مدارات

انتقاء الطعام ولادة أم صناعة ؟

يتخذ قلق الأهل حيال عادات أولادهم الغذائية منحى تصاعدياً مطرداً في زمن يشكل فيه اضطراب الأكل ورهاب جديد الطعام عناوين تحديات عصر ارتفاع نسب البدانة والأمراض المرتبطة بالطعام لدى الأطفال.

ومع أن انتقائية تناول الطعام تعتبر في سن ما قبل المدرسة مجرد جزئية طبيعية من عملية النمو، فإن الإصرار على تناول صنف محدد يؤدي بالنسبة للبعض إلى مخاطر الإصابة بالبدانة أو نقصان الوزن، واضطرابات معديّة معوية، واضطرابات الأكل في مرحلة الطفولة اللاحقة. عوامل عدة تتحكم في السلوك الغذائي للفرد، وترتبط بخصائص منتج الطعام من جهة وبالفرد من جهة أخرى. وتشكل الخصائص الحسية الجوهرية للطعام قوام صياغة تجربة الفرد أثناء استهلاك المنتج، وتعزز الحالة الفيزيولوجية للكائن الحيّ البحث عن الطعام واستهلاكه أو الامتناع عنه. وتمثل العوامل العقلية والتحفيزية للفرد إضافة لنزعة تفادي الأطعمة غير المجربة سابقاً جانباً مهماً يحظى بمزيد من الاهتمام. ويكمن المبرر الأساس وراء ذلك في وجود علاقة وثيقة بين تفادي الطعام والتطور التدرجي لعادات الأكل غير الصحي، التي يمكن أن تخلّف آثاراً سلبية خطرة على توازن النظام الغذائي أو وزن الجسم.

ويختبر معظم الأولاد، كونها إحدى ميزات النمو الطبيعي، انخفاضاً في الشهية، وتراجع معدلات النمو بين عمر السنتين والست سنوات. وعادة ما تتشكّل تفضيلات الطعام خلال مرحلة المشي على الرغم من أنها تشهد تبدلاً جذرياً حيال بعض الأصناف بشكل أسبوعي أو يومي حتى. ويحتاج الأطفال لتجربة الأطعمة الجديدة بحدود 15 مرة قبل أن يتقبلوها كونها جزءاً من نظامهم الغذائي الطبيعي. وتعرف الانتقائية في تناول الطعام على أنها اكتفاء بأكل أصناف محدودة، أما رهاب الطعام الجديد فهو الخوف أو التردد في التهام أنواع غذائية جديدة.

ونظراً لاستناد تصور انتقائية تناول الطعام ورهاب الأطعمة الجديدة إلى طائفة من السلوكيات، وبما أن كل الأطفال تقريباً يختبرون الانتقائية بأشكال متفاوتة، فإنه من غير المفهوم تماماً إلى أي حدّ يمكن لتلك السلوكات أن تؤثر في تغير وزن الجسم في مرحلة لاحقة من الحياة.

ومن المؤكد أن سلوكات تناول الأكل أثناء مرحلة الطفولة تتنبأ بسلوكات البلوغ. وإن الأفراد الذين يعانون من البدانة أو زيادة الوزن خلال مرحلة الطفولة غالباً ما يتعرضون للمعاناة نفسها في مرحلة البلوغ مقارنة بأترابهم أصحاب الأوزان الطبيعية. وتشير بعض الأدلة إلى أن الانتقائيين في تناول الطعام، الذين لا يستهلكون سعرات حرارية كافية قد يصابون بالنحافة المفرطة.

وتذهب بعض الفرضيات إلى أن الأطفال الانتقائيين في تناول الطعام معرضون لخطر أكبر في الإصابة بالبدانة مع التقدم نحو مرحلة البلوغ والمراهقة، ويعزى ذلك على الأرجح لتفضيل المأكولات الزاخرة بالسعرات الحرارية وتراجع استهلاك الفواكه والخضار.

وتشير الأبحاث الجديدة إلى أن الانتقائية في تناول الطعام تترك تأثيرات تتعدى المخاوف المتعلقة بالبدانة وسوء التغذية. وأشارت دراسة أجريت في مركز جامعة «ديوك» لاضطرابات الأكل إلى أن متناولي الطعام الانتقائيين بشكل معتدل أكثر نزعة لإظهار عوارض الاكتئاب والقلق الاجتماعي واضطراب نقص النشاط وفرط الحركة من غيرهم من الأولاد أصحاب سلوك الأكل الطبيعي. وتبين كذلك أن الانتقائيين الأشداء في تناول الطعام كانوا عرضة مرتين أكثر للإصابة بالاكتئاب والقلق الاجتماعي.

ويذكر أن الكثير من البالغين الذين يعانون من مشاكل في تناول الطعام كانوا من الأولاد أصحاب السلوك الانتقائي. ويشير الباحثون إلى وجود مستقبلات هورمون السيروتونين في المعدة أكثر من الدماغ، ما يفترض بأن الأكل الانتقائي قد لا يكون فقط نتاج الاكتئاب والقلق، بوصفهما آلية تكيف توفر للطفل القلق نوعاً من الإحساس بالسيطرة، بل عاملاً مساهماً كذلك.

فرضية السحلبية والهندباء

أجرى باحثون دراسة تنظر في العلاقة الممكنة بين جينات الاستشعار الكيميائي وسلوك الأكل الانتقائي، ووجدوا أن بعض الجينات المرتبطة بمدركات التذوق قد تقف خلف بعض عادات الأكل الانتقائي. هناك بعض الجينات، حسبما أشاروا، سيما السلوكية منها التي تجعل الأولاد أكثر عرضةً وأكثر حساسيةً للإشكاليات السلوكية المتعلقة بوجود عوامل تأثير خارجي لا تتوافق ربما مع رغباتهم. ويعرف هؤلاء بالأطفال السحلبيين، الذين قد يكونون حساسين ولا يستسيغون التكيف مع النقد السلبي أو استراتيجيات وقت الطعام السلبية المفروضة من الأهل، مقابل أطفال الهندباء الذين يبدون مقاومةً وعناداً شديدين لكل غذاء يقدم لهم. وهناك خيط رفيع لا يتعلق بالغذاء ولا بالبيئة المؤثرة بل باستعداد الطفل لتقبّل النماذج البيئية المقدمة.

2 ـ 6

أظهرت عدة عوامل فردية ارتباطها بدرجة رهاب الأطعمة الجديدة. وكشفت بعض الدراسات أن هذا السلوك تحدده بقوة العناصر الجينية. وفي حين لم تتوصل نتائج الأبحاث إلى دراسة حاسمة تجزم بارتفاع الظاهرة بين الإناث أو الذكور، برزت علاقة أكثر وضوحاً تربط بين العمر ورهاب الطعام الجديد. ويظهر سلوك تفادي الأطعمة غير المألوفة ويصل لذروته بين السنتين والست سنوات، بدءاً من مرحلة النمو التي يكتسب فيها الطفل المتهادي المزيد من المهارات الحركية والبدنية، تلك المرحلة التي تتسم بوصول أكبر إلى أعداد أكثر من المنتجات الغذائية. وانطلاقاً من مرحلة الطفولة المتأخرة، تتراجع مستويات رهاب الطعام الجديد تدريجياً حتى سن البلوغ. ومع التقدم بالعمر، يعود الرهاب للارتفاع بشكل بطيء، ويحمي الكائن الهرم الأضعف من التسمم المحتمل.

كما أظهرت الدراسات من ناحية سيكولوجية، أن الأشخاص الذين يعانون من رهاب الطعام الجديد، يكونون أكثر ميلاً للابتعاد عن العواطف الجياشة وخوض المغامرات، ويبدون قلقاً أكبر وانفتاحاً أقل.

استراتيجية بقاء

يشكل القلق من الطعام، بالنسبة للعالم النفسي جون بريسكوت مسألة بغاية «الحساسية» بوصفها استراتيجية للبقاء إزاء «عالم من الأطعمة المشكوك بسلامتها». وإنه لمن المؤسف أن الأطعمة التي يبدي الأطفال القلق الأكبر حيالها هي أكثر ما نودّ أن يحبوها. تنبئ براعم التذوق لدى الأطفال أن الخضار الخضراء، التي تتسم بلذعة من المرارة بوجود سموم محتملة، ما يدفعهم لإظهار نظرة رعب على وجوههم لدى تذوقها.

تعليقات

تعليقات