الحراك السينمائي الثقافي في الإمارات لم يغفل أهمية الفيلم الوثائقي، حيث برز عدد من المخرجين والمنتجين الإماراتيين في تقديم أعمال متنوعة ذات صبغة اجتماعية، تتناول في الكثير من جوانبها طبيعة الحياة في المجتمع الإماراتي وقطاعاته متعددة الأوجه؛ كالتراث والمرأة والرياضات ذات الصلة بالموروث، فالنسيج الاجتماعي الإماراتي متعدد الجنسيات، وغيره من الموضوعات المهمة كانت من أهم المحاور التي ناقشتها أفلامهم، ونجحت في حصد الكثير من الجوائز وعرضت في العديد من المهرجانات داخل الدولة وخراجها، ما ينبئ أن في جعبة الفنان الإماراتي الكثير من الأفكار والأطروحات الاستثنائية المتفردة بهويتها الخالصة ضمن صناعة الفيلم الوثائقي الذي يعد من المهام الأرشيفية التي تواجه تحديات كبرى وجادة، لدمجها بالتقنيات الإبداعية لجذب المشاهد.


إيقاع متسارع


وفي السياق، يشير معاذ بن حافظ، رئيس قسم الإنتاج الإبداعي في المكتب الإعلامي لحكومة دبي إلى أن تجارب الأفلام الوثائقية في دولة الإمارات ذات إيقاع متسارع من قبل الشباب الذين يرون في الإمارات الكثير من القصص والحكايات المثيرة للفخر والتقدير على مستوى القطاعات المجتمعية والاقتصادية كافة، وكذلك الثقافية التي تعد من قنوات تبادل الثقافات وتعزيز الهوية الوطنية.

معاذ بن حافظ: إيقاع متسارع لتجربة الإمارات في الأفلام الوثائقية

 

من ناحية أخرى، فإن صناعة الفيلم الوثائقي واحدة من المهام الأرشيفية التي تواجه تحديات كبرى وجادة؛ حيث يُنقل فيها للمشاهدين واحد من الموضوعات أو الأشخاص أو الأحداث أو القضايا الواقعية، وربما بعض الأفلام الوثائقية تحمل جانباً من المعلومات التعليمية عن الأشياء التي لا يعرفها المشاهدون معرفة جيدة، والبعض الآخر يهتم بالحديث المفصّل عن قصص بعض الأفراد أو الأحداث المهمة.


رسائل إنسانية


الدكتورة مارثا هولمز، المنتج المنفذ لدى شركة «بليمسول بروداكشنز» للإنتاج، تؤكد أن أهمية الفيلم الوثائقي بوجه عام تتجلى في الاتحاد الدولي للأفلام الوثائقية الذي انطلق عام 1948، والذي عرّف الفيلم بأنه «كافة أساليب التسجيل على فيلم لأي مظهر للحقيقة، يعرض إما بوسائل التصوير المباشر، أو بإعادة بنائه بصدق، وذلك لتحفيز المشاهد على عمل شيء، أو لتوسيع مدارك المعرفة والفهم الإنساني أو لوضع حلول واقعية، لمختلف المشكلات في عالم الاقتصاد أو الثقافة أو العلاقات الإنسانية»، فالفيلم الوثائقي يسعى لبث رسائل إنسانية غايتها التحفيز أو لفت الانتباه، ولأجل التثقيف والتعليم ورفع مستوى الوعي.

مارثا هولمز: بث رسائل إنسانية محفزّة


وتضيف مارثا: من خلال تجربتي في إنتاج الفيلم الوثائقي «وايلد دبي»، أدركت أن المخرجين الشباب في الإمارات لديهم الكثير ليقدموه ويعبروا عنه في أفلامهم الوثائقية التي تتأثر بطبيعة الحال بهويتهم وتجاربهم محلياً وعالمياً عبر المشاركة في المسابقات والمهرجانات الدولية، وحققوا الكثير من النجاحات المهمة التي توثق للحراك السينمائي في دولة الإمارات، وليس صحيحاً أن طبيعة الأفلام الوثائقية تعزلها عن صفة الجماهيرية، وقد يتمادى البعض ويربطونها بالضجر والملل، فالشباب في المجتمعات العربية وفقاً لمشاهداتي قاموا برصد وتصوير الأحداث الجارية أولاً بأول، وذلك لامتلاكهم وسائل التكنولوجيا الحديثة، ما دفع الكثيرين لاستخدام المصادر المتاحة على الإنترنت وإنتاج الأفلام الوثائقية.

ومما ساعد أكثر على الانتشار وإعلان الكثير من المسابقات عن هذه الأفلام التي تمت صناعتها، والمثير حقاً أن معظم صناعها هواة وليسوا متخصصين، ولكن إنتاجهم في الغالب حصل على جوائز ونال رضا الكثيرين.

من هنا انتصر الفيلم الوثائقي وأصبح أكثر تأثيراً من الروائي، خاصة وأن الأفلام الروائية التي قدمت عن نفس الأحداث لم توضع للمقارنة مع نظيرتها التسجيلية، بل على العكس كانت تعبر عن أيديولوجيات معينة لذلك لم تلقَ قبول الجمهور العام، ولكن فيما عدا هذه الفترة وهذه الأحداث كانت الأفلام الروائية هي الأكثر شهرة.


معايير احترافية


وحول أهمية إنتاج الأفلام الوثائقية وعرضها في القنوات التلفزيونية، تقول أماندا تورنبول، نائب الرئيس والمدير العام لشبكة «ديسكفري» في الشرق الأوسط وأفريقيا: معظم الأفلام الوثائقية تسعى إلى تقديم الشروحات.

أماندا تورنبول: مصدر مهم من مصادر التاريخ المرئية

 

فهدفها هو أن تكشف وتخبر وتعلم وتحرك وتقنع، أي أن تقدم الأفكار وتغير المواقف، وبات الفيلم الوثائقي نوعاً من مصادر التاريخ المرئية في عصرنا اليوم؛ يبرهن فيه صُناعه على التقدم الكبير الذي وصلت إليه إمكانات طرح الحقائق والأحداث التي قد لا يستطيع قارئ أن يقرأها أو مشاهد أن يشاهدها من قبل ليصل إلى الحقيقة الحقة فيها لذا يُعد (الفيلم الوثائقي أو التوثيقي) مصدراً مهماً من مصادر المعرفة التي شهدت تطوراً كبيراً في عالمنا اليوم؛ التي تجلت من خلال أعمال متميزة في هذا المجال الذي صار يعتمد على أرفع معايير الحرفية تبدأ من وضع الفكرة حتى الكتابة والإنتاج والتقنية في التصوير.


وتواصل أماندا: إن الفيلم الوثائقي الجيد هو الذي يحكمه الالتزام بالحياد والمصداقية، وتقديم المميز والمختلف الذي يضيف للمشاهد، وفي إنتاج الوثائقيات مدارس إنتاجية مختلفة قسمها الأكاديميون المختصون وأسهبوا في شرحها، فهي فن عريق.

كما تتجلى قيمة الأفلام الوثائقية الجيدة دائماً، لما تحمله من تساؤل حول شكل المجتمع الذي نعيش فيه، في محاولة أن يثبت أو ينفي صحة وصلاحية فكرة معينة، أو يلقي الضوء حول حدث أو ظاهرة مجهولة بالنسبة لعامة الأفراد؛ على أمل تشجيع الجمهور على القيام بفعل معين.


عمل استقصائي

ديفيد جونسون: حدث واقعي لا يرتبط بموضوع بعينه


ويشير مخرج الأفلام الوثائقية ديفيد جونسون، إلى أن الفيلم الوثائقي بطبيعة الحال ليس فيلماً سينمائياً خيالياً أو قصة مكتوبة، بل هو حدث واقعي ملموس ولا يرتبط بموضوع معين، وقد يتناول موضوعاً علمياً أو تاريخياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو أدبياً وغيرها من الموضوعات، يتألف من سلسلة أحداث حقيقية متواصلة تكون للصورة فيه قيمة عالية إلى جانب الصوت، وبشخصيات حية أو شخصيات فارقت الحياة، وهو ما يجيد السينمائيون والمبدعون الإماراتيون صياغته وتطويره والاستفادة القصوى من التجارب السابقة أو المشاركات التي ترفع من مستوى الكثير من الأعمال التي تسير في اتجاه التعريف بخصوصية الثقافة الإماراتية ماضيها وحاضرها وأيضاً تطلعاتها المستقبلية، المرتكزة في اختيار قصصها وموضوعاتها المطروحة للمشاهد في جميع أنحاء العالم على كافة عناصر العمل الاستقصائي تحديداً، كونه ينشر الوثائق والدلائل ويكشف الأسرار وما وراء الستار ويثبت الأحداث والوقائع ويلتزم بالموضوعية والجدّية وله تأثير في الرأي العام والسلطة، وذلك يسير بالتوازي مع دعم هذه المحتوى القيم بجوانب إبداعية في التصوير والإخراج والموسيقى المصاحبة، وغيرها من الأدوات الفنية التي تضع المشاهد في قلب تلك الأحداث والمشاهد الحية لتظل عالقة في ذاكرته إلى الأبد.

 

سلسلة

أفلام وثائقية وطنية لأصحاب الهمم

أطلق الأرشيف الوطني العام الماضي بالتعاون مع «جمعية الإمارات للصم»، سلسلة أفلام وثائقية وطنية بلغة الإشارة موجهة لأصحاب الهمم من فئة الصم؛ انطلاقاً من حرصه على تعزيز الثقافة الوطنية، وتنمية الحسّ الوطني لدى هذه الشريحة، ودعمها لتقريب المسافة بينها وبين الآخرين.

ويعرض الأرشيف الوطني الأفلام المترجمة بلغة الإشارة، على قناة الأرشيف الوطني في موقع «اليوتيوب» على شبكة الإنترنت، وبدأ المشروع بترجمة فيلمين وثائقيين؛ أحدهما عن الأرشيف الوطني، والآخر عن قاعة الشيخ زايد بن سلطان في مبنى الأرشيف الوطني، ويتضمن المشروع عدداً من الأفلام الأخرى التي من شأنها إثراء معلومات الصم بتاريخ قيام الإمارات وبتراثها العريق، وبالدور الكبير للآباء المؤسسين في بناء الدولة ونهضتها، وفي مقدمتهم القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.

"الخشب القديم" أول وثائقي يسرد تاريخ صناعة السفن المحلية | من المصدر

 

فيلم

«الخشب القديم».. توثيق صناعة السفن في الإمارات

أول فيلم وثائقي عن تاريخ صناعة السفن في الإمارات، فيلم «الخشب القديم»، للمنتج الصيني العالمي تانغ زان يانغ، ويتناول الفيلم مراحل بناء السفن بدءاً بأماكن تصنيعها وعملية جلب الخشب والمواد الأولية المستخدمة، مروراً بطريقة بنائها وأسمائها وأنواعها وأحجامها وطرق استعمالها، وصولاً للذين امتهنوا تلك الصناعة قديماً، إضافة للقاءات مع مجموعة من صانعي السفن الإماراتيين والنواخذة المعمرين.

ويصعب بشكل عام تحديد ملامح ظهور الفيلم الوثائقي في الإمارات؛ نظراً لتداخل جهات إنتاجه، حيث يمكن الحديث عن بدايات يعود الفضل فيها إلى شركات إنتاج النفط الأجنبية التي نشطت منذ النصف الأول من القرن الماضي، وأنتجت بعض الأفلام الوثائقية التي تناولت شيوخ الإمارات في مقدمتهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وموضوعات أخرى كثيرة.

 

إماراتي في هوليوود

فيلم «ناني» من إنتاج مؤسسة أناسي للإعلام، وفكرة الشيخة اليازية بنت نهيان بن مبارك آل نهيان، وإخراج البريطاني بول جيمس، حاز جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان لوس أنجليس السينمائي، وجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان تورونتو الدولي السينمائي «نوليوود» في كندا، والجائزة الذهبية في مسابقة هوليوود للأفلام، وجائزة في مسابقة جوائز الفيلم الأميركي، كما وصل للنهائيات في مهرجان «فونيكس» للأفلام في ملبورن.

وقام الفيلم بجولة في مهرجانات عدة منها مهرجان سيدني العالمي للأفلام في أستراليا، ومهرجان «هوليوود فلوريدا للأفلام» في الولايات المتحدة، ومهرجان طريق الحرير في آيرلندا، ومهرجان «هونغ كونغ آرت هاوس» للأفلام، ومهرجان «ميامي للأفلام المستقلة» ومهرجان «فينكس» السينمائي بالولايات المتحدة.