ربما من المبرر، في ظل المناخات السياسية السائدة أن يفقد المرء كل إيمان وثقة بالقدرة على التعامل مع تحديات الاستدامة، غير أن التفاؤل لا بدّ أن يظل سيد الموقف. ويحدث الآن أن التزعزع المستدام يعبر القطاعات الصناعية بالتزامن مع السعي الحثيث للحكومة الأميركية لإحياء التقنيات القديمة.
أما قيادات القطاع المجتمعي فحاسمة في المضي قدماً في المسار نحو تكنولوجيات المستقبل التي تدفع بعجلة النمو الاقتصادي، وإيجاد فرص العمل، وتساعد عل ضمان مستقبل مستدام. ويؤدي تضافر الجهود وتوحيدها لتحفيز الابتكار في مجال التكنولوجيا المستدامة.
ويدعي عدد من العلماء وصنّاع القرار السياسي ورواد الشركات بأن التعامل مع تحديات الاستدامة يتطلب الابتكار على نطاق واسع. أما الاكتفاء بالمناشدات المطالبة بـ«التوقف والامتناع» عن المشاركة في أعمال تترك آثاراً سيئة على البيئة، فهو أمر غير واقعي اقتصادياً، أو كافٍ على ما يبدو لدفعنا نحو الاستدامة. كذلك فإن الدعوات لتقليص الاستهلاك، على الرغم من عقلانيته، أشبه بالمثال القائل عن الصبي الذي سدّ الطوفان بإصبعه.
إن طلب الناس على البضائع والخدمات لن يتوقف، كذلك تزويد المنتجين لهم. وإن أي تقليل لاستهلاك الفرد يحتاج لأكثر من مجرد التعويض عن أعداد السكان المتزايدة في العالم بهدف تقليص صافي التأثير النهائي. ونحتاج، في غياب التغييرات في السلوكيات ونماذج الاستهلاك العالمية، لمنتجات وخدمات وأنماط شركات جديدة بالكامل، كما لعمليات إنتاج تولد قيمةً للبشر وتقلّص في الوقت عينه، أو تحسّن، التأثيرات البيئية.
في النهاية، إن المدى الذي يمكن للشركات بلوغه في ابتكار التكنولوجيات المزعزعة أو المستدامة، أمر يحدده تفاعل معقد بين الأسواق ومختلف ممثلي القطاع المؤسساتي: كالمبتكرين الذين يقودون التقنيات المستدامة الحديثة، والمستثمرين الذين يتنبهون للفرص الجديدة في سوق التقنيات المستدامة، والمدراء الذين يسيرون بالشركات الكبرى نحو تحقيق الأرباح والاستفادة من إمكانية الاستدامة، والعملاء المستعدين للدفع مقابل تلك التقنيات، والناشطين الذين يمارسون الضغوطات على الشركات للاستثمار في عالم الابتكار الأخضر، والحكومات التي تحفّز تقنيات الاستدامة الجديدة عبر القوانين والضرائب وحزمة من السياسات الأخرى. ويؤثر كل من هؤلاء اللاعبين في مستوى استثمار الشركات في تقنيات الاستدامة وتطويرها.
عاملا جذب أساسيان يحصنان عملية الابتكار، أحدهما يمثل ضغط الطلب بمعنى محفزات السوق نحو الابتكار التي يخلقها الطلب على البضائع والتكنولوجيا. أما الثاني فيتصل بجانب عرض الابتكار أو ما يعرف عادةً بـ«بالدفع التكنولوجي»، أو الدعم المطلوب لدفع الابتكار.
لطالما شكلت الأهمية النسبية للدفع التكنولوجي مقابل ضغط الطلب في قيادة الابتكار مدار نقاش بين الباحثين. وليس مفاجئاً أن تؤكد الأدلة بأن كليهما أساسي. وإن الازدهار الواسع لحواضن التكنولوجيا الجديدة وصناديق الاستثمار وصناديق رؤوس الأموال المخصصة للتقنيات المستدامة ستكون ذات تأثير محدود في حال لم تخلق التكنولوجيات القيمة المطلوبة في سوق العمل. وهكذا، فإن إيجاد حوافز السوق، لن يؤدي إلى التزعزع الجوهري ما لم يكن هناك نظام دعم أساسي لتوفير الظروف التي يمكن أن يزدهر الابتكار في ظلها.
ويحيط بالعوامل الجاذبة مجموعة واسعة من عناصر التدخل والوسطاء الخاصين الذين يؤثرون على مستوى قيادة الدفع التكنولوجي وضغط الطلب على عملية الابتكار. الأسواق يدفعها عدد من العوامل بما في ذلك المبتكرون ورجال الأعمال والشركات القائمة والمزودون والموظفون والمستثمرون والمستهلكون. أضف إلى ذلك أن الأسواق لا تعمل بشكل منعزل، بل محاطة بنظام سياسي اجتماعي واسع النطاق يحدد إمكانيات وضوابط عملها.
وبالتالي، فإن الناشطين ومنظمات العمل غير الحكومي والمنظمين وصناع القرار وجماعات الضغط والمشرعين ومنظمات التجارة العالمية والاتحادات التجارية والجامعات والمختبرات الوطنية تلعب جميعها دوراً. ويخلق لاعبو السوق وخارجه مجتمعين الظروف التي يمكن للابتكارات في ظلها أن تزدهر أو تضمحل.

التزعزع مسيرة وليس حدثاً. ولا يمكن للابتكارات إلا أن تكون مزعزعة بالمقارنة مع أي شيء آخر.
Ⅶ كلايتون كريستنسن، أستاذ في جامعة هارفرد

على المزعزعين عدم اكتشاف شيء جديد بل الاكتفاء بإيجاد استخدام عملي للاكتشافات الجديدة.
Ⅶ جاي ساميت، نائب رئيس شركة ديلويت للخدمات المهنية

يكمن المبدأ الأهم في الابتكار المزعزع والمستدام في التركيز الأقصى على الزبائن، فالابتكار ينطلق من احتياجاتهم وتوقعاتهم.
Ⅶ دنيز موريسون، مديرة شركة كامبل للحساء

مصطلح
مدفوعة بالحاجة للتغيير عبر التأثير والنمو والابتكار، تعتبر تكنولوجيا التزعزع المستدام مصطلحاً يصعب فهمه كلياً. ففي حين أنه يتضمن عناصر من كل من تكنولوجيا التزعزع وتكنولوجيا الاستدامة، فإن الحديث عن التعبير نفسه يثير طرحاً آخر فريداً. فبدلاً من التركيز على تطوير تكنولوجيا جديدة، يكون نقاش تكنولوجيا التزعزع المستدام محملاً بتأثير ابتكار ونمو التزعزع، ومدعوماً في الوقت عينه بالتكنولوجيا.
%19
يشير البعض إلى أننا نملك التكنولوجيا اللازمة للتعامل مع تحديات الاستدامة، فالطاقة المتجددة تكتسب زخماً وقد بدأت بالتالي تتنافس مع أنواع الوقود الصخري. وقد تبين من تقرير الحالة العالمية لشبكة الطاقة المتجددة للقرن 21 أن المصادر المتجددة أمنت 19% من ناتج الطاقة العالمي لعام 2014. وأوضحت تقنيات الزراعة العضوية قابلية نجاح الزراعات التي لا تفرط في الاعتماد على الري والأسمدة. أما طرح السيارات الكهربائية فأكد أن بدائل السيارات التي تعمل بالوقود قابلة للاستمرارية. قد تكون التكنولوجيا موجودة، إلا أن إرادة تبنيها غائبة.
ولا يوافق آخرون على هذا الطرح باعتبار أن التكنولوجيا لا يمكن أن تتواجد بمعزل عن النظام الاقتصادي الاجتماعي الأعم. فالابتكار ليس مجرد اختراع بمعنى خلق أمر جديد، بل إنه التزاوج بين الاختراع والتعامل التجاري.

فارق
لا يزال الفارق بين الابتكار المزعزع والمستدام ملتبساً فهمه عامةً. ويكمن عنصر التمايز الأساسي في إدراك الابتكار المستدام لاحتياجات الزبائن في السوق القائم وابتكار منتجات تلبي متطلباتهم المتوقعة مستقبلياً، أما الابتكار المزعزع فيخلق أسواقاً جديدة منفصلة عن التيار السائد، لم تكن معروفة في زمن بداية التصور التكنولوجي. ويحسن رواد السوق التعامل مع الابتكارات المستدامة واستثمارها لتطوير شركاتهم، أما الابتكارات المزعزعة فتطرح تحدياً لقادة الأسواق.

