عادة ما نميل إلى التفكير بالتنوع البيولوجي على أنه منظر طبيعي من الأدغال الكثيفة والشعب المرجانية، وأن القضاء عليه متمثل باختفاء الغابات وانقراض الأجناس. غير أن ذاك الوصف يبتعد عن الإحاطة التامة بأهمية التوازن الذي عكسه عالم الأحياء الأميركي البارز إدوارد أوزبورن ويلسون في كتابه «تنوع الحياة» الصادر عام 1992، إذ صوّر مفهوم التنوع البيولوجي على أنه احتشاد «يلتهم جميع العواصف ويحوّلها إلى جينات ويؤدي للعالم الذي خلقنا فيه. إن التنوع البيولوجي يحافظ على العالم في حالة ثبات».

وتقدم اتفاقية التنوع البيولوجي العالمية تعريفاً تشير فيه إلى أن التنوع الحيوي يعني قابلية التغيير ما بين الكائنات الحية على ثلاث مستويات: ضمن الأجناس، وفيما بينها، وضمن الأنظمة البيئية. ويقع التنوع الأول على مستوى الجين المورث، حيث الجنس مكون من أفراد. فإذا أخذنا على سبيل المثال عشرة آلاف نوع من النمل، التي تشكل 1015 فرداً، أي واحد متبوع بخمسة عشر صفراً. وفيما عدا الاستثناء النادر لوجود التوائم، فسيكون لكل من هذه الأفراد تكوينه الجيني الفريد. وإذا دمرنا نصف النمل في كل من الأجناس، سيظل لدينا 10 آلاف نوع من النمل لكن سنكون قد خسرنا 50 بالمئة من التنوع الوراثي لكل من الأجناس. وقد شهد التاريخ الحديث على تقلص عدد من الأنواع.

يسعنا التفكير في قيمة التنوع الوراثي باستخدام أمثلة من البشر الذين يملكون أليلات أو بدائل وراثية مختلفة تحدد لون العيون ونوع الشعر وشكل العضل وإلى ما هنالك. ويمكن لتلك الأليلات أن تكون مجدية في بيئة دون سواها. وتعتبر البشرة الشاحبة في المناطق الشمالية ذات المناخ الضبابي أن تكون نافعة للاستفادة من قدر أكبر من الفيتامين «دال»، وذلك خلافاً لجدواها في المناطق المعرضة للشمس، إذ تجعل الناس أكثر عرضة للإصابة بسرطان الجلد.

وتعتبر الفئة الثانية، التنوع ما بين الأجناس الأكثر تعارفاً وتضم ذلك الترتيب المذهل للحيوانات والنباتات والكائنات الصغرى في العالم. ونجد وصفاً لحوالي 1.2 مليون نوع من مجمل الأنواع التسعة ملايين أو أكثر التي يقدر أنها تسكن الأرض. ونملك قدراً جيداً من المعلومات حول الطيور والثدييات كما وثّقنا حوالي 70 بالمئة من النباتات. بالمقابل، فإن الأنواع الموجودة في أعماق البحار لا تزال مجهولة بالنسبة لنا بنسبة 90 بالمئة.

وأخيراً هناك «تنوع الأنظمة البيئية»، فالأجناس تتفاعل فيما بينها ومع عناصر الضوء والهواء والماء لتشكيل النظام البيئي. بدءاً من تندرا القطب الشمالي إلى الغابات الاستوائية ومن مصبات الأنهار إلى بيئة المياه العميقة في قلب البحار تضم الأرض سيلاً من الأنظمة البيئية التي غالباً ما لا يكون تحديها صريحاً وواضحاً. ويمكن للنظام البيئي أن يكون هائلاً كالحيد المرجاني العظيم أو صغيراً كمجموعة الإسفنج والطحالب والديدان الموجودة في قوقعة سرطان عنكبوتي. وفيما يوجد انقسام واضح بين الغابة الساحلية وأعماق البحار، ليس هناك نقطة تحدد الخط الفاصل بين نهاية حدود الغابات وبداية السافانا.

وتتنافس الأجناس ضمن النظام البيئي فيما بينها للحصول على مصادر الضوء والغذاء، لكنها تعتمد في الوقت ذاته على بعضها البعض. وهناك 87 بالمئة من النباتات المزهرة التي يتم تلقيحها بواسطة الحيوانات، فيما توفر الشعاب المرجانية الملجأ لـ 25 بالمئة من الحياة البحرية. وتقوم البكتيريا بإعادة تدوير المواد الميتة وتحويلها إلى مركبات النترات الوحيدة التي يمكن للنبات أن تشكل منها البروتين. وتوفر الأنظمة البيئية «خدمات» تدعم أشكال الحياة داخل النظام وخارجه. ولا يمكن للبشر العيش من دون تلك الخدمات التي تتضمن الهواء النقي والمياه وتحلل النفايات وتلقيح النباتات.

مرونة بيئية

لا يرادف التنوع البيولوجي وفرة الحياة على كوكب الأرض، بقدر ما يعني الحفاظ على المرونة البيئية وسهولة تكيّفها ككل، بحيث تتمكن الحياة من أن تسلم من «العواصف».

تماماً كما يمدّ التنوع الوراثي الأجناس بالقدرة على التكيف مع التغير البيئي، فإن تنوع الأجناس يضاعف قدرة تأقلم الأنظمة البيئية.

20/10

سمكةٌ مسننة تنقض على صبي يشد صنارته بشغف، فتصيب عينه لكنه يتجاهل الألم ويحتمل شرط بقائه في الخارج. لكن بصره أخذ بالتدهور على امتداد الأشهر التالية وبقي بقوة بصر 10/‏20 في عينه اليسرى.

لكن ذلك لم يمنعه من السعي خلف شغفه بالطبيعة، فمضى بعين واحدة يتابع دراسة كائنات تسهل رؤيتها عليه: الحشرات.

وغدا الأميركي إدوارد أوزبورن ويلسون عالماً أحيائياً يحمل لقب «أبو التنوع البيولوجي».

وشبّه الفيلسوف البريطاني برايان نورتون الأرض، عقب انتهاء اجتماع مجلس البحوث القومي الأميركي عام 1985 بمريض متصل بأجهزة الإنعاش تعتمد حياته عليها.

لكن طاقم المستشفى يدخل لإبلاغه بأنه سيصار إلى بيع بعض أجزاء الآلة لزيادة مدخول المستشفى، وأنهم بصدد معاينة بعض الأجزاء لغرض بيعها، حيث يخبرون المريض أن هناك العديد من الأسلاك والبراغي التي لن يكون هناك حاجة إليها جميعاً ربما. فهل يقبل الرهان؟

التنوع البيئي يدعم شكل الحياة التي نعرفها. إنه الجهاز الذي يحفظ ثباتنا.

تعبير رائج

تلفت ظاهرة متميزة تشير إلى أنه ضمن النظام البيئي الواحد، هناك قلة من الأجناس المتوافرة بكثرة علماً أن معظمها نادر. بمعنى أن الأنواع الشائعة نادرة، والأنواع النادرة شائعة.

ويعزى رواج كلمة «التنوع البيولوجي» لسخرية القدر، إلى تعمد البشر القضاء على كل ما يتعلق به. وقد استخدم التعبير للمرة الأولى في مجلس البحوث القومي الأميركي عام 1985 إبان عقد ندوة تبحث إشكالية فقدان التنوع البيئي. ويمنحنا التنوع الوراثي الشامل المزيد من الخيارات لمواجهة التغير البيئي سريع الوتيرة، سواء كان ناجماً عن الأوضاع المناخية، أو الأمراض المستجدة، أو وجود أنواع عدوانية.

ديفيد سوزوكي، مؤلف وناشط بيئي كندي

إذا قضينا على التنوع الحيوي الذي يسمح للطبيعة بالعمل، فلن تتمكن أموال العالم من إنقاذنا.

إدوارد ويلسون، عالم أحياء أميركي

علينا الحفاظ على كل جزئية من التنوع الحيوي باعتبارها لا تقدر بثمن، بينما نتعلم استخدامه وندرك أهميته للبشرية.

دونيللا ميدوز، كاتبة وعالمة بيئية أميركية

لا يمكن الحفاظ على التنوع الحيوي بحماية بعض الأنواع داخل حدائق الحيوانات، الطبيعة بحاجة لمساحة أكبر فلندعها وشأنها.

أنظمة بيئية متعددة واجب الإنسان حمايتها

دور اقتصادي

إن التنوع الحيوي يلعب دوراً مهماً في اقتصاد العالم؛ فالتنوع يمنحنا فرصة للتعرف على التركيبات الوراثية المختلفة، ما يساعد على إنتاج نباتات أفضل ونباتات جديدة تقوي الاقتصاد، كما يسهم التنوع الحيوي في إمداد البشر بكل ما يحتاجون إليه.

قيمة جمالية وأخلاقية

للتنوع الحيوي واختلاف أنواع الكائنات الحية حول الإنسان قيمة جمالية خلابة. ويتعين على الإنسان، بوصفه الوحيد القادر على استثمار ما حوله، الحفاظ على هذه القيمة. كما تقع مسؤولية حماية الأنظمة البيئية المختلفة على الإنسان لأنه الوحيد القادر على التدمير والتخريب.

صناعة الأدوية

صناعة الأدوية بأكملها تعتمد على الكائنات الدقيقة والنباتات، حيث يعتمد 70% من سكان العالم على النباتات في علاجاتهم، و40% من الأدوية الموصوفة من قبل الأطباء تحتوي أيضاً على مكونات نباتية وحيوانية كالأسبرين المستخلص من أوراق أشجار الصفصاف الاستوائية.