إعداد الجامعات لمستقبل معزّز تكنولوجياً

الأتمتة والذكاء الاصطناعي تُحدثان تغييرات في الصناعة والأعمال التجارية. فمن جهة، توفران فرصاً جديدة للشركات من أجل استكشافها، ومن جهة أخرى، تشكلان تهديداً للشركات التي لا تتكيف مع العصر.

ويرى الأستاذ الجامعي سوباش كاك بجامعة أوكلاهوما، تحديات هائلة لا تقل أهمية ستطرحها تلك التكنولوجيا أيضاً أمام الكليات والجامعات، ويأتي القلق الأكبر بالنسبة للجامعات حالياً من منافسة مؤسسات تعليمية ونظم تدريب تستخدم تكنولوجيا التعلم عبر الإنترنت، لكن هذا ليس إلا جانباً واحداً من التغييرات الجارية بالفعل وفقاً لسوباش، إذ أن بعض الشركات تتجه الآن نحو اشتراط أن يكون للعمال تدريب أو شهادات بمهارات معينة، خلافاً للشهادة الجامعية.

ويعتقد سوباش في مقال منشور في موقع «ذا كونفرزيشن»، أن التعليم عبر الإنترنت بات يشكل تحدياً هائلاً للكليات والجامعات غير المهيأة للتعامل معه. وكان قد تم الإعلان عن إغلاق 800 كلية هندسة في الهند من أصل 10 آلاف بسبب النقص في الطلب.

كما أفيد أن التعلم عبر الإنترنت يضع نصف الكليات والجامعات في الولايات المتحدة في خطر الإغلاق خلال العقود المقبلة، مع حصول الطلاب على تعليم مماثل على الإنترنت من دون الحاجة إلى العيش في الحرم الجامعي، أو أخذ دروس بشكل شخصي. ويرى سوباش أن الجامعات ستكون عرضة لخطر التقادم ما لم تتحرك بسرعة للتحول إلى مؤسسات تعليمية من أجل مستقبل مدعوم تكنولوجياً.

بدائل للتعليم العالي

حالياً، أصبحت كميات هائلة من المعلومات متاحة على الإنترنت مجاناً، جاهزة للمشاهدة والاستماع والقراءة في أي وقت، من قبل أي شخص لديه إمكانية الاتصال عبر الإنترنت.

وكانت الشركات الخاصة والمؤسسات غير الربحية والجامعات، على حد سواء، لأكثر من عقد من الزمن، تجري تجارب عبر صفوف على الإنترنت، يتم تقديمها، في معظم الأحيان، مجاناً أو بتكلفة متدنية، إلى أعداد واسعة من الطلاب حول العالم. وقد أظهرت الأبحاث أن استخدام مزيج من الصفوف على الإنترنت والتعليم التقليدي عبر الصفوف الدراسية بالفعالية نفسها، كما الالتحاق بالصفوف الدراسية شخصياً.

ويقول سوباش إن مزودي الصفوف الكبرى المفتوحة على الإنترنت (نظام التعليم المفتوح «موكس») كانوا يعملون على تحسين السبل أمام الأشخاص الذين يستكملون دراستهم لصفوف «موكس»، لتقديم إنجازاتهم لأصحاب العمل بشكل يمكن لهؤلاء فهمها بسهولة.

فعلى سبيل المثال، بات من الممكن أن يحصل الطلاب في صفوف معينة من مزود خدمات نظام التعليم المفتوح «إي دي إكس» على نسخة طبق الأصل بالصفوف والعلامات التي حصلوا عليها، من جامعة أريزونا، ولكن صاحب العمل لن يعرف مطلقاً أن شهادة الشخص جاءت عبر الإنترنت.

(وهناك تهديد آخر لنموذج العمل الذي تعتمده الجامعات أيضاً، حيث يمكن للطلاب أخذ الصفوف والحصول على العلامات بشكل مجاني، وليسوا بحاجة إلى أن يدفعوا مالاً، ما لم يكونوا مسرورين بالعلامات التي حصلوا عليها، أو إذا كانوا يرغبون فعلاً بالحصول على رصيد جامعي رسمي).

ويؤكد سوباش أن كل هذا يشير إلى فترة من التغيير السريع على عكس ما تعاملت معه الجامعات لقرون عدة.

تطور الجامعة

وفي قراءته لتطور الجامعات، يقول سوباش إن الجامعات الأوروبية في العصور الوسطى كانت تدرّب رجال دين في القانون الكنسي واللاهوت والإدارة الدينية، وقد جمعت تلك المؤسسات مستودعات ضخمة من المعارف، وقامت بتخزينها وفهرستها في مكتبات تحولت لنقطة محورية داخل الحرم الجامعي، ثم مع استكشاف الدول الأوروبية للعالم، وتأسيس مستعمرات في الخارج بدءاً من القرنين الخامس عشر والسادس عشر، تطورت الجامعات في سبيل تدريب مسؤولين وضباط لإدارة تلك الأراضي، ودراسة الملاحة عبر المحيطات، ورعاية الأوضاع الصحية للمستعمرِين.

ومع قدوم الثورة الصناعية، تغيرت الجامعات مرة أخرى، هذه المرة لتعليم العمال كيفية استخدام الطرق والأدوات العلمية والتكنولوجية الجديدة. ومجدداً، يقول سوباش، في القرن الـ21، يخضع مكان العمل للتحولات مرة أخرى، ومتطلبات الأعمال والحكومات والمجتمع من التعليم تتغير بدورها.

وكان الأمر في الماضي أن مستخدمي التكنولوجيا احتاجوا لمعرفة كيف تعمل آلاتهم، لكن في الاقتصاد ما بعد الصناعي الحالي، تغير كل ذلك، وحتى ميكانيكي السيارات بات يستخدم أجهزة الكمبيوتر للربط مع أنظمة السيارات لتحديد الأجزاء التي لا تعمل بشكل صحيح، حسبما يقول.

تغيير في سوق العمل

ومن نتائج ذلك، وفقاً لسوباش، أن عدد الوظائف التي تنطوي غالباً على مهارات روتينية، سواء بدنية أو معرفية، كانت تتقلص مع مرور الوقت. فالأتمتة في المصانع تعمل على إحلال سريع لعمال المصانع، حتى في البلدان ذات الأجور المنخفضة مثل الصين، فيما تقضي تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل تعليم الآلة مجال الرؤية لأجهزة الكمبيوتر على الوظائف ذات المهارات العالية في المكاتب أيضاً.

ويتحول العديد من الاقتصادات العالمية من الصناعات التحويلية، بما في ذلك في الولايات المتحدة، إلى الخدمات حيث معظم الوظائف الجديدة لا تتطلب تعليماً متقدماً.

وسوف تشمل الوظائف المتبقية مهام روتينية بدرجة أقل. أما الأشخاص الذين يؤدون تلك الأعمال فما زالوا يحتاجون، مع ذلك، إلى بعض التعليم بعد المدرسة الثانوية. لكنهم ربما ليسوا بحاجة ماسة للتواجد في الفصول الدراسية، أو حتى العيش في الحرم الجامعي. وستعاني الكليات والجامعات التي ليست ضمن الشريحة العليا من حيث الجودة والاعتراف بالاسم، وتلك التي استدانت مبالغ طائلة من الديون لبناء مرافق مادية، من انخفاض الطلب على خدماتها.

المنافسة بين الكليات

عامل آخر يواجه بقاء الجامعات، برأيه، هو الارتفاع السريع في تكلفة التعليم الجامعي التقليدي. فحتى الآن، بقي الطلب في الولايات المتحدة مرتفعاً على الدرجات العلمية من الكليات التي تؤمن سكناً بسبب سهولة الحصول على القروض المدعومة حكومياً، لكن ديون القروض الطلابية في الولايات المتحدة وصلت إلى 1.45 تريليون دولار، فيما 20% من المستدينين لا يكسبون ما يكفي من المال لتسديدها.

وبينما قد تسلط الجامعات الضوء على القيم غير الملموسة للتعليم، مثل الاتصال الشخصي والتواصل غير اللفظي للأشخاص الحاضرين، إلا أن التكاليف باتت العامل الأكبر، وفقاً لسوباش، حيث يتساءل أولياء الأمور والطلاب في الولايات المتحدة بشكل متزايد ما إذا كان من المجدي إنفاق 30 ألف دولار، أو حتى أكثر من 60 ألف دولار، على أقل من 240 يوماً في المدرسة في جامعة خاصة للنخبة، وتؤمن سكناً، أي أكثر من 250 دولاراً في الليلة.

أما المنافسة الرئيسية للجامعات الخاصة في الوقت الراهن، فتأتي من الجامعات الحكومية التي تقل أسعارها بنسبة الثلثين.

وقريباً، يقول سوباش، سوف يرغب الطلاب بأخذ مجموعة متنوعة من الصفوف الدراسية من جامعات مختلفة، باختيار كل فئة أو مدرسة لمزاياها الخاصة وفوائدها. وهذا من شأنه أن يزيد من حدة المنافسة بين المؤسسات، ويخفض التكاليف على الطلاب، والإيرادات الجامعية.

وستصبح الصفوف الدراسية عبارة عن تجارب مشتركة لمجتمعات التعلم عبر الإنترنت. وقد تسعى بعض الكليات لفرض رسوم على الطلاب للحصول على تجارب خاصة من التعلم الشخصي، حيث هناك تفاعل في الوقت الحقيقي بين الأساتذة والطلاب، لكن تلك ستكون إضافات لأولئك الذين يمكنهم تحمل تكاليفها، وليست القاعدة المعمول بها في التعليم الحالي اليوم.

إيجاد طريقة جديدة للتدريس

ويشير سوباش إلى استجابة بعض جامعات النخبة والتي لديها المال والخبرة، للمتغيرات المقبلة في التعليم العالي، حيث قام بعضها بتشكيل شراكات مع جامعات دولية وشركات للتدريس الإلكتروني، وتأسيس برامج تعلم عن بعد من تلقاء نفسها.

وبإمكان الطلاب أن يحصلوا على شهادة بكالوريوس في الفنون الليبرالية من «قسم الدراسات الملحقة أو التعليم المستمر» من هذه الجامعات الراقية، ويقول إنه، بتكلفة تقدر بحوالي 49500 دولار، فإن الشهادة التي يجري الحصول عليها خلال أربع سنوات هي أرخص من دراسة سنة واحدة في الحرم الجامعي في تلك الجامعات. لكن الغالبية العظمى من الناس ممن يأخذون دروساً في هذه الأقسام الجامعية لا يحصلون على شهادة مطلقاً. هؤلاء يبحثون فقط عن صف واحد معين، أو ربما عدد قليل، يخص تعليمهم الخاص.

ويرى سوباش أن أصحاب العمل سوف يستفيدون قريباً من خيارات كتلك أيضاً. وسوف تجد الجامعات نفسها مطالبة ببناء برامج معينة لشركات بعينها. كما ستجد نفسها بحاجة إلى استكشاف طرق أخرى يمكن لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المساعدة في خفض تكلفة التعليم.

ستيفن شوارتز  - نائب رئيس جامعة ماكواري سابقاً

كل تكنولوجيا وجدت مكاناً في الجامعات، لكن لم يتغير شيء مهم. الجامعات تستخدم التكنولوجيا لنقل المعلومات وتوفير التمارين والتواصل، لكن التعليم العالي ليس مجرد معلومات وبحث، بل امتلاك للحكمة. ويربط الطلاب ما تعلموه بالأعمال العظيمة الماضية وتجربتهم الخاصة. ويستقون الحكمة من بعضهم بعضاً.

جون ديوار - نائب رئيس جامعة لا تروب

جامعات المستقبل ستقدم الوصول إلى التعليم في الوقت الحقيقي من أي مكان بالعالم. خبرة التعليم المرنة ستكون متاحة عند الطلب، ومفصلة وفقاً لرغبات الطالب. وستكون الدراسة بوسائط متعددة، بما يناسب الحياة العملية. الدرجات لن تكون المؤهل الوحيد، بل قد تكون هناك حاجة لإضافة شهادات بالمهارات.

أريك كوك - أستاذ متقاعد في دائرة الإلكترونيات، جامعة ساوثهامبتون

ليس هناك مستقبل للجامعات، فالصفوف المفتوحة الكبرى على الإنترنت تفتح خزانة الكنوز الأكاديمية لكثيرين. كما أن الأكاديميين غير قادرين على إلهام طلبتهم وغير مبالين لاحتياجاتهم العاطفية. لكن التعلم سيدوم، فالروبوتات ستربط الناس في شكل جامعة محررة من عمليات المصنع.

5اتجاهات في التعليم الرقمي

1زيادة التركيز على ما تقدمه الشركات من أوراق اعتماد على الإنترنت غير شهادات الطلاب، لتسليط الضوء على المهارات.

2زيادة استخدام البيانات الضخمة لقياس إنجازات الطالب، ما يسمح بتفصيل المناهج لتلبية احتياجات الطلاب على الإنترنت.

3دمج الذكاء الاصطناعي في الصفوف باستخدام مساعد افتراضي في التعليم للتواصل مع الطلاب.

4نمو البرامج غير المربحة على الإنترنت، مع استمرار تراجع التسجيل في البرامج ذات الربحية.

5شهادات على الإنترنت في اختصاصات مثل إدارة الأعمال والتمريض والأمن السيبراني وتحليل البيانات بين غيرها قد تبقى بين الأكثر شعبية.

 

 

 

تعليقات

تعليقات