لا تغيير ممكن بلا تعلّم، كما أن التعليم مستحيل بلا تغيير، سيما في عالم اليوم الذي يتقدم مرتبكاً بخطى حثيثة نحو سيناريوهات مستقبلية ملتبسة، ويحضنا على إعادة التوجيه نحو الاستدامة، نحو القيام بالأمور بطرق جديدة لتعزيز البيئة وفي الوقت عينه تحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.
نعيش في عالم متأزم ومجتمع معرفي، في عصر الوقت فيه هارب، لا شيء فيه دائم، ثابت، أو مستقر. وتعتري مجتمع الألفية الجديدة المتنوع غير المتجانس سلسلة من الأزمات الداخلية الاجتماعية والبيئية وأزمة الدول والديمقراطية والممارسات غير المستدامة وتهديد العولمة. وتنطوي تبعات تلك الأزمات على تفاقم انعدام المساواة اقتصادياً واجتماعياً وظهور نوع جديد من الإدارة في العالم، يتسم بمراكز مستقلة لصنع القرار.
حين يُثقل جديد أشكال المعرفة والتجسيد النوعي كل الجوانب الأساسية للمجتمع أو حين تخترق هيكليات المجتمع وعمليات إعادة إنتاجه لذاته مسائل محكومة بالمعرفة بحيث تكون عمليات الإبداع والتحليل الرمزي وأنظمة الخبرة أكثر أهمية من عوامل الإنتاج فإننا نتحدث عن مجتمع معرفي تكمن أبرز تحدياته في توليد الذكاء الجماعي الأجدى من الذكاء المنفرد المتعدد.
يرنو التعليم والمثاليات المنضوية تحت لوائه لخلق مواطنة «مثالية» إلا أن الغايات تحولت فيما بعد نحو الحرص على حسن تدريب المواطنين ليعود ويتبدّل لاحقاً نحو إحداث صحوة في الروح النقدية. وباتت المثاليات اليوم أكثر التصاقاً بالإبداع أو بالقدرة على التعلم والعزم المستدام حيال مواجهة الأشياء الجديدة وتعديل التوقعات التعليمية بالتوافق. ليس هناك من تعليم بلا إعادة تعلّم ومراجعة لابدّ من الأخذ بها عند إدراك نقاط الضعف. يتوجب علينا في عالم الحداثة المائعة الابتعاد عن التعلّم المتقطع والتوجه لتعليم للحياة، بما يتضمن ذلك من تخطي للمقاومة المدفوعة بشعور الأمان.
لابد أن يقود التعليم للتمكين وإكساب الأفراد القدرة على صنع القرارات التصرف بما يتوافق معها، والقدرة بالتالي على التأثير في قواعد اللعبة. كما ينطوي التعليم على تطوير مزايا شخصية واجتماعية وتنمية الضمير الاجتماعي بمعنى الوعي بكيفية عمل المجتمع ومعرفة تركيبته وتفويض شخصي يتيح التحرك، ويفتح حواراً بين الشخصي والجماعي والمصالح العامة والشخصية وبين الحقوق والواجبات.
ويواجه التعليم العالي وفقاً للإعلان العالمي للقرن الواحد والعشرين عدداً من التحديات المهمة على الصعد العالمية والقومية والمؤسساتية. ويبرز على المستوى العالمي تحديان يكمن أولهما في دور المنظمات الدولية كاليونيسكو من حيث تعزيز عمليات البحث عن التيارات السائدة والتحسينات وتعزيز عمل الشبكات وبرامج التوأمة بين المؤسسات. ويكمن التحدي الثاني في تشجيع التعاون الدولي بين المؤسسات لتبادل المعلومات عبر الحدود وتسهيل التنسيق. لابد للحكومات من تأمين الأموال اللازمة للجامعات لتقوم بدورها، مع سن القوانين الضامنة لتكافؤ فرص الوصول للتعليم وتعزيز دور النساء في التعليم العالي والمجتمع.
تدير التكنولوجيا دفة التغيير في مجال التعليم ضمن منظومة عالم محكومة مفاصله بشاشات نلتصق بها ناهلين من المواقع الإلكترونية والمنصات التفاعلية ومكنونات العالم الافتراضي. لكن حين يتعلق الأمر بالتعليم الصفي فالواقع بالكاد يلامس الحدّ التقني الأدنى.
من المؤكد أن وجهة التكنولوجيا الحالية ستتبدّل دراماتيكياً في السنوات العشر المقبلة. فالابتكار في حقل الذكاء الاصطناعي سريع الخطى مما قد يتيح للآلة القيام ببعض المهام لإفساح المجال أمام الأساتذة للاضطلاع بنشاطات مدروسة كخوض النقاشات المفيدة والكتابة النقدية وإقامة الحجج.
يساعد إدخال اختبارات التقييم الرقمية والفيديوهات وأنظمة المحاكاة إلى المحتوى التعليمي الأساتذة على خلق تجربة تعليمية شخصية ديناميكية لكل طالب، تعزز المحصّلة وتقصّر مدة التعلم. إن الاستثمار في العادات الرقمية للتلامذة يملأ الصفوف بأجواء تفاعلية مهما كان العدد أو الموضوع.

الثقافة المتعجّلة
وصف البروفيسور ستيفن بيرتمان الحياة في مجتمع اليوم بـ «الثقافة الآنية» و«الثقافة المتعجلة»، لأننا نولي أهمية أكبر للأشياء الحديثة شديدة التأثير على حساب تلك التي تحتاج للاستكشاف.
2030
غالباً ما نتحدث في قطاع التعليم العالي عن توفير عائد الاستثمار وإعداد الطلاب للعمل. لكن كيف تبدو الصورة في ظل أن 85% من الوظائف المزمع وجودها عام 2030 لم تبتكر بعد؟ يجب خلال الـ 10 سنوات المقبلة الحرص على مدّ الطلاب بمهارات تدخلهم حقل العمل، وتكسبهم مهارات التكيف والتعلم الذاتي. لا بد من الموازنة في مراحل التعليم العالي بين بناء المهارات التقنية مع فسح حيز أوسع للتفكير النقدي ومهارات الاتصال.
تواجه الجامعات ومؤسسات التعليم العالي جملة تحديات أبرزها التغييرات في الجامعات، وعلى مستوى التنظيم الداخلي، بما يحسّن إدارة الموارد وإعادة هيكلتها لتعزيز الديمقراطية داخلياً، والتغييرات في خلق المعرفة والالتزام بالمقاربات متعددة الاختصاصات والجامعة لها، والتغييرات في النموذج التعليمي لتمكين تنمية التفكير النقدي والإبداعي ودمجهما، ولابد للتعلّم والتعليم أن يكونا أكثر نشاطاً والتصاقاً بالحياة الواقعية ومصممين وفق المزايا الفريدة للطلاب، والتغييرات الرامية لاستثمار إمكانيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في خلق ونشر المعلومات، والتغييرات باتجاه المسؤولية المجتمعية ونقل المعرفة.

بيريسترويكا تعليمية
يمكن للتعليم أن يكون أمراً بغاية الخطورة وفقاً للبروفيسور الأميركي ديفيد أور، الذي يرى أن الوقت قد حان لنشوء بيريسترويكا «تعليمية» بمعنى إعادة التفكير العام بالعملية والمادة التعليميتين على كل المستويات، انطلاقاً من الاعتراف بأن غالبية الأمور الخاطئة التي حصلت في هذا العالم جاءت نتيجة التعليم الذي يقصينا عن الحياة باسم سيطرة البشر، ويشرذمنا بدلاً من أن يوحّدنا، يمعن في تأكيد أهمية النجاح والوظائف، ويفصل المشاعر عن التفكير والعملي عن النظري، ويطلق في العالم أدمغة يجهل بأنها جاهلة.
المضي في النوع ذاته من التعليم لن يسهم إلا في مفاقمة مشكلاتنا. إنه جدال لا يتعلق بالجهل بل بالإقرار بأن جدوى التعليم لابدّ أن تقاس وفق معايير الأصول وبقاء البشر. فليس أي تعليم، بل نوع محدد من التعليم سينقذنا.

جون هولت (مؤلف ومعلم أميركي)
التعلم ليس حصيلة التعليم، بل نتاج نشاط المتعلمين.

ويليام بولارد (كاتب إنجليزي)
التعلم والابتكار يسيران يداً بيد، ويكمن غرور النجاح في الاعتقاد بأن ما فعلته بالأمس سيكون كفاية الغد.

ألفين توفر ( كاتب وعالم ومفكر أميركي)
أُمّيو القرن الواحد والعشرين ليسوا أولئك الذين لا يتقنون القراءة والكتابة، بل العاجزون عن التعلم والتناسي وإعادة التعلم.

