أسامة شبكشي.. نجاح سطره الكفاح والإرادة

ثمة شخصيات إذا ما تعرفت عليها عن كثب زاد احترامك لها؛ لما تحتويه سيرتها من صور الكفاح والعصامية والاجتهاد، معطوفة على تحقيق إنجازات علمية ومهنية مبهرة، فضلاً عن اتصافها بالخلق الرفيع، من هذه الشخصيات د. أسامة شبكشي، المنحدر من أسرة حجازية عريقة، يعود نسبها إلى الحسن بن أبي طالب، كانت تكنى بـ «آل عثمان» قبل العهد العثماني، ثم تسمت بـ «شبكشي» وفقاً لمهنة الأسرة، كما هو موثق في السجلات القديمة. تفرض سيرة شبكشي الوقوف عندها وتأملها، فسيرته بمثابة لوحة يجتمع فيها الاغتراب، وشظف العيش، والصبر، والعمل الشاق، والنبوغ العلمي، حتى تقلد بطلها أعلى المناصب.

ولد أسامة شبكشي بحارة المظلوم في جدة عام 1943، بمنزل جده لأبيه، التاجر علي شبكشي، والدته هي عزة محمد رفيع لنجاوي، أما والده فهو عبدالمجيد شبكشي، الذي شعر بمرارة اليتم في صباه عندما توفي والده في السودان خلال رحلة عمل، فاعتمد على نفسه في سن مبكرة، وما أن أتم دراسته في مدرسة «الفلاح» حتى التحق بوظيفة في إدارة البرق والبريد، ومنها انتقل إلى شرطة جدة، التي تدرج في مناصبها حتى أصبح مديراً لها في خمسينيات القرن الماضي، كما كان عبدالمجيد رمزاً من رموز المجتمع والأدب والثقافة في الحجاز، وصاحب إسهامات صحفية من خلال صحيفة «البلاد»، بل صار في الستينيات رئيس تحريرها، وبالتالي عضواً في الوفود الإعلامية التي رافقت الملك فيصل بزياراته الخارجية العديدة، طبقاً لما ورد في كتاب «عبدالمجيد علي شبكشي.. رجل الأمن والصحافة والأدب»، الذي نشره ولداه فوزي وأسامة عام 2011، ومن إعداد الكاتب محمد المنقري.

سر أبيه

وبالعودة إلى أسامة شبكشي، نجده يسرد صوراً من ذكريات طفولته في كتابه «مواقف وأشهاد»، الذي نشره عام 2015 على نفقته الخاصة في برلين، تطرق فيه إلى سيرته وتجاربه الشخصية، عبر لغة سردية رشيقة تخللها كثير من الطرائف والأمثلة والاستشهاد بالآيات، والأبيات الشعرية، والأقوال المأثورة والأرقام والبيانات، ومن ذكريات طفولته، أنه عانى من مشكلات صحية شديدة اضطرت أسرته معها للجوء إلى الكي الذي تعرض له 36 مرة دون أي تحسن، ما دفع والده إلى عرضه على أطباء في لبنان فشفي خلال 15 يوماً، الأمر الذي جعله ينبهر بالطب ويـُكثر التساؤل عنه.

وعن دراسته الأولى، أخبرنا أنه التحق بقسم الأطفال في مدرسة «الفلاح» بجدة، ثم أرسله والده مع ابن عمه هشام صالح شبكشي إلى الخرطوم للدراسة في «كمبوني كوليدج» (مدرسة أسسها القس البريطاني دانيال كمبوني عام 1929)، وحينما علمت أسرته أنها مدرسة تبشيرية، أخرجوه منها عام 1953، وأرسلوه للدراسة في لبنان بكلية «الشويفات» الوطنية، وبعدها انتقل إلى «فيكتوريا كوليج» في الإسكندرية. وبعد عام عاد إلى السعودية وهو في سن الـ15 لمدرسة «القصور السبعة»، بيد أن الظروف أجبرته على العودة مجدداً إلى مصر مع نهاية مرحلته الإعدادية، إذ كان والده قد قرر الإقامة فيها.

في مصر، درس شبكشي حتى الصف الثاني ثانوي، ليعود مجدداً إلى وطنه ويكمل دراسته في مدارس «الثغر» النموذجية بجدة، وهو عاقد العزم على الحصول على بعثة دراسية لإكمال تعليمه في الخارج وتحديداً في الطب، ليحقق بذلك أمنية والده الذي أراده طبيباً، لاسيما بعد أن اختار ولده الآخر «فوزي» مجال الدبلوماسية، وترقى فيه إلى أن صار مندوباً دائماً للسعودية في الأمم المتحدة.

سن المراهقة

شظف العيش والبعد عن الوالدين في سن المراهقة الحساسة انعكسا على تحصيل شبكشي العلمي سلباً فلم يحصل على المجموع المؤهل للابتعاث، مما تسبب في حيرته وألمه وتحطم آماله، وعن هذا قال شبكشي لصحيفة «الشرق الأوسط» (30/‏‏‏‏‏‏‏8/‏‏‏‏‏‏‏2001): «قدم والدي من مقر إقامته في مصر، فجئنا إلى الرياض في صندوق شاحنة «لوري»، واثقاً من مساعدة أحد أصدقائه، وهو وزير سابق.. وصلنا ونحن في حالة يائسة من العطش والجوع، والغبار يغطي وجوهنا، وما أن صرنا على باب منزل من كان والدي يعتقد بأنه صديق له (....) حتى اصطكت الدنيا في وجوهنا وانقلبت أحلامي الوردية». وكان السبب هو أن الوزير السابق تنكر لصديقه وأمر خدمه بإغلاق الباب في وجهه».

وتابع: «لم يهن على والدي أن يخيّب ظن ولده، كما خاب ظنه في صديقه، كانت في يده ساعة من ذهب هي آخر ما يملك.. باعها بثلاثة آلاف ريال وأعطاني المبلغ وقال «دبـّر حالك».. وقتها أقسمت أن أسافر إلى ألمانيا وأعود بالشهادة، وإنْ لم أحقق هذا الهدف تكون رجعتي جثة داخل صندوق خشبي».

بذلك المبلغ البخس بدأ شبكشي مشوار تحصيله الجامعي في ألمانيا، الذي تخلله الكثير من المعاناة والكدح اليومي لتوفير لقمة العيش، والاجتهاد في الدراسة، كان عليه في ألمانيا إعادة الثانوية ليحصل على معدل يؤهله دخول كليه الطب، ففعل، وتمّ قبوله في كلية الطب بجامعة «ألبريخت» بمدينة «كيل»، فواصل الليل بالنهار دارساً على مدى أعوام. وقد تحدث باستفاضة عن معاناته المعيشية بألمانيا في حواره مع «الشرق الأوسط» فقال: «سكنتُ في مكان صغير جداً مع زميل من تركيا، ومن شدة البرودة كنا نتبادل الجلوس حول المدفأة لصغر حجمها وضيق المساحة، فلا يوجد لدينا ماء ولا محارم، كنا نستخدم الصحف في النظافة، الوجبة الرئيسة عبارة عن رغيف خبز داخله زبدة وسكر، وفي مطعم الجامعة كنا نستطعم طبق الشوربة، يوماً لي وآخر عليّ بالتناوب مع زميلي التركي».

ومن ذكرياته الأخرى في ألمانيا، أنه عمل سائقاً لـ«تراكتور» بمزرعة مقابل 7.5 «ماركات»، وعمل في مناولة وتحميل العلب المعدنية بمصنع للبسكويت مقابل ربع دولار عن كل علبة، كما عمل في بيع الآيس كريم للأطفال صيفاً، وعمل في مصنع للغواصات كثير الضوضاء، ما تسبب بفقدان أذنه اليسرى لحاسة السمع، حيث لم يكن بمقدوره شراء جهاز حماية الأذنين كغيره من العاملين.

تقدير عالٍ

ومن المواقف الطريفة التي رواها شبكشي أنه ذهب مع 4 من زملائه لأداء امتحان الفيزياء، وكان يتوقع أن يجد قاعة بها مئات الطلبة فإذا به يجد نفسه وحيداً في مواجهة ممتحن المادة بعد انسحاب زملائه لمعرفتهم بشخصيته وصرامته، حيث كان الممتحن هو البروفسور أوتوهان (الحائز على جائزة «نوبل» في الفيزياء)، لكن الله قيض له أن يعطي الإجابات الصحيحة وينال تقديراً عالياً. وبهذا تمكن بكفاحه وصموده العودة إلى وطنه عام 1970 حاملاً بكالوريوس الطب، ليبدأ البحث عن وظيفة، ولكن وزير التعليم العالي السعودي آنذاك حسن عبدالله آل الشيخ، نصحه بالعودة لألمانيا مبتعثاً للتخصص في الأمراض الباطنية، وهكذا عاد مجدداً ليعيش هناك سنوات أخرى، دارساً في جامعة «إرلنغن نورنبيرغ»، التي تعتبر من جامعات النخبة في أوروبا، فتمكن من الحصول على درجتي دكتوراه: واحدة في الطب عام 1974، وثانية في الفلسفة عام 1976.

ولعل من الدلائل الأخرى على نبوغه أن مستشفى «نورينبيرغ» التعليمي منحه درجة التخصص في الأمراض الباطنية عام 1976، علاوة على شهادة «البورد» الألماني المعروف باسم «فاخ آرتس»، وسمح له بالإقامة في المستشفى كطبيب، كما منحته حكومة ولاية بافاريا ترخيصاً بممارسة الطب في ألمانيا، وعرضتْ عليه الأخيرة جنسيتها مع عقد عمل لمدة 25 عاماً، لكنه رفض، مفضلاً العودة إلى وطنه ليكون مجاوراً لوالديه.وحينما عاد إلى وطنه، كان أول تعليق من والده هو «بيّض الله وجهك» التي وصفها شبكشي بـ«أعظم مكافأة لي في حياتي» في حوار مع الإعلامي مفيد النويصر في برنامج «من الصفر» على قناة MBC مايو الماضي.

تدرج شبكشي بعدها في وظائف أكاديمية وإدارية في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، فترك فيها بصمة لا تمحى، خصوصاً وأنه كان يستهوي العملين الأكاديمي والبحثي، وقد أورد تفاصيل ذلك في حوار له منشور في صحيفة «الجزيرة» (21/‏‏‏‏‏‏‏10/‏‏‏‏‏‏‏2010)، حيث قال (بتصرف): «عندما عدتُ لم يكن هناك من سبقني بالحصول على شهادة الدكتوراه الألمانية في الطب إلا الزميل د. صالح الخويطر في الرياض، فلم يعرفوا ماذا يعينونني، وأخيراً وافقوا على أن يعينوني كمحاضر إلى أن تم تصحيح وضعي الوظيفي، فتحولتُ من محاضر إلى مدرس، فأستاذ مساعد، وبعدها أستاذ مشارك، إلى أستاذ لأمراض الجهاز الهضمي. وفي 1983 صرتُ عميداً لكلية الطب والعلوم الطبية بالجامعة، ثم أصبحتُ وكيلاً للدراسات العليا والبحث العلمي، ثم مديراً للجامعة في 1993 خلفاً للدكتور رضا عبيد».

تطوير وتنشيط

في أغسطس 1995 صدر مرسوم ملكي بتعيينه وزيراً للصحة خلفاً لفيصل الحجيلان، فبقي على رأس الوزارة مدة 8 سنوات، قام خلالها بإنجازات تحسب له على رأسها - طبقاً لما ورد على لسانه في حوار مع صحيفة الحياة (25/‏‏‏‏‏‏‏4/‏‏‏‏‏‏‏2005) - تصفية جميع مديونيات الوزارة المتراكمة المستحقة للغير والتي بلغت 8 مليارات ريال؛ تطوير وتنشيط الهيئة السعودية للتخصصات الصحية؛ تأسيس مجلس الضمان الصحي التعاوني، وغيرها.

2004

شهد عام 2004، منعطفاً مهماًَ في حياة أسامة شبكشي لم يكن يتوقعه، ففيه صدر أمر ملكي بتعيينه سفيراً لبلاده في ألمانيا خلفاً للسفير عباس فائق غزاوي، وهكذا عاد وقد وهن عظمه واشتعل رأسه شيباً إلى البلد الذي درس به شاباً يافعاً وذاق فيه قسوة الحياة، ليبدأ مرحلة مختلفة تماماً دامت حتى 2015، اكتسب خلالها خبرات دبلوماسية متنوعة.

وكعادة شبكشي، اجتهد فارتقى بالعلاقات السعودية - الألمانية، ووطدها من خلال الوفود المتبادلة وتعزيز التجارة البينية وتنشيط التعاون الثقافي. كما قام بافتتاح أكاديمية «الملك فهد» في برلين مع الإبقاء على مثيلتها في بون، وحاول تأسيس جمعية للصداقة الألمانية الخليجية بالتعاون مع نظرائه الخليجيين. يذكر أن شبكشي اقترن برفيقة دربه د. هيفاء أحمد اليافي، بُعيد عودته الأولى من ألمانيا، التي أنجبت له «مايا»، ثم «عبدالمجيد»، الذي فقده شاباً دارساً في كلية الطب؛ جراء حادث سير، فكان يوم وفاته هو أسوأ يوم في حياته.

كما يخبرنا ابن عم والده، حسين شبكشي عن أسامة شبكشي بأنه يعيش الآن على حمية غذائية من الخضار المسلوقة مدى الحياة؛ لأنه لم يعرف الإجازة الأسبوعية أو السنوية، مما أثر على صحته، فبدأت مشكلاته مع المريء، ثم زادت مصاعبه بعد أن سقط وانكسرت رقبته وأجريت له عمليتان جراحيتان في ألمانيا، لكنهما لم تصلحا حاله، فأصبح حديثه صعب الفهم أحياناً.

 

صفحة مُتخصّصة بالتأريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات