لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

تملأ المكملات الغذائية رفوف المتاجر والصالات الرياضية، لكن لا شيء بينها استحوذ على تفكير الناس بقدر المكملات الغنية بالبروتين خلال السنوات العشر الماضية، وقد أصبح البروتين متوفراً في الأسواق الآن في صورة بودرة وألواح ومخفوق، إلى جانب المعكرونة والخبز والبسكويت والقهوة البروتينية، وحتى الأطعمة عالية البروتين مثل الجبنة والزبادي باتت تباع مدعمة بالبروتين، فيما الأغرب بينها قد يكون ماء «البروتين» كما لو أن المياه الطبيعية ليست صحية بما فيه الكفاية. فهل نحصل على الكمية الكافية من البروتين في نظامنا الغذائي؟

يقول الكاتب بي ويلسن في صحيفة «الغارديان» البريطانية، إن سكان الدول ذات الدخل المرتفع يتناولون بروتيناً أكثر من كفايتهم، وأن «الهوس بالبروتين» تحول في تلك البلدان إلى قلق غير مبرر، لكنه لا يستغرب ارتفاع الطلب عليه، فهو أحد المغذيات الرئيسية الثلاثة، بل يمكن القول إنه الأكثر أهمية إلى جانب الدهون والكربوهيدرات. فالبروتين من المغذيات الوحيدة التي تحتوي على النيتروجين، ومن دونه لا يمكننا النمو أو التكاثر، فيما هناك تسعة بروتينات أحماض أمينية، هي اللبنات الأساسية للأنسجة البشرية، يمكن الحصول عليها من الغذاء فقط.

لكن تعطشنا للبروتين أصبح زائداً على حده، وفقاً للكاتب، في ظل إرشادات رسمية توصي بحد أدنى 0.8 غرام في اليوم لكل كيلوغرام من وزن الجسم. ويكتب مستشهداً بأقوال خبير الصحة العامة، ديفيد كاتز، في كتابه «الحقيقة حول الغذاء»: "إن معظمنا في البلدان ذات الدخل المرتفع يركز على «مشكلة غير موجودة» في سعينا لإضافة بروتين فوق أطباقنا"، في ظل مخاوف جدية من أن تناول كميات كبيرة منه على مدى العمر يمكن أن يؤدي للإضرار بالكبد والكليتين والهيكل العظمي.

حروب التغذية

يعتقد ويسلن أن الهوس الحالي بالبروتين يعود جزئياً لأن كثيرين باتوا ينظرون إلى الكربوهيدرات أو الدهون بعين الريبة. ففي حروب التغذية، برز البروتين الأخير المتبقي بين المغذيات الكبيرة الثلاثة، في حين أن «كل هذا التركيز على المغذيات الكبيرة كان بلاءً على الصحة العامة»، وفقاً لكاتز، الذي كتب يقول: «في البداية قالوا لنا خفضوا الدهون، لكن بدلاً من تناول الحبوب الكاملة والعدس، توجهنا للوجبات السريعة منخفضة الدسم. ثم سمع مسوقو الأطعمة بشأن خفض الكربوهيدرات، فباعونا أطعمة سريعة مغذية بالبروتين بدلاً من ذلك». وعندما نتحدث عن البروتين يقول كاتز، «نحن نفصل تلك المغذيات عن مصدرها الغذائي».

ويؤكد ويلسن أن القلق بشأن البروتين كان يدفع الناس إلى تناول وجبات غذائية بكميات كبيرة من اللحوم وفول الصويا والسكريات والأطعمة فائقة المعالجة، التي يجري تسويقها كـ «بروتينات»، على الرغم من أن العديد منها لا يحوي كميات عالية من البروتين. ويؤكد أن سعينا الفردي وراء البروتين، كمغذٍ مفصول يتفوق على كل الاعتبارات الأخرى، يمكن أن يؤدي بنا إلى التصرف كما لو أننا نسينا كل شيء نعرفه عن الطعام، وهو يعتقد أن حدة شرهنا للبروتين يمكن فهمه فقط كجزء من سلسلة أوسع من معارك الحميات الغذائية التي تعود إلى نصف قرن، وربما لتصوير الدهون والكربوهيدرات، كما لو أنهما سموم في عقول الناس.

ولا تزال التوجيهات الغذائية الرسمية تصر على أن النظام الغذائي الصحي قائم على الكثير من الكربوهيدرات مع كميات محدودة من الدهون، لا سيما الدهون المشبعة. تلك الحجة وراء تخفيف الدسم تعود إلى دراسة في الخمسينات عن سبع دول للعالم الأميركي انسيل كيز. بناءً على ملاحظاته لسكان الشرق الأوسط الذين يتناولون زيت الزيتون، قال كيز إن الغربيين الأثرياء سيعانون بشكل أقل من أمراض القلب إذا ما استطاعوا الحد من استهلاك الدهون المشبعة مثل تلك الموجودة في الزبدة والدهون واللحوم. لكن تلك النصيحة تمت ترجمتها إلى نظام غذائي بنسبة عالية من السكر والكربوهيدرات عالي التكرير، وهو ليس ما توخاه خبير التغذية في الأصل، يقول ويلسن. ثم في السنوات الأخيرة، استنتج تحليل لفريق من الباحثين الكنديين عام 2015 أن تناول الدهون المشبعة ليس مرتبطاً بارتفاع مخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية أو السكري أو أمراض القلب، وجادل العالم غاري توبر، في كتابه «القضية ضد السكر»، بأن السبب الحقيقي لوباء اعتلال الصحة المرتبط بالنظام الغذائي، ليست الدهون المشبعة بل الكربوهيدرات المكررة.

وفيما تواصل الجدل، برز البروتين الفائز باعتباره الشيء الوحيد الآمن الذي يشعر معظم الناس أنهم ما زالوا قادرين على وضع ثقتهم فيه، سواء لفقدان الوزن أو لصحتهم العامة.

صرعات على الموضة

يعتقد ويلسن أن السعي وراء البروتين هو مجرد مظهر أخير لظاهرة أكبر بكثير يشير إليها مايكل بولان بـ «النزعة التغذوية»، فعلى مدى عقود، كان هناك ميل للتفكير بشأن ما نتناوله ونشربه وفقاً للمغذيات بدلاً من المكونات الكاملة الحقيقية بمختلف تعقيداتها. مزيج من صرعات غذائية على الموضة وتسويق ذكي أوصل العالم إلى هذا الوضع، يقول الكاتب. لا يهم ما إذا ركزنا على «قليل دسم» أو «قليل كربوهيدرات» أو «عالٍ في البروتين»، فإننا نرتكب الأخطاء القديمة نفسها بشأن التغذية ولكن بشكل جديد.

بشكل عام، تشكل البروتينات أشياء مختلفة لأناس مختلفين، ترمز بالنسبة إلى البعض «فقدان الوزن»، وإلى آخرين «بناء العضلات». كما تفيد الدراسات بأن البروتين هو الأكثر إشباعاً بين المغذيات الكبيرة الثلاثة. لكن المشكلة تكمن في معرفة متى يجب علينا التوقف ما أن نبدأ في التفكير بأن المزيد من البروتين هو أفضل أوتوماتيكياً، يقول ويلسن، لا سيما وأن البروتين تحول لسلعة عالمية بأرباح طائلة من المتوقع أن تصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2023، فيما يميل تقديسنا له كمغذٍ مثالي وحيد إلى تجاهلنا الكلي لكيفية إنتاجه أو للتأثيرات البيئية لهذا الإنتاج. فطالما نستهلك بروتيناً من مصادر حيوانية، فإن هوسنا بالبروتين من المرجح أيضاً أن يكون مدمراً لكوكب الأرض، يؤكد ويلسن.

تصورات خاطئة

ما يزيد الطين بلة هو اعتبار البروتين النباتي مثل العدس والحمص على أنه «منخفض الجودة» بالمقارنة مع اللحوم والبيض والألبان، على الرغم من الاكتشاف الهام لأستاذ الطب في جامعة ستانفورد، كريستوفر غاردنر، بأن جميع مصادر البروتين النباتية تحوي الأحماض الأمينية الأساسية جميعاً، إنما بتركيز أقل. ليبقى جانب آخر من المشكلة يتعلق باحتواء البقوليات مثل العدس على حوالي 25% بروتين، ولكن أيضاً على 25% كربوهيدرات، وفقاً للكاتب، حيث يسأل الناس: "هل البقوليات بروتينات مفيدة، أم كربوهيدرات مضرة؟

يرى ويلسن أن الناس الذين يتجنبون تناول أي وجبة دون «بروتين»، ليسوا من ضمن الملايين الذين يشملهم نقص البروتين كمشكلة ملحة، فالأبحاث تفيد بأن البروتين ليس مطلوباً بالمعنى المطلق كمادة أساسية، لكن بنسب معينة إلى عناصر غذائية أخرى. فإذا كان العديد منا يفرط في تناول الطعام، فقد يكون ذلك عائداً جزئياً لأن أجسادنا تسعى بشدة للبحث عن البروتين في بيئة غذاء يغمرها القمح المكرر والزيوت وأنواع عدة من السكريات، بمعنى قد تكون البدانة في الغالب جوعاً مختبئاً تحت مرمى النظر.

السؤال الملح الذي طرحه العالمان، ديفيد روبنهايمر وستيفن سمبسون، أصحاب تلك «الفرضية عن تأثير البروتين»، وهو قد يكون الحلقة المفقودة في أزمة السمنة، كيف يمكن إعادة نسبة البروتين إلى المستوى الصحي؟ وفيما وجد البعض الإجابة في شحن نظامنا الغذائي بالبروتين، الذي تناوله بإفراط يأتي بتكاليفه، والأبرز أنه يميل لتقصير العمر الافتراضي، طرح العالمان طريقة أكثر فعالية لتركيز البروتين في نظامنا الغذائي، وذلك عبر إبقاء مستويات البروتين لدينا ثابتة (إذا كان كافياً لدينا) مع تقليل «الدهون والسكريات والكربوهيدرات السهلة على الهضم»، ما يسمح لنا بالوصول لمستوى البروتين الذي تحتاجه أجسادنا عند مستويات أقل من السعرات الحرارية. لكن أخذاً في الاعتبار أن السكر يُسكب في كل شيء، بدءاً من الخبز وصولاً إلى صلصات القلي، فإن هذا الحل سيتطلب إعادة هيكلة راديكالية لبيئتنا الغذائية، كما يقول ويلسن.

يعتقد الكاتب أنه إذا كان هناك أشخاص بحاجة لبروتين إضافي، فإنهم بالتأكيد ليسوا مرتادي الصالات الرياضية الشباب اللائقين، بل كبار السن، لا سيما الفقراء منهم، فالجسم يخسر تدريجياً العضلات وتصبح الحاجة للبروتين أعلى بعد سن الـ 50، وفيما نقص البروتين قد يكون جانباً مما هو خطأ في نظامنا الغذائي المعاصر، يبقى السؤال الصحيح المتمثل بـ "هل أحصل على ما يكفي من البروتين؟" بمعناه الحرفي، يُطرح من قبل الأشخاص الخطأ.

 

يعتقد العلماء أن فكرة الحاجة إلى بروتين إضافي عبارة عن وهم، فما يبني العضلات هي التمارين ورفع الأثقال. وجدت الأبحاث أنه كلما لعبنا باحتياجاتنا الطبيعية منه كانت العواقب وخيمة، فعندما استبدل حليب الأم بحليب البقر عالي البروتين سبب ذلك معدلات نمو متسارعة في الحياة المبكرة وزاد مخاطر السرطان.

توماس ساندرز، أستاذ التغذية والنظام الغذائي في جامعة كينغز كوليدج بلندن

 

حتى لو استفاد مرتادو الصالات الرياضية واللاعبون من دفعة بروتين ما بعد التمارين، هذا لا يعني أن عليهم تناول مكملات ومشروبات بروتينية. فمعظم الناس يحصلون على أكثر من البروتين الموصى به يومياً، وليس هناك حاجة للمكملات. كما أن ألواح البروتين مجرد ألواح حلوى مع قليلٍ من البروتين المضاف.

كيفن تبتون، أستاذ الرياضة في جامعة سترلينغ اسكتلندا

 

هناك تباين في الآراء بشأن دور مكملات البروتين في بناء العضلات، فقد أفاد 36 بحثاً أصدر عام 2014 بأن ليس للأخيرة أي تأثير على كتلة الجسم وقوة العضلات خلال الأسابيع الأولى من التدريب لدى الأفراد غير اللائقين رياضياً. ومع مرور الوقت ومع اشتداد صعوبة التدريب، عندئذ يمكن للمكملات أن تعزز قوة العضلات. لكن البحوث أوضحت أن تلك التغييرات لم تثبت على المدى الطويل، ثم جاءت ورقة لاحقة عام 2012 أفادت أن البروتين «يزيد من الأداء البدني، والمعافاة من التدريب، ويعزز كتلة الجسم النحيلة»، لكن لتكثيف تلك المنافع يجب تناول الكربوهيدرات سريعة المفعول بالتوازي.

نقلاً عن هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطاني «بي بي سي»

 

هناك ما يكفي من الأدلة على أن البروتين يشبع الشهية، وتناوله بكميات عالية صباحاً كغذاء وليس كمكملات، يساعد على فقدان الوزن، ومن المفضل تناول نظام غذائي بكميات عالية من البروتين ومعتدلة من الكربوهيدرات لتحقيق ذلك. بمعنى 30% بروتين و40% كربوهيدرات و30% دهون.

أليكس جونستون، باحثة في قسم السمنة والصحة الأيضية في جامعة أبردين باسكتلندا

 

 

صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة