لمن تعود ملكية التنوع البيولوجي في أعالي البحار - البيان

تسابق على الحمض النووي للمحيطات

لمن تعود ملكية التنوع البيولوجي في أعالي البحار

لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

 

تعج محيطاتنا بكائنات رائعة لا حصر لها، تشكل مخزوناً لا ينضب من التنوع البيولوجي، فضلاً عن منجم ذهب للباحثين عن إمكانيات التكنولوجيا الحيوية للحمض النووي كالشركات الدوائية والغذائية والكيماويات، التي كانت تتسابق مؤخراً للاستيلاء على تلك الكنوز المتوارثة من مئات الآلاف من السنين، معلنة ملكيتها لها ببراءات اختراع، في ظاهرة متنامية أعادت طرح جملة تساؤلات أخلاقية وقانونية وصولاً إلى الفوائد الاجتماعية المترتبة على ذلك.

وبينما يخيل للمرء أن مخلوقات كالحوت لا ينبغي أن يكون ملكية لأحد، إلا أن أجزاء معينة من تسلسل حمضه النووي باتت خاضعة لبراءات اختراع اليوم، ما يعني أن شركات خاصة لديها حقوق حصرية لاستخدام تلك الجينات (المورثات التي تحدد تشكيل وتطور وسلوكيات الكائن الحي) في البحوث والاستفادة منها مالياً، وهذا الوضع كان يتكرر مع أنواع لا تحصى من الكائنات البحرية بدءاً من سمكة الراي العملاقة إلى العوالق، التي تعيش في أعالي البحار، خارج المياه الإقليمية للدول، (أبعد من 200 ميل بحري عن سواحل الدول)، التي تشكل بالإجمالي 58% من مساحة كوكبنا.

استخدامات متوقعة

يقول روبرت بلاسياك الباحث في جامعة استوكهولم الذي وثق عملية الإستيلاء على الجينات البحرية، لمجلة «ساينس أدفانسز»: «تلك الكائنات تطورت لتزدهر في ظروف قاسية من الضغط والحرارة والحموضة والظلمة، وهذا أدى إلى تكيفها الفريد مما يجعلها محط اهتمام تجاري لا سيما في التطبيقات الطبية والصناعية».

فعلى سبيل المثال، تحديد الجينات الوراثية التي تتيح للكائنات مقاومة البيئة الحمضية، وربطها مع محاصيل زراعية، يجعل تلك المحاصيل قادرة على النمو في تربة حمضية، وهذا الأمر له إمكانيات تجارية هائلة. وكانت شركة «بايدن للإنيلين والصودا» أو «بي إيه إس إف» الألمانية، وهي أكبر شركة ببراءات اختراع في الموارد الوراثية البحرية، قد أدخلت جينات وراثية لكائنات بحرية دقيقة في بذور الكانولا لتحديد ما إذا كان ممكنا أن تحمل أحماض اوميغا 2 الدهنية تمهيداً لابتكارات مستقبلية في قطاعات الأدوية والزراعة.

التوقعات تشير إلى وصول القيمة السوقية العالمية لتكنولوجيا الأحياء البحرية إلى نحو 6.4 مليارات دولار بحلول 2025، مع مجموعة واسعة من الأغراض التجارية في الصناعات الدوائية والوقود الحيوي والصناعات الكيماوية.

والسؤال هو: من المستفيد من كل ذلك، ولمن تعود ملكية هذا التنوع البيولوجي في أعالي البحار؟

 

المستفيد الأكبر

تشير الإحصاءات إلى أنه من أصل حوالي 13 ألف تسلسل جيني من أكثر من 862 نوعا من الكائنات البحرية يخضع لبراءة الاختراع، فإن نصف تلك البراءات يعود لشركة واحدة، أما الباقي فتملكه شركات خاصة وليس جامعات عامة أو حكومات، فيما 165 دولة لا تملك أي براءة اختراع مستمدة من الحياة البحرية، وهو ما دفع بعضها إلى طرح تساؤلات بشأن الحقوق المتساوية للبلدان من تلك الثروات خارج المياه الإقليمية للدول، لا سيما في ظل التعتيم الجاري على منشأها في كثير من الأحيان، حيث يفيد روبرت بلاسياك أن ما يصل إلى 1600 تسلسل جيني من 91 نوعاً من الكائنات البحرية يأتي في منافذ حرارية مائية بأعماق البحار، مما يعني أن مصدره لا بد أن يكون المياه الدولية.

ويقول بلاسياك إنه في الوقت الذي تشكل براءات الاختراع المرتبطة «بالموارد الوراثية البحرية» إحدى الوسائل لضمان الوصول الحصري للمنافع الاقتصادية، فإن تسجيل طلبات براءات الاختراع المتعلقة بتلك المواد الجينية كان يفتقر إلى الشفافية.

ويشبه التفاوت الكبير في تسجيل براءات الاختراع بين الدول في البيئة البحرية بالإتجاه الحاصل في استغلال موارد جينية أخرى في عدد من القطاعات، حيث هناك عدد قليل من اللاعبين الأساسيين وتركيز لرؤوس أموال، كمجال البذور الزراعية حيث تهيمن «الشقيقات الست الكبرى» من الشركات («بي إيه إس إف»، و«باير» و«داو» و«ديبونت» و«موسانتو» و«سينغنتا»).

وحتى الآن، ليس واضحاً بعد تحت أي نظام قانوني تقع الموارد الوراثية البحرية في أعالي البحار وتحت أي ظروف يمكن خضوعها لبراءات اختراع، فهناك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1994، واتفاق التنوع البيولوجي، والاتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس).

بروتوكول ناغويا الذي دخل حيز التنفيذ عام 2014 وضع نظاماً من المعايير بشأن التنوع البيولوجي داخل الحدود الوطنية، لكن تطبيق البروتوكول يبطل مفعوله خارج المياه الإقليمية. وكانت معالجة تلك الهوة تركيز مفاوضات الجولة الجديدة من المفاوضات في الأمم المتحدة الساعية إلى حماية التنوع البيولوجي في أعالي البحار.

جدل مثير للاهتمام

في الماضي، واجهت قضايا براءات الاختراع في الحمض النووي معارك قانونية في الولايات المتحدة على ملكية الجينات البشرية، حيث أعلنت المحكمة العليا الأميركية عام 2013 أن الجينات البشرية لا يمكن أن تخضع لبراءات اختراع «لأنها نتاج الطبيعة»، ما أتاح لتحرير حوالي 2400 نوع من براءة الاختراع، بما في ذلك نوعان من الجينات التي تشخص سرطان الثدي «بي أر سي أيه- 1 و2» ونزعها من قبضة احتكار إحدى الشركات، وفتح المجال لنقاش بشأن أخلاقيات براءات الاختراع الحيوية.

وكان الرفض لبراءات اختراع الحمض النووي يجري على عدد من المستويات الأخلاقية والقانونية، وصولاً إلى الفوائد الاجتماعية المترتبة على الأفراد. وفي تلك القضية، فإن أنصار منح براءات الاختراع الجينية قالوا إنها تولد «حافزاً مالياً للابتكار والاستكشاف»، وأنها ضرورية لجذب الاستثمارات التي تؤدي إلى الابتكار، فيما المعارضون قالوا إن العديد من براءات الاختراع تعوق البحوث بسبب الحاجة إلى تراخيص، وعدد كبير أعرب عن انزعاجه من نمو براءات الاختراع التي تحد من وصول المرضى إلى الفحوصات التشخيصية والبحوث داخل جملة من الأمراض الوراثية.

المفاوضات الجارية في أروقة الأمم المتحدة بشأن «اتفاق دولي ملزم قانوناً بشأن الحفظ والاستعمال المستدام للتنوع البيولوجي البحري في أعالي البحار»، تركز، في المقابل، على التوصل إلى اتفاق بشأن ملكية الجينات الوراثية.

بعض الدول، لا سيما النامية، تصر على أن براءات الاختراع في المورثات البحرية في أرض المحيطات وباطنها(المنطقة) مثل الموارد المعدنية يجب أن تقع ضمن «الإرث المشترك للبشرية» كما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1994، مما يتطلب الخضوع لشكل من تقاسم المنافع، فيما تلجأ دول أخرى إلى المادة المقابلة في الاتفاقية نفسها، بتطبيق مبدأ «حرية أعالي البحار»، للإشارة إلى عدم وجود التزامات قانونية لتقاسم المنافع.

وهناك من يجادل حتى بأن المعلومات الموجودة في الكائنات البحرية قضية تتعلق بالملكية الفكرية بمعنى أن قانون براءات الاختراع ملائم أكثر للتعامل معها. ويدعو مسؤولون في منظمة «غرين بيس» إلى اتفاق ملزم قانوناً يسمح للبلدان الأفقر الاستفادة من أي اكتشافات مستحدثة في الموارد الوراثية البحرية، فضلاً عن نقل للتكنولوجيا.

لكن في عالم تلتقي فيه السياسة والصناعة والعلوم وتمتلك الشركات المتعددة الجنسيات إمكانيات مالية هائلة واحتكاراً للأسواق، يبدو جلياً أن إضفاء الطابع التجاري على التنوع الجيني في المحيطات سيبقى في يد مجموعة صغيرة من الشركات الكبرى والجامعات في البلدان الصناعية، فيما يسأل العالم، للأسف، لمن تعود ملكية الطحالب والأسماك والرخويات وحتى البكتيريا!

 

تعديل جيني

طوّر العالم البريطاني لوك ألفي بعوضة معدلة جينياً عند إطلاقها في البرية تتزاوج مع أنثى البعوض لإنتاج ذرية عقيمة، مما قلص عدد البعوض الحامل للأمراض، وساعد في القضاء على أمراض كحمى الضنك والحمى الصفراء وزيكا.

عالم في مؤسسة بيربرايت للوقاية والسيطرة على الأمراض الفيروسية

 

فحوص طبية

ابتكرت العالمة الهولندية لورا فانت فير فحصاً لسرطان الثدي بناء على الجينات. ويقوم الفحص بتقييم نسيج الورم لاحتمال خطر الإصابة مجدداً خلال مدة 10 سنوات، وبالتالي تحديد المرضى بمخاطر عالية والذين يحتاجون إلى علاج كيماوي.

رئيسة قسم الباثولوجيا والعلاج التجريبي في معهد السرطان في هولندا

 

موضوعان بارزان

موضوعان بارزان تتم مناقشتهما في مفاوضات الأمم المتحدة حول التوصل إلى «اتفاق دولي ملزم قانوناً بشأن الحفظ والاستعمال المستدام للتنوع البيولوجي البحري في أعالي البحار»، التي تمتد حتى 2020، هما: تخصيص مناطق محمية بحرية في المحيطات، حيث طرحت بريطانيا حماية نسبة 30% من المحيطات بحلول عام 2030، كما تم التوصل إلى نظام قانوني بشأن الوصول وتقاسم الموارد الوراثية البحرية.

 

أطقم تشخيص للأمراض

طوّرت العالمة هيلين لي أطقم تشخيص فورية للدم قائمة على الحمض النووي، ما أتاح الكشف الفوري عن أمراض معدية كفيروس نقص المناعة البشرية، والتهاب الكبد الوبائي بي، والكلاميديا. وهذه الأطقم لا تحتاج برادات مما يجعلها مناسبة تماما للدول ببنية تحتية ضعيفة.

 مديرة الأبحاث في وحدة تطوير التشخيص بجامعة كامبريدج

 

صفحة متخصصة تصدر عن قسم الترجمة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات