نحو إيجاد مستقبل مستدام في الغذاء

صدر أخيراً، عن معهد الموارد العالمية، المنظمة المعنية بالبيئة، تقرير من 96 صفحة، بعنوان «إيجاد مستقبل غذاء مستدام»، مع توصيات حول كيفية التوصل إلى إطعام سكان العالم بحلول 2050 دون المزيد من الإضرار بالتغيير المناخي، وفي ما يلي أهم ما ورد بالتقرير الذي قام بتلخيص محتوياته الصحافي براد بلمر في صحيفة «نيويورك تايمز»:

هل يمكننا زراعة المزيد من الطعام على مساحة أقل من الأراضي؟ هذا ما سيتوجب علينا القيام به، حسبما يفيد تقرير جديد لـ «معهد الموارد العالمية». فإذا كان العالم يأمل بإحراز تقدم ذي معنى بشأن تغيير المناخ، لن يكون كافياً جعل السيارات والمصانع تعمل بطاقة نظيفة، بل ينبغي أن تصبح أبقارنا وحقول القمح لدينا أيضا أكثر كفاءة بشكل جذري.

ويحذر التقرير من أن النظام الزراعي في العالم سوف يحتاج لتغييرات جذرية في العقود القليلة المقبلة في سبيل إطعام مليارات من الأشخاص من دون التسبب بكارثة مناخية.

التحدي مرهق، فالزراعة أصلا تحتل حوالي 40% من أراضي العالم، وهي مسؤولة عن حوالي ربع انبعاثات الغازات الدفيئة للبشر. لكن مع توقع الزيادة في النمو السكاني من 7.2 مليارات نسمة اليوم إلى حوالي 10 مليارات نسمة بحلول 2050، ومع تناول الملايين من الناس المزيد من اللحوم مع ارتفاع المداخيل، فإن هذا التأثير البيئي يسير بخطى توسع كبيرة جداً.

استناداً إلى الاتجاهات الحالية، احتسب مؤلفو التقرير أن العالم سيحتاج لإنتاج سعرات حرارية أكثر بنسبة 56% في 2050 بالمقارنة مع 2010.

فإذا تمكن المزارعون ومربو الماشية من تلبية هذا الطلب من خلال إزالة المزيد من الغابات وغيرها من الأنظمة البيئية الأخرى من الأراضي الزراعية والمراعي، كما كانوا يفعلون في معظم الأحيان في الماضي، فإنهم بذلك سيحولون في النهاية مساحات من الأرض تبلغ ضعف حجم الهند.

وهذا بدوره يمكنه أن يجعل البقاء ما دون درجتين مئويتين من مستوى الاحترار العالمي، الهدف المتفق عليه عالمياً، أمراً مستحيلاً تقريباً، حتى لو تم التخلص من انبعاثات الوقود الأحفوري في العالم على وجه السرعة، إذ عندما يجري تحويل الغابات إلى أراض زراعية، يجري إطلاق المخزونات الكبيرة من الكربون المحبوسة داخل تلك الأشجار في الغلاف الجوي.

تقول جانيت رانغاناثان، نائبة رئيس العلوم والبحوث في المعهد: «الغذاء هو أم كل تحديات الاستدامة، لا يمكننا الوصول إلى أقل من درجتين مئويتين من دون إدخال تغييرات كبيرة على هذا النظام».

لحوم أقل وزراعة أفضل

التقرير الجديد، وهو نتاج ست سنوات من أعمال النمذجة بالشراكة مع باحثين زراعيين فرنسيين، ليس الأول الذي يحذر من أن إطعام العالم بطريقة مستدامة سيكون مهمة هائلة. لكن المؤلفين يأخذون وجهة نظر مختلفة عن الحلول الأكثر قبولاً.

في الماضي، أفاد الباحثون الذين نظروا إلى مشكلة الغذاء بأن المفتاح لنظام زراعي مستدام يكمن في إقناع المستهلكين بتناول كميات أقل بكثير من اللحوم، وهدر كميات أقل بكثير من الطعام الذي تم إنتاجه.

ومع ذلك يحذر التقرير الجديد من احتمال أن تكون هناك حدود لقدرة تلك الاستراتيجيات لتحقيق ذلك من تلقاء نفسها. وفيما يوصي المؤلفون بضرورة تحقيق تخفيضات أكبر لمستهلكي لحوم البقر والضأن، كأولئك الذين يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة، ممن استهلاكهم بحوالي 40% بحلول 2050، أو إلى حوالي 1.5 وجبة أسبوعياً في المتوسط، إذ إن هذين النوعين من اللحوم تحديداً ببصمات بيئية كبيرة بشكل خاص، وهم لا يعولون، في المقابل، على تحول عالمي كبير باتجاه النباتية.

يقول الباحث في جامعة برنتسون ومعهد الموارد العالمي تيموثي دي سيرتشنغر، وهو المؤلف الرئيسي للتقرير: «أردنا تجنب الاعتماد على العلامات السحرية، يمكننا أن نتخيل تحولاً كبيراً من لحوم الأبقار إلى الدجاج، وهذا بحد ذاته يقطع شوطاً طويلاً»، (لأن إنتاج الدواجن بثلث التأثير المناخي لإنتاج لحوم الأبقار).

بالتالي، إلى جانب إجراءات متعلقة بالحمية الغذائية ونفايات الطعام، ركز الباحثون على العشرات من الاستراتيجيات واسعة النطاق التي بإمكانها أن تسمح للمزارعين ومربي الماشية زراعة أو تربية كميات أكبر من الطعام على الأراضي الزراعية القائمة مع خفض الانبعاثات، وهو إنجاز يتطلب تحولاً كبيراً في الممارسات الزراعية في جميع أنحاء العالم وتقدماً سريعاً في التكنولوجيا.

على سبيل المثال، أشاروا إلى أنه في أجزاء من البرازيل، يمكن أن تنتج أراضي الرعي المدارة بشكل أفضل أربع مرات لحوم أبقار في الفدان مقارنة بالأراضي المدارة بشكل سيء، وهذا جزئياً يعود للاختلافات في صحة الأبقار ومدى جودة إخصاب العشب. ويمكن لتحسين الإنتاجية في جميع المجالات أن يساعد في تلبية الطلب المرتفع على اللحوم، مع التقليل من الحاجة لإزالة مساحات واسعة من الغابات المطيرة.

وأشار مؤلفو الدراسة أيضاً إلى تقنيات محتملة بإمكانها خفض التأثير المناخي للمزارع القائمة. على سبيل المثال، يمكن أن تساعد مركبات كيماوية جديدة في منع الأسمدة النيتروجينية من إنتاج أكسيد النيتروز، وهو أحد غازات الدفيئة القوية.

وينظر العلماء في إضافات للأعلاف تجعل الأبقار تجتر كميات أقل من الميثان، وهو مساهم آخر كبير في ارتفاع درجة حرارة الأرض.

ويشير التقرير إلى أن إنتاج سعرات حرارية أكثر بنسبة 56% من دون توسيع الأراضي الزراعية يمكن أن يبرهن على صعوبة أكبر، إذا أدت درجات الحرارة المرتفعة، كما هو متوقع، لخفض غلة المحاصيل.

لكن سيرتشينغر يفيد بأن العديد من التوصيات في التقرير، مثل تربية أصناف محاصيل جديدة ذات غلة عالية أو منع تآكل التربة، يمكنها أيضا مساعدة المزارعين في التكيف مع التغير المناخي.

الحفاظ على الغابات المتبقية

يشدد الباحثون على أن استراتيجيات تحسين إنتاجية الأراضي الزراعية والمراعي القائمة يجب إقرانها بسياسات أكثر صرامة لحماية الغابات الموجودة في أماكن مثل البرازيل أو افريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبخلاف ذلك، فإن المزارعين سيجدون إزالة المزيد من الغابات من أجل زراعتها أمراً أكثر ربحية، مع ما لذلك من عواقب مناخية وخيمة.

وفي توصية أخرى مثيرة للخلافات، فإن مؤلفي التقرير يدعون لوضع حد لاستخدام زراعة الطاقة الحيوية، مثل الذرة المزروعة لإنتاج الإيثانول في السيارات، والتي تتنافس مع محاصيل الطعام على الأراضي.

المال أيضاً يشكل عقبة

يدعو مؤلفو التقرير إلى زيادات كبيرة في تمويل البحوث للنظر في أفكار مثل الأسمدة التي يمكن إنتاجها من دون استخدام الوقود الحيوي، والبخاخات العضوية التي يمكنها خفض النفايات من خلال الحفاظ على الطعام الطازج لفترة أطول، وتقنيات التعديل الجيني التي يمكن أن تنتج محاصيل بغلات عالية، ويحضون أيضا على أنظمة جديدة تشجع الصناعة الخاصة بتطوير تكنولوجيات زراعية مستدامة.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، أنفق 51 بلداً ما يصل إلى 570 مليار دولار في العام لدعم إنتاج الغذاء، يقول الخبير الاقتصادي الزراعي في البنك الدولي والمساهم في الدراسة، توبياس بياديكر: «إذا تم إصلاح هذا الدعم الزراعي، للمساعدة في دعم ممارسات أكثر استدامة، يمكن أن نحصل على تغيير حقيقي بين أيدينا».

تحدٍ كبير

كثيراً ما رأينا في الماضي السياسات الزراعية وسياسات المحافظة على البيئة تسيران بشكل متواز من دون أي تفاعل، ويكمن التحدي الكبير اليوم في ربط هذين النوعين من السياسات للحصول على المزيد من الزراعة المكثفة من دون استخدام المزيد من الأراضي.

الإحصاءات صادرة عن المعهد الوطني البرازيلي لأبحاث الفضاء

قفز معدل إزالة الغابات في منطقة الأمازون، التي تمثل حوالي 60% من الغابات المطيرة وتلقب برئة العالم، إلى نسبة 50% من أغسطس إلى أكتوبر هذا العام مع صعود الرئيس البرازيلي الجديد جاير بولسانارو، وكان الأخير قد قال في حملته الانتخابية: «عاد الاقتصاد اليوم لمساره الطبيعي بفضل الأعمال الزراعية والتجارية التي كانت مخنوقة بسبب القضايا البيئية».

«لا فيا كامبسينا» حركة الفلاحين العالمية

وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، يعاني 821 مليون شخص من الجوع في العالم، ويعيش 80% منهم في المناطق الريفية ويفتقرون للموارد الأساسية كالأرض والبذور والقروض والتعليم والعدالة والخدمات، فيما منتجو الغذاء الصغار يساهمون بنسبة 70% من غذاء العالم ويلعبون دوراً حاسماً في الكفاح ضد التغيير المناخي والتنوع البيولوجي.

إعلان أممي جديد

بعد 17 عاماً من المفاوضات، بات الفلاحون والعاملون في المناطق الريفية على بضع خطوات من الحصول على إعلان أممي يمكنهم الدفاع عنهم وحماية حقوقهم في الأرض والبذور والتنوع البيولوجي والأسواق المحلية وغيرها، مع تبني مجلس حقوق الإنسان قراراً بهذا الشأن من قبل 33 دولة بامتناع 11 ومعارضة ثلاث دول: هي بريطانيا وأستراليا والمجر، موصولة بتوصية للجمعية العامة للأمم المتحدة بتبني الإعلان.

منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة

تشكل النساء 43% من قوة العمل الزراعية في الدول النامية، وما يصل إلى 50% في شرق وجنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. لذلك إذا تمكنت أولئك النساء من الحصول على تكافؤ في فرص الوصول إلى موارد إنتاجية كالرجال، فإنه من الممكن زيادة غلة المحاصيل لمزارعهم بنسبة 20-30%، ما يرفع الجوع عن 100 إلى 150 مليون نسمة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات