يزاول أكثر من ملياري إنسان هواية الألعاب على الهاتف المحمول أو اللوح الالكتروني أو الكمبيوتر الشخصي أو كونسول لوح التحكم بشكل شبه يومي.
وقد قطعت تلك الصناعة شوطاً كبيراً منذ نشوئها في سبعينات القرن الماضي، وتقدم الآن رسومات افتراضية تقلد الحقيقة بشكل مذهل، وباتت إيراداتها بمليارات الدولارات، مع تحقيق النسبة الأكبر عبر الهاتف المحمول ما يصل إلى 50.4 ملياراً من أصل 116.9 مليار دولار عام 2017، أو نسبة 43%.
تغير الصورة النمطية
ويرى المحللون أنه في الوقت الذي لا تزال الصورة النمطية السائدة بأن تلك الألعاب هواية للفتيان المراهقين، فإن نموها في السنوات الأخيرة كان مدفوعاً بقاعدة من المستهلكين الإناث ومن هم ضمن الفئة العمرية ما فوق 65 عاماً، حيث شكلت اللاعبات على الهاتف الجوال في عام 2017 نسبة 63% مقابل 37% للاعبين الذكور.
وعلى عكس ألعاب كونسول لوحة التحكم المدججة بالأسلحة والتي تقطر ذكورية، فإن النوع الأكثر شعبية على الهاتف الجوال هي الأحجية والتوافه وألعاب الكلمات، مثل «كاندي كرش» و«ووردز وذ فرندز»، وغيرها الكثير.
لكن بين فئة الشباب من يعترض على ألعاب الهاتف المحمول، باعتبارها ليست «ألعاباً بالمعنى الكامل للكلمة»، وينظر إلى ألعاب الهاتف الذكي على أنها أقل شأناً، على الرغم من جذبها مجموعة واسعة من اللاعبين.
وينصب افتتان الشباب بشكل متزايد أخيراً على ألعاب الفيديو التنافسية، ويشهد العالم بروز ظاهرة جديدة يطلق عليها «الرياضة الإلكترونية»، كانت تحصد عدداً متزايداً من المشاهدين مع مكافآت تقدم لفرق اللاعبين الفائزين.
ووفقاً لتقرير «نيوزو»، حققت الرياضة الالكترونية 493 مليون دولار من الإيرادات في عام 2016، مع عدد مشاهدين وصل إلى 320 مليون شخص. ويأمل البعض أن تصبح هذه الرياضة في يوم ما رياضة لممتهنين ككرة القدم.
رياضات ذهنية
تحظى هذه الرياضة بشعبية أكبر في آسيا، حيث حضر أكثر من 40 ألف شخص نهائيات البطولة العالمية لمباراة «لييغ أوف ليجندز» في سيول عام 2014.
وأفيد أخيراً أنها سوف تعرض في الألعاب الآسيوية بإندونيسيا عام 2018، كما أعلن المجلس الأوليمبي الآسيوي عن أنها ستكون رياضة بميداليات في الألعاب الآسيوية عام 2022 في الصين، وحالياً يرجح البعض مشاركتها في دورة الألعاب الأولمبية في باريس عام 2024، على الرغم من الموقف المتردد لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ على اعتبارها رياضة من الناحية البدنية على الأقل.
لكن يؤكد البعض أن التغيير حاصل لاسيما في ظل اتجاه الأولمبياد لإشراك عنصر الشباب، وارتفاع المكافآت المعروضة، وإعلان شركة «مايكروسوفت» عن افتتاحها أكاديمية «رياضة إلكترونية» في أستراليا.
وفي العادة، يشارك في هذه الألعاب التنافسية عدة فرق متنافسة موصولة على الانترنت، وعلى عكس كرة القدم حيث يجري الانتقال بالكرة إلى مرمى الهدف، فإن ما يجري نقله هنا هي قنابل، فيما اللاعبون مدججون بالأسلحة، مع ذلك، هناك من يدافع عن بعض هذه الألعاب باعتبارها رياضة ذهنية أكثر منها بدنية، وتتطلب قدرات استراتيجية ومهارات كسرعة رد الفعل والدقة.
تزايد قلق المجتمع
وفيما تمضي هذه الموجة الجديدة يزداد قلق الأهالي والمعنيين على الأولاد الصغار الذين ينفقون ساعات طويلة على تلك الألعاب تصل أحياناً إلى تسع ساعات أو أكثر. وإلى جانب مشكلة الإدمان، يترتب على ذلك مشكلات صحية مرتبطة بالجلوس فترات طويلة أمام الشاشة وغيرها من أشكال سوء المعاملة داخل مجتمع تلك الألعاب، وغيرها.
وتنقل صحيفة «ذا غارديان» عن الخبير في صحة الأطفال أريك سيغمان، إن الأهل كانوا يطلبون من الأطباء منوّماً لأطفالهم، وأنه «سواء أكان الأمر إدماناً أو شيئاً آخر، فإنه يعد مشكلة كبيرة ومتنامية».
وفيما تستغل العلامات التجارية الطلب المتزايد، يواجه الأهل قضية أكثر صعوبة مع أولادهم، من إنجاز الفروض المدرسية أو تناول الأطعمة الصحية مع أولادهم.
وفيما يتفق الخبراء بأن اللجوء إليها هو نوع من الهروب من قسوة متطلبات الحياة، يرى البعض أنها تخلق إحساساً بالانتماء، نوع من نظام قبلي، حيث يستطيع اللاعبون دعوة آخرين إلى لائحة أصدقائهم، واللعب كجماعة ضد فرق أخرى، كما في «ليغ أوف ليجندز». لكن غالبا ما لا تكون البيئة ودية في تلك الألعاب، حيث يتعرض من يخطئ في اللعب للصراخ والسباب.
احتلت تأثيرات تلك الألعاب موضوع دراسات علمية كثيرة ربطت بينها وبين موضوعات الإدمان والعدوان والعنف والتطور الاجتماعي والأخلاقي. ومن بين الفرضيات أنها تزيد العدوانية وقد تكون مسؤولة عن أحداث قتل، بل أن لعبة مثل «الحوت الأزرق» تم ربطها بحالات انتحار، لكن يبقى هذا النقاش مثار جدل ولا يوجد إجماع واضح بشأنه.
وفيما تنقل صحيفة «غارديان» عن أحد اللاعبين ويدعى بن جونز المعروف باسم أونيبوبو، رأيه في تلك الألعاب: «يمكن أن تخسر الكثير من المال، ناهيك عن الوقت، وليست تلك الألعاب في الواقع مهارة قابلة للتحويل، إنها مكان غريب أن تكون داخله»، هناك من يدافع عن استخدامها باعتدال لزيادة المهارات الإدراكية كما لإمكانية استخدامها في إعادة التأهيل والتعليم.
يقول باتريك لوم في مقالة بعنوان «كيف وقعت في حب ألعاب الفيديو» إن الألعاب عبارة عن أوهام، لكنها تعكس الواقع، فعندما يشعر المرء بالعجز يسعى من خلالها للسيطرة، وعندما تكون إخفاقات الحياة الحقيقية صعبة أو مخيفة، يجد المكان حيث تنبعث الحياة من جديد، فيما جل ما يخسره نقاط خيالية ودقائق من وقته، لكنه يضيف هذا الهروب قد لا يكون سيئاً، بل مكاناً لتجريب المفاهيم أو لراحة مؤقتة من ضغوط الحياة.
أين المشكلة؟
بالنسبة لكثيرين، إلى جانب مساوئها الجسدية والنفسية، فإن ضررها الأكبر يكمن في محتواها الثقافي، فألعاب الفيديو التنافسية لديها مشكلة كبيرة أخرى تكمن في التعصب والعنصرية وسوء المعاملة وكراهية النساء السائدة في العديد من الألعاب. ويقولون إن المشكلة هي مشكلة ثقافة عامة وليس محتوى عنفياً.
اليوم، أصبحت الألعاب في متناول كل فرد في الأسرة، وبات وقفها من شبه المستحيلات، ويعلق باتريك لوم بالقول: «كما مع كل تكنولوجيا، نأخذ الطالح والصالح، ونبذل قصارى جهدنا للتغيير»، فيما الحلول تقع على كاهل الجميع.
تأثيرات الافتتان بألعاب الفيديو التنافسية
المجال الرياضي
يقول الكاتب مارك سبانفيلد في صحيفة «كرستشان ساينس مونيتور» إن من يتجاهل افتتان الشباب بألعاب الفيديو التنافسية يخاطر بتغييب بيئة حياة الشباب هذه الأيام، مؤكداً حدوث تغيير في حياة المراهقين يعزوه أساساً لتأخر سن الرشد لدى الأطفال وعدم تحملهم للمسؤولية باكراً، لكن الأهم يعزوه إلى التغير الذي طرأ على حياة أطفال هذا الجيل الذين تدور حياتهم في إطار ذهني، ويقول إنه، من الواقع الافتراضي إلى وسائط الإعلام الاجتماعي، تغير المشهد الذهني للرياضة.
المجال العاطفي
يقول الكاتب في صحيفة «غارديان» باتريك لوم في مقالة بعنوان «كيف وقعت في حب ألعاب الفيديو»: «الثقافة تتغير، والألعاب نمت بالتأكيد بما يتجاوز مجرد رفع مستوى الأدرينالين، حيث باتت تحوي الآن روايات عاطفية وتتعامل مع الحزن والنوازع الوجودية الساحقة، ومع هذا التنوع الكبير في الألعاب، هناك مروحة من التجارب والأصدقاء والتحديات الجديدة».
الصحة الذهنية
وجدت دراسة جديدة في جامعة مونتريال إن اللعب بألعاب الفيديو التنافسية كثيراً قد يسبب ضرراً في الدماغ. وقد وجد الباحثون مادة رمادية أقل في منطقة الحصين بعد ممارسة ألعاب الفيديو التنافسية.
مما يزيد ارتفاع مخاطر أمراض الدماغ، بما في ذلك الاكتئاب والفصام ومرض الزهايمر، ولمواجهة الضرر المحتمل الطويل الأمد اقترح مؤلفو الدراسة أن يستفيد المتعلمون من الاستراتيجية التي تستهدف التعلم المكاني، بدلاً من التعلم برد الفعل، أي تصميم ألعاب التنافسية عن طريق إزالة أدوات التنقل داخل النظام.

