سيناريو قريب من التصوّر.. بعيد عن التطبيق

مجتمع بلا نقود!

لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

هل نتجه إلى «مجتمع تنتفي فيه النقود»؟ بات بالإمكان تصور هذا السيناريو اليوم في ظل انتشار التكنولوجيا التي تحوله إلى واقع ملموس، كالأنظمة الرقمية لإدارة الأموال وتبادلها، وأنظمة الدفع الإلكترونية الأسرع والأسهل والتي تعمل على مدار الساعة، لكن الخطوة بتأثيرات اقتصادية واجتماعية أوسع نطاقاً، يقول الخبراء، وقد تدفع بتداعيات غير محسوبة النتائج على النظام المالي.

النقود في ازدياد

ومع كل التنبؤات بمصير النقد المحتوم، إلا أنه يبقى مهيمناً في الاقتصاد، وكان يحقق زيادة كبيرة وفقاً لبنك التسويات الدولية بهدف الاكتناز، بدلاً من احتياجات الدفع.

ويقدر حالياً وجود 500 مليار من العملات الورقية وتريليونات من العملات المعدنية في التداول، وهذا يعزى وفقاً للكاتب باتريك جنكينز في صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، لمزيج من العوامل، أهمها: أسعار فائدة منخفضة على الودائع، وعدم الثقة بالمؤسسات المالية بعد الأزمة، وتنامي الاقتصاد غير النظامي.

ويعتبر الكاتب أن توجه مجموعة من المتاجر والمقاهي إلى أشكال الدفع الالكتروني كوسيلة لادخار الوقت وتحقيق الأمان شيء، وتحول اقتصاد برمته شيء آخر، مؤكداً أن «رؤية اقتصاد بلا نقود بالكامل تبقى بعيدةً عن التصور في الوقت القريب»، كذلك الانتقال لعملات إلكترونية مشفرة كالبتكوين وغيره، مشيراً إلى أن الناس يشعرون بالذعر على أمن بياناتهم والاعتماد على التكنولوجيا أو مخاطر الإفراط في الإنفاق في إطار الأشكال الإلكترونية الحالية السائدة، "فما بالكم مع ابتكارات متطرفة، كالبيتكوين وغيرها!«.

تطورات حديثة

في السنوات الأخيرة، شهد العالم تطورات لافتة في»الحرب على النقود«، يقول جنكينز. وقد تصدرت السويد المشهد، بفضل التطبيق الهاتفي»سويتش«، مع تراجع المدفوعات النقدية في البلاد إلى نسبة 19% بالمقارنة مع متوسط أوروبي يصل إلى 80%. ينقل جنيكينز عن وزير المالية السويدي، بير بولند، قوله إن التراجع ساهم في تحقيق زيادة كبيرة في الإيرادات الضريبية نسبتها 30% في غضون خمس سنوات، حيث ساهم الاقتصاد الرقمي بزيادة المدفوعات فيما ازدادت صعوبة إخفاء النقود.

في كوريا الجنوبية، حدد البنك المركزي هدفه بالتخلص من النقود المعدنية بحلول عام 2020. وفي الصين، دفعت شركات التكنولوجيا الشباب وسكان المدن نحو استخدام تكنولوجيا الدفع بالهواتف الذكية، فيما اجتمعت حكومات في أجزاء أخرى من آسيا وأفريقيا مع شركات الاتصالات لمساعدة الناس في التحول رقمياً. وقد ألغى البنك المركزي الأوروبي طباعة ورقة الـ 500 يورو، بحجة أنها تستخدم أساساً للجريمة والتهرب الضريبي.

تأثيرات سلبية

وفي الوقت الذي كانت دول وشركات تدفع السكان لتقليص الاعتماد على النقد بأشكال مختلفة، أظهرت الإجراءات الراديكالية في الاقتصاديات الناشئة مقدار تعقيد المهمة، يقول جنكينز. في نوفمبر 2016، قرر رئيس وزراء الهند نارندرا مودي، سحب ورقتي 500 روبية و1000 روبية من التداول، مع تعهد بمكافحة الجريمة وزيادة الإيرادات الضريبية ودفع المستهلكين لاستخدام وسائل الدفع الحديثة. القرار نجح في تعزيز تحصيل الضرائب بأكثر من 40%، لكن التأثيرات كانت رهيبة على الاقتصاد وفئة الفقراء وسكان الأرياف. وقد تراجع النمو الاقتصادي للهند إلى أدنى مستوياته على مدى ثلاث سنوات منتصف 2017، أما التحول نحو الدفعات الالكترونية فجاء مخيباً للآمال.

وفي نيجيريا أيضاً، نجم عن الجهود المشتركة الرامية إلى إضافة وسيلة دفع إلى بطاقة الهوية، لكل من شركة ماستر كارد وحكومة البلاد، اشتعال موجة احتجاجات صاخبة، وقال مؤتمر الحقوق المدنية إن تلك البطاقات تمثل»وسم ملكية نيجيري لشركة أميركية«. وحتى في كينيا، حيث أسهمت خدمة نقل المال بالهاتف من دون حساب بنكي،»إم-بيسا«، في تعزيز الاقتصاد، فإن الخدمة لا تزال تواجه مشكلة الحاجة لتحويل المال إلى نقود حقيقية في المتاجر المحلية.

وفي مقابل تلك التعقيدات، كانت الصين تشهد الاندفاعة الأكبر نحو الدفع الالكتروني، مع سيطرة عملاقي الانترنت»علي بابا«و»تنسنت«على المجال العام، حيث أفيد أن نصف الصينيين الآن يستخدمون الدفع غير النقدي للقيام بأكثر من 80% من عمليات شرائهم.

الاندماج المالي

ومع ذلك، يبقى النقد حياً في كثير من أجزاء العالم، يقول جنكينز، مشيراً إلى أنه في السنوات الأخيرة، كانت بريطانيا والولايات المتحدة تشهدان زيادة في حجم النقود بالتوازي مع زيادة كبيرة في الدفعات الإلكترونية، وكان يجري الاحتفاظ بمعظم ورقة الـ 100 دولار التي تشكل 80% من إجمالي النقود الأمريكية في الخارج، ما يتجاوز الثلثين . يرى الاقتصادي في جامعة هارفرد، كينيث روغوف، في كتابه»لعنة النقد«إن تلك النقود تدعم الجريمة والاقتصاد الرمادي، لكن جنكينز يعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك يعود لاكتناز النقود من جانب الناس، في ظل أسعار فائدة منخفضة للغاية.

يعتبر جنيكنز أن السويد حالة نادرة حيث أدى نمو المدفوعات الإلكترونية إلى نقود أقل في التداول، ومع ذلك يشير الى تحول يلوح في الأفق؛ فقد أعرب الرئيس السابق للانتربول بجورن اريسكون، عن مخاوفه من الحرب السيبرانية التي ترعاها الدول. ذلك القلق عبر عنه أيضاً حاكم ريكسبانك السويدي، ستيفان انغفيز، بضرورة الأخذ في الحسبان هشاشة شبكة الدفع في حالة وقوع»أزمة خطيرة أو حرب«.

الملفت أن الأثر الذي تخلفه الدفعات الالكترونية يعتبر أكثر وضوحاً بالمقارنة مع النقود، وسبق أن تمت قرصنة مصارف كبرى مثل»جي بي مورغان«. وفي أوروبا حالياً، يفيد جنكينز أن بعض شركات التمويل تشعر بالقلق بشأن التعليمات بمشاركة بياناتها مع وسطاء التكنولوجيا المالية». وكانت سكوير«شركة الدفع لـ»تويتر« تدافع عن موقفها، بأن نموذجها مثل أي مجموعة مالية يتطلب ثقة العملاء، لكن أي شركة في العالم المالي ستتنافس للاستفادة القصوى من بياناتها، حسبما يعتقد جنكينز.

»إنها حرب على الخصوصية المالية«يقول البرفسور الأمريكي لورانس وايت، فيما يرى المحلل المالي دومينيك فريزبي عملية تمهيد لمستويات مخيفة من الرقابة. ويقول الكاتب في صحيفة»غارديان«برت سكوت إنها خصخصة كاملة للقطاع المالي، تقربنا خطوة من احتمال تشكيل أقوى مجمع للتحكم المالي للشركة-الدولة، فيما يرجح آخرون تفاقم عدم المساواة واستقصاء ومعاقبة الفقراء وكبار السن والمشاريع الصغرى وكل من يرغب في البقاء خارج النظام المالي، حيث تقول أمينة صندوق بنك إنجلترا، فكتوريا كليلاند:»النقود حيوية في دعم الاندماج المالي«.

المستفيدون

وتعمل المصارف على إخراج النقود من الاقتصاد لأن النقود تأتي بتكاليف كبيرة، يقول جنكينز، لكن البعض يرى الكلفة الاجتماعية لإنتاج النقود وتوزيعها شيئاً لا يقارن بالتكاليف الاقتصادية والبيئية لإدارة شبكات مدفوعات رقمية. ومن جهة أخرى، تقدم الدفعات الإلكترونية للخدمات المالية رسوماً على المعاملات كما قاعدة للبيانات، فكلما زادت المعاملات زادت فرص كسب المال بالنسبة إلى شركات الخدمات المالية، فيما كل الدلائل تشير إلى أن البشر ينفقون أكثر عندما يدفعون إلكترونياً، يقول جنكينز، مشيراً إلى تجربة لجامعة بيردو الأميركية قبل 30 عاماً، تظهر أن عدد المشاركين المستعدين للدفع ازداد 240% عند استخدام بطاقة ائتمانية بدلاً من نقود.

مخاطر الديون

يقول جنكينز:»انظروا إلى البلدان بأكبر نسبة من الدفعات الإلكترونية وقارنوها مع تلك التي لديها مستويات عالية من ديون المستهلكين، وستكتشفون علاقة مقلقة«. الأمر طبيعي إلى حد ما، فعلى مدى عقود، كان معظم الإنفاق غير النقدي يجري ببطاقة الائتمان، لكن عندما تبدأ أسعار الفائدة المتدنية للغاية في العالم المتطور بالارتفاع، فتلك الديون التي تراكمها الدفعات الإلكترونية يمكن أن تبدأ في الانهيار، حيث يحذر: «دعونا نضع جانباً المخاوف بشأن خصوصية البيانات والمجتمعات المهمشة، هذا الخطر يجب أن يرسل إشارات تحذير إلى كل دولة».

يعتقد مسؤول الأنشطة الائتمانية في بنك فرنسا، دلفين لالاني، إن النقود لن تختفي، وستبقى مصدر طمأنينة للناس، لكنه كشف عن حدودها فيما تعمل الابتكارات في وسائل الدفع يداً بيد مع ثورة التجارة الرقمية. لكن تلك الابتكارات كانت تضع نظام الدفع التقليدي القائم على المصارف تحت الضغوط وفقاً لبنك التسويات الدولية، ويعقد عمل المصارف المركزية والنظام المالي والاقتصاد ككل.

 

 

يكمن جمال النقود في أنها مبادلة مباشرة وبسيطة بين مختلف الأشخاص، بغض النظر عن مدى ثرائهم أو فقرهم، وإذا بدأنا في الإصرار على غيابها فإن ذلك يضع ضغوطاً على الناس لإيداع المال في المصرف والتسجيل في النظام المالي، ومن المرجح أن يظل العديد من الفقراء خارج هذا النظام.

دومينيك فريسبي (كاتب مالي)

 

يتمثل الهدف الرئيسي للحرب على النقود في نقل التعاملات لبطاقات الائتمان ووسائط الحسابات البنكية التي تترك بصمة بيانات إلكترونية لأجهزة الأمن وسلطات الضرائب، مع رفع كلفة اكتناز النقود، للسماح للبنك المركزي بالدفع تجاه سعر فائدة أقل من صفر. إنها حرب على الخصوصية وضريبة مقننة وإضرار بمعيشة التجار الصغار.

لورانس وايت (مؤسسة كاتو)

 

إذا فقدت الأوراق النقدية والمعدنية أهميتها، فإن عامة الشعب سيتوقفون في المستقبل القريب عن الحصول على وسائل دفع مضمونة من قبل الدولة.

ستيفان إنغفز (حاكم البنك المركزي السويدي)

 

 

يفيد مجموعة من الباحثين في مجلة التسويات الدولية، بأن تدفق الدفعات على الهاتف دون حساب بنكي، واحتمال صدور عملات مشفرة وتطبيقات يعطل نموذج الأعمال القائم، ويطرح تحديات للمصارف المركزية منقسمة بشأن كيفية الاستجابة لزيادة المدفوعات الإلكترونية، التي تشكك في وضعها كمحتكرة لإصدار العملة الرسمية، وتجري حالياً دراسات بشأن إصدار بعض الدول عملة رقمية.

 

 

صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات