المراهقة وتأثيراتها الصحية حاضراً ومستقبلاً

ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن المراهقة تشكل المرحلة الأكثر صحة في حياة الإنسان لكونها بمعدل وفيات أدنى، ولهذا جذبت تلك المرحلة العمرية القليل من الاهتمام في السياسات الصحية عالمياً خلال القرن الماضي، فيما كانت تنتشر على نطاق واسع مراكز الرعاية بالأم والطفل في أنحاء العالم.

لكن إدراك أهمية صحة المراهقين في تحقيق الإمكانيات البشرية ازداد اليوم، كما الوعي بمنافعها التي تمتد إلى سن الرشد وصولاً إلى الجيل المقبل. ومما ساهم في زيادة الاهتمام بتلك الفئة العمرية أخيراً، هي التقديرات حول وفاة 3 آلاف مراهق يومياً لأسباب يمكن تفادي معظمها.

وكان من المفترض أن يكون جيل المراهقين الجيل الأكثر صحة، نظراً للاستثمارات الهائلة في صحة الطفل والتغذية والتعليم على مدى السنوات السابقة، بيد أن المراهقة فترة من النمو يتخللها في العادة مشكلات صحية متصلة بالبلوغ والتحكم العاطفي والسلوكيات، وهذه المشكلات كان يصاحبها أخيراً، وفقاً لتقرير «لجنة لانسيت الطبية عن صحة المراهقين ورفاههم»، اتجاهات عالمية يشجع بعضها على أساليب حياة غير صحية وانتشار سلع تضر بالصحة.

ناهيك عن تدهور بيئي وصراعات مسلحة، تشكل تهديدات كبيرة لصحة المراهقين، ويرى التقرير «أنه مع وصول عدد المراهقين إلى 1.8 مليار نسمة، وهو الأكبر تاريخياً، فإن الإخفاق في الاستثمار في صحة جيل المراهقين يهدد بضياع الاستثمارات السابقة في صحة الأم والطفل».

مكتسبات جسدية ومعرفية

وتعد المراهقة مرحلة صحية مهمة بتأثيرات على مدى الحياة، حيث إن العديد من السلوكيات والأوضاع الصحية التي تؤثر على صحة الفرد في المدى الطويل تبدأ خلال المراهقة.

فأولئك الذين يتمتعون بمستويات لياقة بدنية جيدة في العشرينات، على سبيل المثال، من المرجح أن يبقوا لائقين جسدياً خلال حياتهم، ذلك أن كثافة العظام تصل ذروتها في أوائل العشرينات حيث لنمط النشاط الجسدي والتغذية تأثير مهم.

أما بالنسبة إلى القدرات المعرفية، فقد أظهرت البحوث أنها تزداد بشكل كبير بين أواخر الطفولة ومنتصف العشرينات ثم تخضع لتراجع بطيء من أوائل الثلاثينات، حيث يشكل التحصيل العلمي خلال تلك الفترة متنبئاً قوياً للقدرة المعرفية في منتصف العمر. ويعتبر نضوج النظام العصبي في تلك المرحلة بتأثيرات هائلة على التطور العاطفي وتعظيم القدرات المستقبلية.

وفي المراهقة أيضاً يجري التكيف مع التعقيدات الاجتماعية الثقافية، وتتبلور الفروقات بين الجنسين، ما يعني أن أسس الانتقال إلى أسلوب حياة صحي في مجال التوظيف والعلاقات الاجتماعية والزواج والأبوة والمواطنة يتم بناؤها أيضاً في تلك السنوات.

مشكلات صحية

وعلى أهمية تلك الفئة العمرية، إلا أن المشكلات الصحية للمراهقين كانت تقلص سبل الاستفادة القصوى من تلك الفترة الحساسة من العمر، سواء بسبب التدخين والكحول وتعاطي المواد، أو التراجع في النشاط البدني والبدانة، وغيرها.

وتحصد حوادث الطرق والعنف أرواح عدد كبير من المراهقين وتسبب الإعاقة لهم، فيما تؤثر الاضطرابات العقلية الناجمة عن التنمر والتعاطي سلباً على صحتهم العقلية وتكيفهم الاجتماعي وإنتاجيتهم الاقتصادية لاحقاً، كل هذا فيما تظهر الأبحاث الجينية واحتمال الوراثة بين الأجيال أهمية صحة الوالدين قبل الحمل وغذائهم، وتسلط بحوث الأعصاب الضوء على أهمية تلك المرحلة في تطور الدماغ. وتشير البحوث الطبية إلى أن الطريقة التي يتخذ فيها المراهقون القرارات تختلف عن الراشدين.

ففي فترة المراهقة، يكون تأثير الأقران على الصحة والنماء أقوى من أي فترة أخرى في دورة الحياة. وهذه الحساسية الزائدة للأقران في اتخاذ القرارات لدى المراهقين يجري استهدافها غالباً من جانب قطاعي التسلية والتسويق.

لكن هذا التأثير الكبير لوسائل الإعلام والتواصل في تشكيل المواقف والقيم والسلوكيات الخاصة بالمراهقين اليوم، يمكن مواجهته يقول الخبراء عبر تمكينهم تدريجياً لاتخاذ القرارات الصائبة التي تؤثر في تصوراتهم الصحية، بما في ذلك خلال المراحل الأولى من تشكيل وعيهم بذاتهم.

سياسات صحية

وعلى مدى سنوات، كانت السياسات الصحية والاجتماعية تتجاهل المراهقين في معظم الأحيان. تقول فلافيا بوستريو المدير العام المساعد في منظمة الصحة العالمية إن المسائل الصحية الفردية الخاصة بفترة المراهقة بقيت غير مفهومة على مدى سنوات، وتعرضت في بعض الحالات للإهمال، لكن الموقف تغير الآن مع إدراج صحة المراهقين ونمائهم كجزء لا يتجزأ من الاستراتيجية العالمية بشأن صحة المرأة والطفل والمراهق (2016-2030)، وتؤكد في تقرير «تسريع العمل العالمي من أجل صحة المراهقين» على أن النمو البدني والإدراكي والاجتماعي والنفسي والجنسي السريع يتطلب عناية خاصة تشمل قطاعات متعددة.

وعلى العموم، يتحمل المراهقون حالياً نسبة عالية من عبء الأمراض والإصابات في العالم، في الوقت الذي يواجهون عوائق في الوصول إلى الخدمات الصحية والمعلومات، وتطالب منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها بضرورة إشراك الشباب في تطبيق الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بصحة المراهقين تماشياً مع شعار «لا غنى عنا فيما يخصنا».

نقاشات مطروحة

وفي دول مجلس التعاون الخليجي، حيث انتقل عبء الوفيات والأمراض بين المراهقين من الأمراض المعدية إلى الإصابات الناجمة عن حوادث المرور وقضايا الصحة العقلية، والأمراض غير المعدية، والسلوكيات والظروف المضرة بالصحة، يقول الأستاذ الجامعي عبد الكريم المقادمة، إن مصادر الأدلة محدودة فيما يتعلق بقضايا الصحة العقلية والصحة الجنسية والإنجابية وغيرها، فيما قضايا صحية أخرى يجري توثيقها بشكل أفضل، مثل تلك المتعلقة باستهلاك التبغ والمستويات المتدنية من النشاط البدني، والاستهلاك المحدود للفواكه والخضار والمستويات المرتفعة للبدانة.

ويضيف إن الأمراض غير المعدية كانت تقتل المزيد من الناس كل سنة في المنطقة أكثر من كل الأسباب الأخرى مجتمعة، فيما السلوكيات القابلة للتعديل، كاستهلاك التبغ والحمية غير الصحية ونقص النشاط البدني، كانت تترسخ على امتداد سنوات المراهقة.

وعلى نقيض البلدان الغربية التي تمتد خدمات أطباء الأطفال حتى بلوغهم سن 18 عاماً، يعتبر مقادمة أن المراهقين ليسوا أطفالاً وليسوا راشدين، ويؤكد أهمية الرعاية الخاصة لهم كفئة خاصة، ولا يوافق على الممارسة الحالية في نقل المراهقين من قسم أطباء الأطفال إلى نظم رعاية الراشدين بعد 13 عاماً، ويؤيد حتى فرز أجنحة خاصة لهم في المستشفيات، معتبراً أن الخدمات الموجهة للأطفال تميل نحو دمج مركزية الأسرة في الرعاية والدعم النفسي والاجتماعي للمراهق وأسرته، فيما الخدمات الموجهة للراشدين تركز على الفرد وتقدم نهجاً قائماً على المعرفة والمعلومات.

ويقول مقادمة إن المراهقين بين الأعمار 12 إلى 18 عاماً يواجهون توتراً متزايداً وصعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.

كما تواجه عملية انتقالهم عدداً من العقبات تتمثل في نقص المعرفة بشأن أوضاعهم المزمنة ورفض العائلة للانتقال ونقص الدعم المؤسسي لخدمات الانتقال، مؤكداً أهمية وجود مراكز رعاية صحية للمراهقين تجمع رعاية متعددة التخصصات وأحدث البحوث، مع أهمية الوقاية وتعزيز الصحة المجتمعية، بالتشديد على دور المدارس في ذلك.

مشكلات تواجه المراهقين

1 نقص المعرفة بالثقافة الجنسية

فيما أصبحت الثقافة الجسدية إلزامية في بعض الدول لحماية الأطفال من تأثير الإعلام الجديد مثل المواقع الإباحية، والتحرش الجنسي في الصغر، لا تزال من المحرمات في العالم العربي، هناك نقص في معظم المنطقة العربية بالنسبة للصحة الجنسية والإنجابية للمراهقين، وتواصل محدود بين الشباب وأهاليهم.

2 مضار التنمر

يزيد التنمر من احتمال لجوء المراهقين إلى التدخين كما من احتمال الشعور بالمرض والاكتئاب والتوتر وعدم الرضا، وتظهر الدراسات أن تطوير المهارات غير المعرفية يتقلص بدرجة كبيرة من احتمال التعرض للتنمر خلال فترة الدراسة، مثل النضج العاطفي والتعاطف والاتصال اللفظي وغير اللفظي.

3 وفيات حوادث المرور

1.2 مليون مراهق توفوا في عام 2015، معظمهم نتيجة لأسباب يمكن الوقاية منها أو قابلة للعلاج. وشكلت الإصابات الناجمة عن المرور السبب الرئيسي للوفيات في عام 2015، إلى جانب عدوى الجهاز التنفسي والانتحار وأمراض الإسهال والغرق.

 

تعليقات

تعليقات