الأرض تحت رحمة الثورة الصناعية الرابعة - البيان

الأرض تحت رحمة الثورة الصناعية الرابعة

"الثورة الصناعية الرابعة تحمل وعوداً بضمان الوصول العالمي لمياه شرب آمنة، وتأمين الماء لقطاعات الصناعة والطاقة والزراعة والأنظمة البيئية. وتبقى الآمال معقودة على تحويل الوعود لواقع ملموس."

إذا فهمناها بشكلها الصحيح، يسعنا أن نقلبها ثورة مستدامة، إنها الثورة الصناعية الرابعة التي كلما حثت الخطى، سرّعت وتيرة الاختراعات وفعاليتها واتساع إمكانية الوصول إليها. وإننا نشهد، مع تزايد اتصال التكنولوجيا تقارب المجالات الرقمية والمادية والبيولوجية.

ويتطلب تسخير تلك الفرص والتعامل الاستباقي مع المخاطر تحولاً في «البيئة الممكنة»، سيما أطر الحوكمة والبروتوكولات السياسية وأنماط الاستثمار والتمويل، والمحفزات السائدة لتطوير التكنولوجيا، وطبيعة الانخراط المجتمعي. ولن يحصل هذا التغيير تلقائياً، إذ يعوزه التعاون الفاعل بين صناع القرار السياسي، والعلماء، والمجتمع المدني وروّاد التكنولوجيا والمستثمرين.

تتوافر الفرص اليوم لفتح فصل جديد من الابتكار في قطاع المياه، حيث الابتكار ما عاد خياراً بقدر ما هو حاجة، سيما في ظل مكافحة العالم مع مضاعفات الانتقال المؤلم والسريع من الاعتقاد بأن الماء متوفر ومجاني لمواجهة تأثيرات شحّ المياه وتراجع جودتها ومتغيرات الأحداث الهيدرولوجية الناجمة عن تغيّر المناخ.

بحسب تقرير لمنتدى الاقتصاد العالمي، لم يعد ما يختبره العالم اليوم يندرج في إطار «الطبيعي»، ولم تعد آليات الماضي قابلة للاستخدام من أجل توقّع أحوال الطقس والمتساقطات الموسمية.

وتبرز حالياً الحاجة الملحّة لسياسات عامة جديدة واستراتيجيات عمل وابتكارات في عالم التكنولوجيا والتمويل والشراكات للازدهار في القرن الـ21. ولن تكون تلك التطورات ممكنة ما لم تتواجد بيانات أجود نوعاً وأكثر تناولاً، وخلق معلومات أكثر إفادة.

فلنتخيل إمكانات تسخير قوة الاستشعار عن بُعد لتوفير توقعات محسنة بشكل كبير حول الفيضانات والجفاف، والمراقبة في الوقت الفعلي لكميات المياه وجودتها في المستجمعات المائية، وإدارة متطورة لأصول المنشآت المائية، وحلول مركزية وخارج الشبكة مرافقة لمنصات تجارة المياه «غير احتكاكية».

وتبرز التقنيات الرقمية كالأجهزة المتصلة، والتحليلات التوقعية كأدوات فعّالة في تحقيق وصول مستدام، مرن ومتساوٍ للمياه.

وتتجلى خمسة تحديات هي الأكثر إلحاحاً فيما يتعلق بالمياه تتطلب حلولاً، هي الحصول على صورة متكاملة حالية وقابلة للوصول حول العرض والطلب على المياه، حيث تقنيات الثورة الصناعية الرابعة قادرة على تجميع معلومات أكثر تكاملاً ووصلاً وآنية عبر صور الأقمار الاصطناعية وأجهزة مراقبة الأرض الأخرى. لتأمين رؤى جديدة بالعمق حول مصادر المياه في العالم.

ويبرز أيضاً تحدي تأمين الوصول والحرص على جودة المياه وخدمات المياه والصرف والنظافة الصحية في ظل إحصاءات تشير لعيش حوالي أربعة مليارات من السكان في مناطق تتسم بندرة المياه، ووجود مليارين لا يملكون الوصول لمياه شرب آمنة وخدمات صرف صحي أساسية. أما التحديات الثلاثة الأخرى فتتوزع بين إدارة الطلب المتزايد، والتأكد من جودة المياه، وبناء المرونة إزاء تغير المناخ.

وتحظى الحلول التي تطرحها تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بالقدرة على تحويل وإطلاق أجندة ابتكارات جديدة لقطاع المياه. وفي حين أن تلك التكنولوجيات لا تؤمن الحل الأوحد أو الكامل لتحديات المياه في العالم إلا أنها تحسن بالعمق الأدوات المتاحة لقادة الحكومات والشركات والمجتمعات لفهم وإدارة واستخدام موارد المياه.

وتبرز بعض أهم السبل التي تغير فيها الثورة الصناعية الرابعة مقاربات إدارة المياه. ويتلخص أول تلك بإدارة أنظمة البنى التحتية المائية للقرن الـ21، إضافة إلى بيانات مائية تتسم بقابلية التشغيل المتبادل والوقت الفعلي، وإعادة تصميم سلاسل التغذية، وموارد التزويد المتنوعة.

إن أزمة المياه العالمية ليست جديدة، وينطوي تسخير التطورات المتسارعة للتكنولوجيا والمعلومات التي تطرحها الثورة الصناعية الرابعة بوعود عظيمة لتحسين سبل إدارة التحديات العامة بما فيها المياه. لكن السؤال الأهم يبقى في كيفية تحويل تلك الوعود إلى واقع.

مسؤولية المجتمع

تتوفر للمجتمع فرصة هائلة كما مسؤولية كبيرة لاستيعاب قدرات التكنولوجيا والابتكار المتاحة بمتناوله، وإنشاء البنى التحتية المناسبة وآليات التمويل والسياسة، ليس من أجل الاستعداد لتحديات الغد، بل للاستفادة القصوى من الإمكانات المتوفرة على أجندة العمل الحالية.

2030

اندرجت قضايا المياه، لسبع سنوات متتالية، ضمن عوامل الخطر العالمية الخمس الأولى في تقرير المخاطر العالمية السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي. وتبين في العام 2018 أنه من بين المخاطر العالمية الأعلى احتمالاً للتبلور، والأعلى تأثيراً في العالم على مدى سنوات العقد المقبل ترتبط جميعها إلا واحدة بالمياه.

وعلى امتداد هذه الفترة، حيث برزت مخاطر أخرى واختفت، كالأزمات المالية والأمراض المزمنة، واصلت أزمة المياه ظهورها. وفي حين أن التحديات معروفة، وخطوات التقدم قد أحرزت، لا يزال محزناً أن نرى أن حل تحديات المياه في النهاية يواصل مراوغته وتملصه.

ويقبع في جوهر إدارة الموارد المائية قرارات حول الطريقة الأمثل لتخصيص مصدر محدود عبر مختلف المستخدمين المتنافسين ذوي الطلب المرتفع.

في ظل وجود فجوة تقدر بنسبة 40% بحلول 2030 بين العرض والطلب على المياه، فإن التنافس على الموارد الشحيحة أصلاً سيتضاعف، مؤدياً إلى خيارات تخصيص مؤلمة وصعبة تؤثر على القطاع العام والشركات والمجتمع المدني والأنظمة البيئية. ويتطلب توازن الخيارات فهماً لجودة المياه والكمّ الذي يمكن استعماله باستدامة، وصورة دقيقة عن الطلب الجاري والمتوقع للمياه للاستخدام الاقتصادي.

مشكلة حرون

تتسم التحديات المرتبطة بالمياه بالتعقيد والتشابك مما يضعها في إطار «المشكلة الحرون أو المستعصية». ويعبر ذلك عموماً عن «مشكلة معقدة لا تحتمل حلاً أو إجراءً بسيطاً، وليس لها جوابٌ وحيد، وحيث كل محاولة تحمل أهمية، لأنها تترك تأثيراً على الأمور التي يعتمد الناس عليها. وغالباً ما تكون المشكلات الحرون شائكة اجتماعياً وتتطلب التعامل مع السلوكيات والمحصلات المتغيرة غير المرئية».

نحظى اليوم بفرصةٍ فريدة لتسخير الثورة الصناعية الرابعة والتحولات المجتمعية التي تحفّزها للمساعدة في معالجة القضايا البيئية وتحويل كيفية إدارة بيئتنا العالمية المشتركة. ويمكن للثورة الصناعية الرابعة مفاقمة التهديدات القائمة، التي تطال الأمن البيئي أو تخلق مخاطر جديدة بالكامل تحتاج الاهتمام والمعالجة.

دعونا نرسم معاً مستقبلاً يناسبنا جميعاً عبر وضع الإنسان أولاً وتمكينه، وأن نتذكر أن أدوات التكنولوجيا صنعت أولاً من الإنسان للإنسان.

Ⅶ كلاوس شواب، رئيس ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي

تكنولوجيا اليوم قديمة بمعايير الأبحاث والتطوير. والحاسوب الذي اشتريته اليوم بات بالياً منذ لحظة إنتاجه.

Ⅶ ستيف جوبس، مؤسس شركة «آبل»

لا بد لنا أن نفوز في السباق بين قوة التكنولوجيا المتنامية والحكمة المتزايدة للتعامل معها. لا نريد التعلم من الأخطاء.

Ⅶ ماكس تيغمارك، عالم فيزيائي سويدي أميركي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات