«سيركوبوليس».. التوازن والفولاذ الذهني في مهرجانات بيت الدين

اختارت مهرجانات بيت الدين الدولية أن تختتم موسم 2018 بعرض «سيركوبوليس» لفرقة «سيرك إيلوييز» الكندية، المستوحى من فيلم «ميتروبوليس للمخرج فريتز لانغ، والذي يعالج يوميات البشر في ظلّ أنظمة البلدان الصناعية. ويقدم العرض الذي أنتج في العام 2012، فانتازيا شاعرية أنيقة تعتمد على التوازن في أجساد الفنانين الذي يعتمد على قوة العقل.

«سيركوبوليس» الذي أخرجه مدير الفرقة جينو بينشو، وصمّم رقصاته دايف سان بيار، يمزج بين فنون السيرك والمسرح والفيديو والرقص المعاصر، ويتماهى فيه الخيال مع الواقع واللهو مع الجد.

سحق الفردية

يبدأ العرض الذي قدّم في السعودية والأردن وأبوظبي سابقاً، من مكاتب الموظفين المتشنّجين في مدينة صناعية مشحونة بالضغوطات، حيث تسحق الآلات يوميات الناس، مع خلفية ماكينات ضخمة تظهر على الشاشة مع موسيقى قلقة يغزوها التكرار.

ترمز المعدات العملاقة والبوابات القاتمة في أفلام الفيديو (تصميم روبير ماسيكوت وألكسيس لورنس) المستوحاة من أفلام شارلي شابلن الصامتة وملصقات الاتحاد السوفييتي الدعائية، إلى الآلية التي تسحق مفهوم الفردية في قلب مدينة غير متساهلة تفرض نفسها شكلياً.

ويقدم عشرة أشخاص من فناني الأكروبات وفنون السيرك المختلفة العرضَ على مسرح بتصميم مبتكر، تصاحبه موسيقى تصويرية رائعة وعروض فيديو مبهرة، فيكسرون حاجز الرتابة كما يتخطون حدود المدينة الصناعية.

إنه عالمٌ يكشف النقاب عن المستور والعزلة، فتحلّ مكانهما لمسات بديعة من الألوان المفعمة بالحياة.

تحفة فنية

تتالى المشاهد البهلوانية واللوحات الراقصة والوصلات التمثيلية ووصلات القفز التي تعطيها الإضاءة عالية الجودة رونقاً خاصاً يزيده جمالاً القطع الموسيقية التي ترافق المشاهد.

وتحتلّ العجلات والدواليب والديابولو والحبال والعواميد وألعاب الخفة، الخشبة التي حولتها أجساد الراقصين والفنانين المرِنة، إلى تحفة فنية مليئة بالدهشة والمرح والتسلية. هكذا حبس العرض أنفاس الحاضرين ومعظمهم من الصغار والمراهقين الذين تستهويهم هذه الفنون المسلية، وذلك من دون أن يكون عرضاً تقليدياً مع مشاهد الحيوانات والنار والمهرجين.

لكن الصغار الذين استمتعوا بالعناصر البصرية القوية والمبتكرة، لا يعرفون أن هذا العرض أكثر بكثير من سيرك، فهو عميق مليء بالأحاسيس ويطرح مسألة مهمة جداً في عصرنا هذا وهي مسألة ضغوط العمل في المدن الكبيرة التي يعمل سكانها أكثر من 10 ساعات يومياً ويغرقون في متاهات الروتين وتنتهي الحياة فجأة من دون أن يشعروا أو يستمتعوا بها.

تعليقات

تعليقات