ثورة التكنولوجيا والكذبة الكبيرة

لمشاهدة صفحة"ثورة التكنولوجيا" بصيغة الــ pdf اضغط هنا

لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

 

توجد كذبةٌ جوهرية تضرب عمق الرؤية الطوباوية الخيالية الشعبوية التقنية التي تسيطر على غالبية نواحي الثقافة الغربية للقرن الواحد والعشرين.

وتتمحور هذه الكذبة حول المفهوم القائل بأن العالم سيكون مكاناً أفضل بغياب حراس البوابات. وتعتقد بعض الآراء لو أن أقوى تقنيات نشر المعلومات التي ابتُدِعت يوماً ظلت مفتوحةً أمام الجميع، بعيداً عن القوانين التي تحكمها وقيود الرقابة والسيطرة من قبل السلطات التي تتخذ القرارات المتعلقة بما هو مقبول أو لا، فإن العالم سيكون مكاناً أفضل وأكثر ازدهاراً. إلا أن ذلك ليصبح واقعياً، فإنه لا بدّ للبشر أن يكونوا أكثر قدرةً على إطلاق الأحكام العادلة مما يفعلون. والحقيقة هي أن العالم يحتاج لحراس بوابات، في واقع يصعب، على ما يبدو، أن يتقبله مواطنو الأنظمة الديمقراطية الليبرالية النازعون للفردية.

لطالما تعلمنا أن نحترم سوق الأفكار، أن ندع ملايين منها يتفتح على أن يبقى أفضلها على مسار التنافس، وينتشر، بينما يفنى الأسوأ تحت المجهر.

إلا أن ذلك لا يحصل في حياتنا الرقمية المشتركة. وتتخذ الشركات القرار حول كيفية أداء العمل، فصحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» الأميركيتان لا تدخلان في مجال الرقابة حين تتخذان قرارات تحريرية بشأن مقالات الكتاب والأفكار التي ستنشرها. بل إنها تقوم بعمل حراس البوابات عبر مراقبة نوع الكتاب والأفكار التي من المقرر أن تظهر تحت أسمائهم والجهة التي أجازت طباعتها. إن صفحاتها تلك المادية والرقمية ليست ملكية عامة.

يميل كثير من الناس اليوم للاعتقاد بأن منصات التواصل الاجتماعي نوع من الملكية العامة، ولوحات إعلانية عملاقة في مساحة مشتركة على امتداد العالم يحظى أي كان فيها بإمكانية الوصول ونشر ما يريد. ويعتقدون أن كنه مسألة التواصل الاجتماعي يتمحور حول تخطي عصر حراس البوابات لصالح الديمقراطية الرقمية التي ترحب بالجميع بالتساوي.

وما نشهده اليوم هو اعتراف عمالقة العالم الرقمي بضرورة وجود المزيد من الضوابط. وهذا أمر جيد على الرغم من الارتياب بقدرة تلك الشركات على إصدار أحكام عادلة وحكيمة. فمجرد الاعتراف بالحاجة للقيود والمعايير يتصدى للأوهام الأولية القائلة بتحسن العالم إذا ترك الإنترنت بلا رقابة من قبل السلطات.

إن تحقيق معظم الأشياء الجيدة بما في ذلك النزاهة الأخلاقية والتبصر والتحضر والمعرفة والحكمة يعتمد على وجود حراس البوابات وما تفرضه من معايير ضابطة. وكلما سارعنا إلى إدراك ذلك الواقع والعمل به كان أفضل.

يكمن السبب وراء عدم نجاح سوق الأفكار كما هو مفترض عادةً إلى أنه قائم على مفهوم خاطئ أو فائق التبسيط في أفضل الأحوال، حول الطبيعة البشرية والمجتمع، يفترض أن الناس متساوون من حيث قدراتهم الذهنية والعاطفية، وبأن الثقافة المحيطة سترسخ تلقائياً القيم والعادات التي تسهّل اكتساب المعرفة والمقدرة على إصدار أحكام حكيمة.

لكن ماذا لو كان الافتراضان مغلوطان؟ ماذا لو كان بعض الناس قادرين على تقييم الأدلة بشكل منطقي حذر، والآخرون عاجزين عن ذلك؟ ماذا لو وجد البعض أنه من الممكن العيش مع متطلبات حياة التبصّر والشكوك المرافقة، فيما انجذب آخرون بفعل الخوف والتوق لليقين إلى الأجوبة السهلة والتوضيحات المبسّطة التي يقدّمها المدّعون والمروّجون لنظريات مؤامرة بعيدة الاحتمال؟ ماذا لو كان البشر غير متساوين فكرياً؟ في ظل مثل تلك الظروف، تبدأ سوق الأفكار بالتداعي، وبشكل يزداد توسعاً كلما زادت السوق حريةً وانفتاحاً، نظراً لما توفره التكنولوجيا من بوقٍ وجمهورٍ لا متناهٍ على ما يبدو لكل راغب بأن يكون بائعاً متجولاً.

 

التكنولوجيا مذنبة إلى حين إثبات العكس

ديفيد بروير

(مناصر ومؤسس لمنظمات بيئية)

 

 

التكنولوجيا التي تستخدمها لا تبهر أحداً أما التجربة التي تُخلق من خلالها فهي مبهرة.

شون غيريتي

(خبير تكنولوجي أميركي)

 

 

لا نزال في الدقائق الأولى من اليوم الأول في عالم ثورة الإنترنت.

سكوت كوك

(رجل أعمال أميركي)

 

 

نظرية المؤامرة

انطلقت مسيرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظرية مؤامرة عنصرية، وتغّذت حملته بجانب منها على الدعم الذي تلقته من حرب المعلومات، أما فوزه فالفضل فيه يعود جزئياً لنشر المعلومات المضللة من قبل قوى أجنبية برزت لتقوض الديمقراطية الليبرالية الأميركية. هذا ما يحصل عندما يحلّ حلم سوق الأفكار مكان الواقع المرعب لعالم في حالة انهيار لصيقة بنظرية المعرفة. في مثل هذا العالم، أي في عالمنا الحالي، فإن «وجهة النظر» الأعلى صخباً والأعمق إرضاء تحظى باهتمام يفوق تلك الأكثر ذماً، لأننا على وجه التحديد فقدنا القدرة على التوصل إلى أي إجماع حول الأشياء التي تعتبر «ذكية».

لذا أجل، نحن بحاجة لمزيد من حراس البوابات على الإنترنت، بالرغم من أدائهم المتوسط، وحتى لو بدت أحكامهم مبدئياً فاقدة للشرعية والاتساق.

 

1.700.000

في سياق متصل بالسؤال عما إذا كان الحراس، هم حراس بوابات فقط أو رقباء، يواجه موقع «فيسبوك» من بين الشركات التقنية الأخرى الاحتجاجات الشعبية الأعنف حيال ما يسمح به على منصته.

وحين سئل مؤسس الموقع مارك زوكربرغ عن موقع «إنفووورز» أجاب بأنه لن يزيل الصفحات المتعلقة بأبرز نظريات المؤامرة من النوع الذي يشتهر أليكس جونز بنشره، إلا أنه وبعد مرور شهر واحد، حظر موقع «فيسبوك» جونز وأزال أربع صفحات تعود له، بما في ذلك صفحة تحظى بـ1.7 مليون متابع، بتهمة انتهاك سياسات الموقع. ومع أن الحظر يعني أن جونز لا يزال لديه حساب ولا يزال بإمكانه مشاهدة محتوى «فيسبوك» إلا أنه ممنوع من نشر أي شيء على المنصة، بما في ذلك صفحته الشخصية أو أي من الصفحات التي يديرها.

وعلق «فيسبوك» على سبب حظر جونز وصفحته مشيراً إلى أنهما «أثارا الكثير من الاعتراضات».

ومع أن الشركة لم تحدد ما تعنيه بـ«كثير» تحديداً، لا يزال من غير الواضح ما إن كانت الإجراءات المتخذة مؤشراً على نهج جديد للشركة بوجه خطاب الكراهية أو أنها مجرد حالة منفصلة رداً على الضغط الجماهيري.

 

قيود ومعايير

إن وجود حراس البوابات على منصات التواصل وغالبية الإنترنت واضح، بدليل أنه قد يتعذر على أي شخص نشر محتوى فاحش على موقع «يوتيوب» مثلاً، أو تحميل محتوى يشجع على استغلال الأطفال، أو نشر إعلان حول نية المشاركة بجريمة قتل جماعي على «فيسبوك». توجد قيود واضحة ومعايير مجتمعية تحكم كل المنصات.

صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات