مدارات

«علم ما فوق الجينات» وأسئلته الوجودية بشأن الوراثة

أصبح «علم ما فوق الجينات» أو «الأبيجينية» أحد أهم موضوعات علم الأحياء في السنوات الأخيرة، لا سيما مع إدراك العالم المتزايد لأهمية «التعبير الجيني»، أي إمكانية إسكات أجزاء من جينات الحمض النووي وتشغيلها دون أي تغيير في تسلسل الحمض النووي، في تحديد سمات الأفراد المختلفة، وما نحن عليه.

وكان من تأثير هذا الاكتشاف انتقال الأوساط الطبية من الاهتمام بالجينات نفسها إلى استخداماتها، فبإيقاف جين لدينا يمكن أن نبدو كثيراً كشخص ليس لديه هذا الجين على الإطلاق، يقول العالم ديفيد مور في موقع أكسفورد يونيفرستي برس، مشيراً إلى أن تلك العوامل «الأبيجينية» التي تعمل على تشغيل الجينات أو إيقافها تفسّر أسباب الابتعاد عن تسلسل الجينوم البشري، على الرغم من الوعود في بداية القرن بأن مشروع الجينوم البشري سيزوّدنا بمخطط للحياة.

فقد تبين أن 1.5% من شيفرتنا الجينية أو الجينوم يتكون من جينات(تترجم إلى بروتينات)، فيما نسبة 10% تعمل على تنظيمها وتضمن تشغيل الجينات وإغلاقها في الخلايا في الوقت الصحيح. ويقول العالم غرتون لنتر من جامعة أكسفورد أن لا فائدة ترجى من فحوص الحمض النووي في الطب في الظاهر «فهي مجرد مخلفات تطورية» لفيروسات وغيرها.

وكانت اكتشافات التعبير الجيني تشهد توسّعاً في البحوث في مجالات شتى أخيراً، من التركيز على الآليات المؤثرة في التعبير الجيني «علم الجزيئات»، إلى الإضاءة على تطور مرض السرطان واضطرابات أخرى كمتلازمة ريت وغيرها «علوم الطب»، إلى دراسة تأثير التعرض للسموم من البيئة في كيفية عمل أجسامنا «علم البيئة»، وغيرها.

أما البحوث التي حظيت بالاهتمام الأكبر، فكانت في مجال «علم التخلق السلوكي» الذي يدرس كيف تؤثر عوامل «أبيجينة» على سلوكيات الكائن الحي والعكس، فالتعبير الجيني المتأثر بالتجارب والبيئة ينتج اختلافات فردية في السلوك والإدراك والشخصية والصحة العقلية، يقول العلماء. وهذه التغييرات تحدث ليس فقط في الجنين لكن أيضاً تؤثر في الأفراد طيلة حياتهم.

الحتمية الجينية

تلك الأبحاث بشأن السلوك البشري، عما إذا كان مدفوعاً بقوى بيولوجية فطرية أو نتاجاً للبيئة المحيطة، أشعلت أخيراً جدلاً قديماً في الأوساط العلمية: هل نحن نتاج بيئتنا أو مجرد تجسّيد لجيناتنا؟ هل الطبيعة تحكم سلوك الأفراد أم التنشئة (التجربة، الحمية، التعرّض للسموم وغيره)؟ وفيما يتفق الجميع على أن الأمر مزيج من الاثنين، ليس هناك نهاية للخلافات بشأن لأي منهما يعود التأثير المهيمن في كل جانب من الخصائص الفردية.

ومنذ تطور علم الوراثة منذ قرن ونصف، ورسم خريطة الجينوم البشري قبل 15 عاماً، كان هناك وعي بأن العلم كان يتعمق في قضايا قابلة للاشتعال. وفيما كان هناك قبولاً بأن الجينات تحدد علم وظائف الأعضاء، أحاط جدل أكبر بموضوع علم النفس، لا سيما سلوكنا وخصائصنا الشخصية.

وكان هذا السؤال «الطبيعة أم التنشئة» أو «الوراثة أم البيئة» قد اندرج في صميم نزاع أيديولوجي خلال القرن العشرين، ثم جاء التقدم في علم الأحياء كاشفاً عن هشاشة هذا المفهوم، يقول البعض إنه لم يعد بإمكاننا أن نسأل «إلى أي درجة الموضوع وراثي أو بيئي»، لكن كيف تتفاعل الطبيعة والتنشئة لإنتاج أنماط من السلوك والعواطف والإدراك.

يقول العالم ديفيد مور أن جميع أنماطنا الظاهرية، من السمات البيولوجية مثل لون البشرة والطول إلى السمات السلوكية مثل الذكاء والمخاطرة، تأتي من تفاعل بين العوامل الوراثية وغير الوراثية، وأنه حتى الدراسات التي أجريت على توائم متطابقين أشارت إلى عنصر وراثي هام، لكن نتائجها لم تشر بأي شكل من الأشكال إلى مساهمة طاغية للعوامل الوراثية.

وكان البعض قد اعتقد بأنه وجد الإجابة الكاملة في علم الوراثة. وكان لذلك تأثير اجتماعي فظيع؛ لأن عدداً من العلماء والسياسيين شعروا بأنهم يعرفون بما فيه الكفاية للسيطرة على الوراثة بهدف تحسين المجتمع، وممارسة علم تحسين النسل.

لكن العالم في جامعة ييل كارل زيمر، يقول هناك الكثير من الطرق المختلفة لتحديد الذكاء، لكن الفحوص تقيس عاملاً ثابتاً مستقراً على مدى حياة الأشخاص، وهذا أمر قابل للتوريث جزئياً، لكن البيئة تؤثر على النتائج بكل تأكيد.

مستشهداً بسمة الطول، يقول تلك السمة قابلة للتوريث أكثر من الذكاء، لكن كل جين في المتوسط يجعل الناس أطول أو أقصر بأقل من بوصة، وهناك أكثر من 3 آلاف متغير جيني يؤثر في الطول. من جهة أخرى، الجميع في أنحاء العالم اليوم هم أطول ببضع بوصات مما كانوا منذ بضع مئات السنين، وهذا لا علاقة له بالجينات، بل بالطعام والطب والنظم الصحية الأفضل.

التأثير على سلوكياتنا

وفي الآونة الأخيرة، فإن فهماً متعمقاً للآليات الكامنة في التفاعل بين «الوراثة والبيئة»، دفع بالعلماء للتركيز على الطريقة التي بإمكان التجربة والحياة أن تؤثر في أجساد الأفراد بطرق تغير أداء جيناتهم، بالتالي سلوكهم، التعبير الجيني.

ومن التجارب الهامة التي يستشهد بها كثيراً ما توصل إليه العالمان مايكل ميني وموشيه سزيف، واكتشافهما أن سلوك الأمهات الفئران غير حالة الجينات في أدمغة جرائها حديثي الولادة، ما أدى بها إلى التفاعل بشكل أفضل عند البلوغ مع أوضاع التوتر والإجهاد.

وقد تمكّن الباحثان من إظهار أن سلوك الأمهات العاطفي أنتج تأثيرات «أبيجينية» أثرت على السرعة التي تنتج بها أدمغة الجراء «مستقبلات جلايكورتيكيد»، وهي بروتينات معروفة بدورها الكبير في الاستجابة للإجهاد عند الثدييات، وقد كشف عملهما عن آليات فيزيائية، حيث التجربة في الصغر يمكنها تغيير تعبيرات الحمض النووي بطرق لديها تأثيرات طويلة الأمد على السلوك.

الدراسات أظهرت أيضاً كيف يمكن لمجموعة متنوعة من التجارب أن تغير كيف نتصرف بعد عقود من الزمن. ويقول العلماء إنه فيما هناك إحساس بديهي بأن السموم البيئية يمكنها أن تدخل أجسادنا وتغير وظائفها، فإن قلة منا توقع أن يكون أشخاص ترعرعوا في أوضاع من الفقر والحرمان مختلفين «أبيجينياً» عن أشخاص نموا في بيئات أكثر ترفاً، حتى بعد وصول هؤلاء إلى منتصف العمر وقد تحسَّنت أوضاعهم المعيشية، فتأثيرات الطفولة المبكرة تبدو أنها مؤرشفة في الأبيجينوم.

يؤكد العالم في جامعة ييل كارل زيمر أن الشكل الذي نبدو عليه «أبيجينيا» عندما نصل إلى سن الخمسين يعتمد على حياتنا، والحظوظ الجيدة أو الضربات السيئة التي مررنا بها. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك أبحاث عن إمكانية توريث «العوامل الأبيجنينة» إلى الأجيال المقبلة.

علم التخلق والصحة النفسية

ولأن علم التخلق منخرط في القضايا النفسية، يدرس الباحثون اليوم الرابط بين الحالات «الأبيجينية» والظروف النفسية غير الطبيعية من اضطراب ما بعد الصدمة والإدمان واضطرابات الأكل والاكتئاب إلى الفصام واضطراب ثنائي القطب.

وعلى عكس تسلسل الحمض النووي، فإن الحالة «الأبيجينية» للشخص يمكن تغييرها بطرق عدة، على سبيل المثال، باستخدام الأدوية والحمية والرياضة أو التعرض إلى بيئات معنية أو سياقات تعلم جديدة.

وعليه، اجتاحت احتمالات الوراثة الأبيجينة الثقافة الشعبية أخيراً، حيث جرى الترويج لتمارين يوغا «من علم التخلق» كما علاجات للبشرة وغيرها.. كما اقترح أحد المعالجين النفسيين شفاء مرضاه نفسياً بعلاج الصدمات التي تعرض لها أجداده. لكن هناك الكثير من التشكيك في المجتمع العلمي بشأن الأدلة على ذلك.

ويبقى الهدف الطبي في إعادة برمجة التغييرات «الأبيجينية» للمساعدة في الصحة النفسية، لكن العلماء يقولون إن معظم الدراسات تركز على جين واحد، وعلى أرض الواقع، على الأرجح أن العديد من الجينات، كما التفاعلات بينها تسهم في الاختلافات الفردية في الشخصية والسلوك والصحة. وتبقى المخاوف، رغم الوعود بإيجاد علاجات لبعض الأمراض، من التلاعب في التعبيرات الجينية وسلوكيات البشر واستغلال تلك في سياقات خطيرة وغير مرغوبة.

قدم العلماء عام 2012 أول دليل على أنماط سلوكية مرتبطة بـ «الأبيجينية» يمكن عكسها في النحل، حيث عمدوا إلى تغيير مهام النحل، من جمع الرحيق لوظيفة إطعام اليرقات داخل القُفر، فوجدوا 170 موقعاً في الحمض النووي بعلامات كيميائية مختلفة بين النحل الذي استمر بجمع الرحيق، والنحل الذي تحول لوظيفة إطعام اليرقات، مثبتاً أن العلامات «الأبيجينية» ليست دائمة ويمكن عكسها، ومرتبطة بسلوك النحل والحياة في القفر.

جامعة جون هوبكنز بالولايات المتحدة

درجة الاتصال الجسدي بين الرضيع ووالديه يمكن أن تؤثر على الأطفال من حيث مستوى الجزيئات. فقد وجد العلماء اختلافات متسقة في التعبير الجيني بين الأطفال في 5 مواقع في الحمض النووي، اثنين منهما على الجينات، إحداهما تلعب دوراً في النظام المناعي، والأخرى متعلقة بعملية الأيض، غير أن تأثيرات تلك التغيرات الأبيجينة على تطور الطفل وصحته غير معروفة بعد.

Ⅶ جامعة بريتيش كولومبيا بكندا

الوراثة ليست كما نميل إلى الاعتقاد

الوراثة محورية في وجودنا، وكيف نعرف أنفسنا، لكنها ليست كما نعتقد أنها عليه. ليست جينات فحسب، فنحن نرث الثقافة أيضاً، وقد تكون هناك حتى قنوات أخرى للوراثة. عموماً، فإن طريقة تمكّن الجينات في عملية الوراثة لا تلائم أفكارنا الشائعة.

نميل إلى تخيل أننا نرث جينات معينة من أهلنا وأجدادنا، وأن تلك تشكل ما نحن عليه بطرق يمكن فهمها وتعقبها. لكن لا تعمل الوراثة بهذا الشكل، كل سمة من سماتنا متأثرة بمئات أو ألوف الجينات المختلفة، والبيئة التي تعمل الجينات داخلها تشكل كل الفرق فيما نبدو عليه.

الكاتب والأستاذ الجامعي كارل زيمر، جامعة ييل الأميركية

من الأمثلة على أن الجينوم يحمل كل المعلومات عنا، لكن الكثير من التفاصيل الخاصة بسلوكنا ومظهرنا يحددها تنظيم تلك الجينات، ما تم البرهان عليه في تجربة على بروتين «أغوتي»، وهي جزيئات تنظم التصبغ ووزن الجسم، حيث توائم متطابقة من الفئران نمت لتبدو مختلفة تماماً من حيث الحجم واللون، أصفر بدين وبني نحيف، الفئران تملك الجينوم نفسه لكن تعبير الجينات اختلف.

Ⅶ جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة

«الأبيجينية».. تصورات متضاربة وآمال واعدة

تقنية

في تطور أخير، أعلن العلماء عن تطور جديد في تقنية «كرسبر ـ كاس 9»، تحفظ سلامة الحمض النووي، وتعمل على تغيير «الابيجينوم» فقط، وذلك بدلاً من ممارسة سابقة كانت تقضي قطع الحمض النووي والمخاطرة بعطب الخلايا.

وزعموا أنهم تمكنوا من علاج عدد من نماذج الأمراض في الفئران، بما في ذلك مرض الكلى المزمن، والحثل العضلي، والسكري من النوع الأول.

وراثة

شكك بحث لجامعة كامبريدج أخيراً، بما يشاع من أن حميتنا وعاداتنا وتجاربنا المؤلمة يمكن أن تعود بعواقب على صحة أولادنا وأحفادنا عبر «الوراثة الابيجينية»، «العلامات» الكيميائية حول الحمض النووي التي يفترض أنها تمرر عبر الأجيال، مرجحين أن يكون أمر كهذا نادراً جداً، لكن بحث آخر للجامعة أفاد بأن إحدى الطرق التي يجري عبرها تمرير التأثيرات البيئية قد تكون عبر جزيئات يجري إنتاجها من الحمض النووي الصبغي «أر إن إيه»، بتأثيرات كزيادة الحساسية للأنسولين والبدانة، والاكتئاب.

نفسية

يرى الطبيب النفساني في جامعة فيرمونت، ديفيد ريتيو، رسالة أمل في الفهم الحديث لمسار تطور الفرد نفسياً، فتقدير العوامل الجينية والبيئية المتفاعلة المعقدة يعطي مجالاً للتدخل. ففتى بعمر العاشرة بسلوك عدواني، قد يكون ورث نزعة مزاجية وراثية عدوانية، وهذا الميل نحو الغضب يستحضر استجابات سلبية من الأهل، الذين يصارعون للسيطرة على غضبهم، فتتدحرج تلك التفاعلات ككرة الثلج وينمو دماغ الطفل بشكل مختلف. يقول إنه من المهم أننا نعي الآن أن أشياء مثل العلاجات النفسية وتوجيه الأهل وممارسة الرياضة والعادات الغذائية الجيدة مهمة أيضاً، وليست الأدوية والعلاجات البيولوجية فحسب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات