى إلى توسيع دائرة المهرجان داخل الإمارات أولاً، ومن ثم الانطلاق به نحو العالم، وذلك لإيماننا أنه لا فائدة من وصول المهرجان إلى الخارج، طالما لم يحقق الانتشار المطلوب منه داخلياً، ولذلك فإن استراتيجيتنا تقوم بالأساس على الاهتمام بتوسيع قاعدة المهرجان الجماهيري محلياً، ومن ثم تقديمه إلى العالم».


دعم

عدم توافر الأرضية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية اللازمة لضمان قوة أي مهرجان، تعد واحداً من الأسباب المهمة التي لم تمكن المهرجانات العربية من التحول إلى عالمية، بحسب المخرجة اللبنانية زينة صفير، مدير مهرجان أيام بيروت السينمائية، التي أشارت إلى أن «أيام بيروت هي مهرجان مستقل، لا يعتمد على دعم أي جهة خاصة أو حكومية، وهو مهرجان عربي الطابع، ويقام كل عامين تقريباً». وقالت: «أعتقد أن أي مهرجان سينمائي لا يمكنه السير وحيداً، فهو يعد جزءاً من الخطة الثقافية الشاملة لأي دولة، وبالنسبة لنا في لبنان، تقام العديد من المهرجانات السينمائية، ولكنها في النهاية عبارة عن مبادرات فردية، بما في ذلك مهرجان بيروت السينمائي الدولي، وأعتقد أنه علينا أن ندرك أن الاستقرار السياسي والاقتصادي يلعب دوراً إيجابياً في تقدم أي مهرجان سينمائي، ليس في المنطقة العربية فقط، وإنما على مستوى العالم أيضاً».

وأشارت صفير إلى أن مهرجانات كان وفينيسيا وبرلين، التي تعد الأقدم على مستوى العالم، تعمل وفق منظومات عمل متطورة. وقالت: «تطور منظومات العمل في هذه المهرجانات لا يقتصر فقط على مستوى العرض، وإنما يشمل ذلك عمليات الإنتاج والتنظيم والتسويق، وغيرها، والتي تشكل عناصر أساسية في رفعة وارتقاء أي مهرجان سينمائي، فضلاً عن أن هذه المهرجانات تقام في دول تأصلت فيها الثقافة السينمائية، وتمتلك حضوراً جماهيرياً واسعاً، الأمر الذي ساعد على نجاحها، وفعل قدرتها على استقطاب الأفلام العالمية والعربية على حد سواء».

 

منصات انطلاق

الناقد الكويتي عبدالستار ناجي، ذهب في حديثه نحو آليات صناعة الإنتاج السينمائي العربي، معتبراً أنها تشكل الخلل الرئيس في عدم وصول المهرجانات السينمائية العربية إلى العالمية، لتضاهي مهرجانات كان وفينيسيا وبرلين وغيرها. وقال: «الترشيحات الأخيرة لجائزة الأوسكار 2019، التي وصل فيها فيلم «كفر ناحوم» إلى القائمة القصيرة، تكشف عن وجود جملة أفلام عربية جيدة، مشغولة بطريقة احترافية، يمكن أن تعكس صورة جيدة عن السينما العربية، ولذلك أعتقد أن الخلل الرئيس في عدم وصول المهرجانات العربية السينمائية يكمن في طبيعة آليات عمل صناعة الإنتاج السينمائي العربي، التي بات ينحصر تفكيرها فقط في «جيب المشاهد» قبل عقله ووعيه وقضاياه، ولذا تبدو السينما العربية بعيدة عن الإنسان وقضاياه وهذا ما يقلص حضورها في المهرجانات العربية التي تمثل منصات للانطلاق عالمياً».

وأضاف: «أعتقد أن عمليات اختيار الأفلام في أي مهرجان سينمائي، تعد الأهم لأنها تعكس طبيعة توجه المهرجان ومدى قدرته على استقطاب الأعمال الجيدة التي تعكس الواقع الإنساني، وفي معظم المهرجانات السينمائية العربية، تذهب عمليات الاختيار في أحيان كثيرة، إلى مجاملة المنتج أو المخرج أو حتى نجم العمل، الأمر الذي ينعكس سلباً على حضور الفيلم في المهرجان، وهو ما يؤثر أيضاً سلباً على صورة المهرجان على الساحة العالمية، ولذلك نجد أن الكثير من صناع السينما العربية الجادة، يلجؤون إلى إرسال أعمالهم إلى مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا، أو حتى مونتريال وغيرها، لإيمانهم أنها ستأخذ حقها من العرض والنقد والمشاهدة الجماهيرية».

وأشار ناجي إلى أن «مهرجان دبي السينمائي، كان الأقرب إلى الاحترافية العالية في الاختيارات والتنظيم، ولذلك تحول إلى منصة عربية حقيقية ساعدت العديد من الأعمال السينمائية العربية على الانتقال نحو فضاءات أوسع وأرحب».

 

استسهال

أما الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي، فأشار إلى أن مهرجانات السينما العربية تحاول أن تتواجد على الساحة العالمية، مبيناً أن تجربة «دبي السينمائي» كانت الأنجح عربياً في هذا الشأن مقارنة مع بقية المهرجانات العربية.

وقال: «لدينا حالياً أيام قرطاج السينمائية التي تقام في تونس، والذي يعد أقدم مهرجان عربي، حيث يقام منذ 1966، ولكن توجهه عربي أفريقي فقط، بينما «القاهرة السينمائي» الذي بلغ الـ40 في عدد دوراته، بدأ يسير نحو الأفضل بعد سلسلة التغيرات التي شهدها خلال السنوات الأخيرة، في حين أن مهرجان الجونة بدأ قوياً رغم أن عمره سنتان فقط، ورغم ذلك يبقى القول إن كافة المهرجانات العربية لا تزال بعيدة عن الساحة العالمية، والمسافة الفاصلة بينها وبين مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا، لا تزال واسعة، وأعتقد أن ذلك يشكل سبباً مهماً في عدم حصول السينما العربية حتى الآن على جائزة الأوسكار، رغم وصول بعض أفلامها إلى القائمة القصيرة، والأمر ذاته ينسحب على «سعفة كان الذهبية» التي حصلت عليها قلة قليلة من الأفلام العربية».

نظرة السيناريست المصري خالد يوسف، إلى واقع المهرجانات السينمائية العربية، بدت غير متفائلة، حيث قال: «أعتقد أن السبب الرئيس في عدم وصول مهرجاناتنا العربية إلى المستوى العالمي، لتنافس مهرجانات كان وفينيسيا وغيرها، الاستسهال بالدرجة الأولى، وقد يكون هناك اجتهاد في تقديم سينما عربية جيدة، ولكن يظل التنفيذ لدينا عادياً وليس على قدر كبير من الحرفية، رغم امتلاكنا الكوادر المؤهلة لذلك. وبتقديري أن هذه المهرجانات تحتاج إلى عملية تسويق محترفة وخطة جيدة من أجل نقل السينما العربية وأعمالها نحو مكان أعلى».

خالد يوسف أشار إلى أن السينما العربية متواجدة طوال الوقت في كافة المهرجانات حول العالم، وقال: «لدينا حضور عربي «قل أو زاد» في المهرجانات الكبرى، وهذا الأمر ليس جديداً فقد سبق للمخرج الراحل يوسف شاهين أن تواجد مرات عديدة في مهرجان كان السينمائي، وغيره من المخرجين والمنتجين العرب، ولكن تظل محاولاتنا قاصرة على مستوى المشاركة فقط»، مبيناً أن قلة الإنتاج الجيد في السينما العربية، أصبحت بمثابة حاجز يمنع صناع السينما العرب من الوصول إلى العالمية.

وقال: «لدينا قلة تمكنت من اختراق هذا الحاجز واستطاعت أن توصل منتجاتنا السينمائية إلى العالم، ولكن هذه المحاولات معدودة على الأصابع، ونحن بحاجة إلى تفعيل هذا الجانب، بحيث نسلط الضوء أكثر على الفيلم العربي، الذي بتقديري سيمكن المهرجانات العربية من الانطلاق نحو العالم، وخاصة أن هناك العديد من المهرجانات الأوروبية التي تشترط عدم مشاركة الفيلم في أي مهرجانات أخرى، قبل المشاركة في هذا المهرجان أو ذاك، وهذا الشرط أعتقد أنه قادر على قتل أي إبداع».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات