استطلاع «البيان»

السيرة الذاتية.. تجارب حياتية تفيض بالقيم الإنسانية

صورة

فن السيرة الذاتية قديم في الأدب العربي، وليس من الفنون المستحدثة كما يظن البعض في عصرنا؛ فقد كتب بعض القدماء من أعلام الفكر والأدب والعلم عن حياتهم، ومن أهم كتب السيرة الذاتية العربية القديمة «الاعتبار» لأسامة بن منقذ، و«المنقذ من الضلال» للإمام الغزالي، وفي العصر الحديث اتجه كثير من الأدباء إلى كتابة السيرة الذاتية بالأسلوب الحديث والتحليل النفسي الممتع ومنها: «الأيام» للدكتور طه حسين، و«حياتي» لأحمد أمين، و«أنا» لعباس محمود العقّاد.

وفضلاً عن القيم الفنية أضيفت قيم اجتماعية إنسانية وتساؤلات تعددت عليها الأجوبة؛ فجاءت وليدة الواقع الذي يعكسه الأديب ويعبر عنه ودلالة على موقف الإنسان وانعكاس لذاته تجاه الواقع؟

وجاءت الردود والآراء والأرقام متقاربة على السؤال الذي طرحته «البيان»: (هل تمثل كتب السيرة الذاتية قيمة أدبية ملهمة؟)، فكانت النتائج مُجمعة على أهمية ذلك النوع الأدبي العريق؛ فعلى موقع البيان الإلكتروني، كانت أجوبة المستطلعة آراؤهم 61% بـ«نعم»، و39% بـ«لا»، أما في «تويتر»، فقد أكد 63% بـ«نعم» و37% بـ«لا»، وعلى «فيسبوك»، كانت النتيجة 71% «نعم» و29% بلا.

إلحاح

وفي السياق، تؤكد الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد أن كل سيرة ذاتية في حد ذاتها هي تجربة ذاتية لكل شخص من الأشخاص فإذا بلغت هذه التجربة دور النضج وأصبحت في نفس كاتبها نوعاً من القلق الفني وأصبحت تلح عليه للإفضاء بها للناس دون أي حرج، فإنه لا بد أن يكتب سيرته الذاتية. وإن الإنسان الذي يعجز عن أن يرى مرتبته في الحياة بكل الوضوح وليست له نظرة عميقة ونظرة خاصة في تجربة حياته لا يناسب له أن يكتب سيرته.

تأثير إيجابي

وتضيف الهنوف: إن الهدف والغاية التي تحققها كتابة السيرة الذاتية من صاحبها هي تخفيف العبء عن عاتقه بنقل التجربة الذاتية إلى الآخرين، ودعوتهم إلى المشاركة فيها، فهي توفر فرصة للفنان يريح نفسه بالاعتراف ولإيضاح موقفه من المجتمع، ويعني ذلك أنه يكتب ليستفيد بالتنفيس عن مكنونات قلبه وإطلاق نفسه من عقالها، وليحصل على المتعة الفنية الناتجة عن الصدق والقدرة على التأثير، ويكتب ليفيد الناس بتجاربه الذاتية التي تكتب مرة واحدة فقط؛ لأن نص السيرة الذاتية نص مهم في الحياة الأدبية والاجتماعية عند صاحبه الذي كتبه، وذلك نابع من أنه نفسه كان موضوعاً له في ذلك.

فروقات فنية

وتوضح الهنوف أن النقد الأدبي قد اعتنى بذكر الفروق الموجودة بين السيرة الذاتية والأجناس الأدبية الأخرى القريبة منها، كالسيرة الغيرية، والتاريخ، والمذكرات، واليوميات، والرواية، وذهب معظمهم إلى إصدار آراء متفقة إلى حد ما بغية الوصول إلى ملامح فنية محددة لهذا الجنس الأدبي؛ فيرى النقاد والدارسون أن السيرة الذاتية تختلف عن السيرة الغيرية.

لأن الأولى ذاتية يكون كاتبها غارقًا في «الأنا» بحيث ينقل نقلاً مباشرًا من داخل الذات بالاعتماد على التذكر القوي لذكرياته، بينما يلجأ الكاتب في الثانية إلى النقل عن طريق الوثائق والمدونات، والمشاهدات والملاحظات، بغـض النظر عن ذاته، ما يجعله موضوعيًّا في كتابة السيرة وإنجازها.

طور

وحول قلة كتب وكتّاب السيرة الذاتية في الإمارات، يقول الكاتب والباحث الإماراتي د. محمد حمدان بن جرش: إن تجارب كتابة السيرة الذاتية محلياً في طور النهوض والتكوين النابع من فهم إيجابي لطبيعة مكونات وعناصر السيرة الذاتية القائمة على حقائق وشغف التساؤلات القادرة على إزاحة الستار عن الغموض، والذي قد يسبب الارتباك عند كتابة السيرة الذاتية التي من أهم سماتها الواقعية والعمق.

دعائم إنسانيةويرى بن جرش أن للأدب علاقة واضحة بالحياة، إذ إن ارتباط كل واحد منهما بالآخر حتمي لارتباطهما بكيان الإنسان. فالإنسان هو محل التجارب الحياتية وكاشف خفايا الوجود والمساهم في النّهضة البشريّة.

والتجربة الإنسانية تُعدّ المحرك الرئيسي للأديب، لذلك فإنَّ الأدب يأخذ قيمته من مدى ارتباطه بحياة الناس وهمومهم ومعاناتهم، وهذا النوع من الأدب هو الذي يستمد قوة الوجود ويستحق الديمومة والاستمرار. فالأديب لا يمثل نفسه فحسب، بل هو يمثلها ويمثل الآخرين، فهو يعيش في مجتمع، يتصل فيه بالناس كافة، يعرف مشكلاتهم، ويحس بها.

تصوير واقعي

وفيما يتعلق بالقيمة الفنية للسيرة الذاتية النموذجية يقول الكاتب والمسرحي، د. هيثم الخواجة: إنها تنبع من الأسلوب المتكامل العناصر والخالي من الحشو الذي لا يثري التجربة الذاتية وانعكاسها على القارئ؛ ففي كثير من الأحيان، ينشر كثير من كتب السيرة الذاتية في الوطن العربي يفتقر إلى الإيجاز المحكم، ولا يتصف بسلاسة السرد والبيان القصصي، والعبارة العذبة وحسن العرض، والقدرة على إعادة الماضي وبعث الحياة والحركة والحرارة في تصوير الأحداث والتجارب والشخصيات.

ترجمة نقدية

ويشير الخواجة إلى أن من أهم مميزات السيرة الذاتية هي الوضوح والصدق والتجرد في كثير من النظرات والآراء والتجارب المتصلة بالذات وبالشخصيات، وبعضها يصور أصحابها ما عانوه من صراع داخلي وخارجي، تصويراً دافقاً بالحيوية والازدياد والنمو، ويكشف عن مدى ما أصابته شخصية أحدهم من تحول وتغير وتطور.

وعني كثير من هذه التراجم الذاتية بإثبات عنصري الزمان والمكان والكشف عن أسماء الشخصيات والأماكن وتعزيز الأحداث بإثبات التاريخ وبعض الذرائع والمدونات، مع المحافظة على الاسترسال والسرد الأدبي الجالب للمتعة المرادة من العمل الأدبي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات